القارئ:
فإن قيل: فقد وردت السُّنة بقطع جاحد العاريَّة، وغايته أنه خائنٌ، والمُعِير سلَّطه على قبض ماله، والاحتراز منه ممكنٌ بألا يدفع إليه المال، فبطل ما ذكرتُم من الفرق.قيل: لعمر الله، لقد صحَّ الحديث بأن امرأةً مخزوميةً كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر بها النبي ﷺ فَقُطعتْ يدها.
فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان سرقتها؟
وعرَّفها الراوي بصفتها؛ لأن المذكور سبب القطع.
الشيخ: "لا، أن"؛ لأنه ..... كانت جحدتْ، ولكنها قُطعتْ بالسرقة، لا بالجحد .....
القارئ:
كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك.
أو كان السبب المذكور هو سبب القطع، كما يقوله أحمد ومَن وافقه.
ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهبٍ معينٍ البَتَّة، فإن كان الصحيح ..
الشيخ: .......
***
القارئ: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:
فإن قيل: فقد وردت السُّنة بقطع جاحد العاريَّة، وغايته أنه خائنٌ، والمُعِير سلَّطه على قبض ماله، والاحتراز منه ممكنٌ بألا يدفع إليه المال، فبطل ما ذكرتُم من الفرق.
قيل: لعمر الله، لقد صحَّ الحديث بأن امرأةً مخزوميةً كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر بها النبي ﷺ فقُطعتْ يدها.
فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان سرقتها؟
وعرَّفها الراوي بصفتها؛ لأن المذكور سبب القطع.
الشيخ: لا، أن.
القارئ: لأن.
الشيخ: "لا، أن"، هو عرَّفها بأنها تستعير، وأن العِلة السرقة، هذا قولٌ.
والقول الثاني: أنها قُطعتْ لأجل جحد العاريَّة.
القارئ:
لا أن المذكور سبب القطع، كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك.
أو كان السبب المذكور هو سبب القطع، كما يقوله أحمد ومَن وافقه.
الشيخ: نعم، يعني: جحد العاريَّة، الجمهور يقولون: إنها سرقةٌ، ولكن عُرِّفَتْ؛ لأنها كانت معروفةً بجحد العرايا، كانت تستعير وتجحد، فَعُرِّفَتْ بهذا، ولكن العِلة في القطع السَّرقة.
والقول الثاني الذي يقوله أحمد ومَن وافقه: أن العِلة جحد العاريَّة، وأنها نُزِّلَتْ منزلة السرقة .....؛ لأنها تُشبه السرقة، تستعير وتجحد، فأشبهتْ مَن يأخذ أموال الناس بالخفية.
القارئ:
الشيخ: لأنه ينصر الحقَّ .....؛ لأن قصده من كتبه -الإعلام وغير الإعلام- ليس قصده أن ينتصر لمذهب أحمد أو غيره، وإنما المقصود الانتصار للحقِّ، فهو يُبين الحقَّ، وينصر الحقَّ مع مَن كان؛ مع أحمد، أو مع مالك، أو مع الشافعي، أو مع غيرهم؛ لأن المقام مقام اجتهادٍ وإيضاحٍ للحقِّ ونصرٍ له، مع مَن كان.
وهذا هو الواجب عليه وعلى غيره، وأنه هو الحقّ، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد:7]، ويقول جلَّ وعلا: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ .. إلى آخر الآية [الحج:40- 41].
القارئ:
فإن كان الصحيح قول الجمهور اندفع السؤال، وإن كان الصحيح هو القول الآخر فمُوافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهرةٌ جدًّا؛ فإن العاريَّة من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها، ولا غِنَى لهم عنها، وهي واجبةٌ عند حاجة المُستعير وضرورته إليها: إما بأجرةٍ أو مجانًا، ولا يمكن المُعِير كل وقتٍ أن يُشْهِدَ على العاريَّة، ولا يمكن الاحتراز بمنع العاريَّة شرعًا وعادةً وعُرْفًا.
ولا فرق في المعنى بين مَن توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة، وبين مَن توصل إليه بالعاريَّة وجحدها، وهذا بخلاف جاحد الوديعة؛ فإن صاحب المتاع فرَّط حيث ائتمنه.
الشيخ: مقصوده من هذا رحمه الله: أن العاريَّة ما تحتاج إلى إشهادٍ بين الجيران وبين الإخوان، فإذا سُمِحَ للجاحدة أو الجاحد، ولم يُعاقَب عقوبةً رادعةً؛ كَثُرَ الشَّر، فمن رحمة الله أن تُقطع يد الجاحد في العاريَّة؛ حتى يبتعد الناس عن الجحد بها، حتى تسير الأمور بين الناس على الخير والثقة، ويتواصى الناس بالتعاون على الخير، فهذا يستعير دابة فلانٍ، وهذا يستعير سيارته، وهذا يستعير فراشًا، وهذا يستعير إناءً، وهذا يستعير ميزانًا، فالناس يحتاج بعضهم إلى بعضٍ، فإذا تمكن المُستعير من الجحد ولم يُعاقَب عقوبةً رادعةً اختلَّتْ هذه المنفعة وهذا الإرفاق، وعَظُمَت المصيبة، فكان في قطعه إذا جحدها وثبتتْ عليه منعٌ من هذا الشَّر، والحديث صريحٌ في ذلك، وليس فيه ما يُخالف أدلة الشرع.
القارئ:
فصلٌ
وأما قطع اليد في ربع دينارٍ، وجعل ديتها خمسمئة دينارٍ، فمن أعظم المصالح والحكمة؛ فإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف، فقطعها في ربع دينارٍ حفظًا للأموال، وجعل ديتها خمسمئة دينارٍ حفظًا لها وصيانةً.
وقد أورد بعض الزَّنادقة هذا السؤال وضمَّنه بيتين، فقال:
| يدٌ بخمس مِئِين من عَسْجَدٍ وُدِيَتْ | ما بالها قُطعتْ في ربع دينارِ؟ |
| تناقضٌ ما لنا إلا السُّكوت له | ونستجير بمولانا من العارِ |
الشيخ: هذا يُروى عن المعري الملحد ..... قال: كيف أن اليد تُودَى بخمسمئة دينارٍ؛ لأن دية المرء ألف دينارٍ، فإذا قُطعتْ ظلمًا وجب فيها خمسمئة دينارٍ، نصف الألف، ففي اليد خمسون من الإبل، نصف الدِّية، ومع هذا تُقطع في ربع دينارٍ، كيف يكون هذا؟ تناقضٌ، ظنَّ أن هذا تناقضٌ.
فردَّ عليه أهل الإيمان بأنه ليس في هذا تناقضٌ، هذا فيه حمايةٌ لمال المسلمين، لما خانتْ هانتْ وضعفتْ ورخصتْ، ولما كانت أمينةً صارتْ ثمينةً، لما كانت أمينةً ..... صارتْ ..... وَدِيَتها عظيمةٌ، ولما خانتْ وتَعَدَّتْ رخصتْ، فصارتْ تُقْطَع في ربع دينارٍ.
القارئ:
فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينةً لما كانت أمينةً، فلما خانتْ هانتْ.
وضمَّنه النَّاظم قوله:
| يَدٌ بخمس مِئِين من عَسْجَدٍ وُدِيَتْ | لكنَّها قُطِعَتْ في ربع دينارِ |
| حماية الدم أغلاها وأرخصها | خيانة المال فانظر حكمة الباري |
الشيخ: نعم، لما خانتْ رخصتْ، وعند كونها أمينةً مضبوطةً لم تَخُنْ صارتْ ثمينةً.
القارئ:
ورُوِيَ أن الشافعي رحمه الله أجاب بقوله:
| هناك مظلومةٌ غالتْ بقيمتها | وهاهنا ظلمتْ هانتْ على الباري |
وأجاب شمس الدين الكُردي بقوله:
قل للمعري ...
الشيخ: المعري الملحد.
القارئ:
| قل للمعري: عارٌ أيّما عارِ | جهل الفتى وهو عن ثوب التُّقى عارِ |
| لا تقدحنَّ زناد الشعر عن حكمٍ | شعائر الشرع لم تُقْدَح بأشعارِ |
| فقيمة اليد نصف الألف من ذهبٍ | فإن تَعَدَّتْ فلا تَسْوَى بدينارِ |
فصلٌ
وأما تخصيص القطع بهذا القدر؛ فلأنه لا بد من مقدارٍ يُجعل ضابطًا لوجوب القطع، إذ لا يمكن أن يُقال: يُقطع بسرقة فلسٍ أو حبَّة حنطةٍ أو تمرةٍ، ولا تأتي الشريعة بهذا، وتُنَزَّه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك، فلا بد من ضابطٍ، وكانت الثلاثة دراهم أول مراتب الجمع، وهي مقدار ربع دينار.
وقال إبراهيم النَّخعي وغيره من التابعين: كانوا لا يقطعون في الشيء التَّافه.
فإن عادة الناس التَّسامح في الشيء الحقير من أموالهم؛ إذ لا يلحقهم ضررٌ بفقده.
وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمةٌ ظاهرةٌ؛ فإنها كفاية المُقتصد في يومه له ولمَن يَمُونه غالبًا، وقوت اليوم للرجل وأهله له خطرٌ عند غالب الناس، وفي الأثر المعروف: مَن أصبح آمنًا في سِرْبِه، مُعافًى في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها.
الشيخ: والصواب: أن الحكم مُناطٌ بربع الدينار؛ لأن في الحديث جاء أنه قطع في مِجَنٍّ قُدِّر بثلاثة دراهم، وكان الدينار صرفه في عهد النبي ﷺ: اثني عشر، فالربع ثلاثة، ولكن الحكم يُناط بالدينار؛ لأنه يختلف في الغلاء والرخص؛ ولهذا ثبت في حديث عائشة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: تُقطع يد السارق في ربع دينارٍ فصاعدًا، فعلَّق الحكم بربع الدينار ..... فالواجب أن يُناط الحكم بربع الدينار، وكان في ذاك الوقت يُساوي ثلاثة دراهم؛ المِجَنّ الذي قطع فيه، نعم.
القارئ:
فصلٌ
وأما إيجاب حدِّ الفِرْيَة على مَن قذف غيره بالزنا دون الكفر ففي غاية المناسبة؛ فإن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه، فجعل حدّ الفِرْيَة تكذيبًا له، وتَبْرِئةً لعرض المقذوف، وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي يُجلد مَن رمى بها مسلمًا.
وأما مَن رمى غيره بالكفر، فإن شاهد حال المسلم واطِّلاع المسلمين عليها كافٍ في تكذيبه، ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرَّمي بالفاحشة، ولا سيما إن كان المقذوف امرأةً؛ فإن العار والمعرة التي تلحقها بقذفه بين أهلها، وتشعب ظنون الناس، وكونهم بين مُصدِّقٍ ومُكذِّبٍ لا يلحق مثله بالرمي بالكفر.
الشيخ: وهذا واقعٌ، فإنه إذا رماه بالكفر أو الفسق يُؤَدَّب، ولكن إذا رماه بالزنا ..... فهذا عارٌ يلحقها ويلحق المرمي بالزنا ..... إلا بعقوبةٍ واضحةٍ، فشرع الله عقوبة القاذف ثمانين جلدةً؛ تَبْرِئَةً للمقذوف من كذبه.
وأما إذا قال: إنه كافرٌ، أو قال: إنه فاسقٌ، فأعماله تدل عليه، أعماله تظهر للناس إن كان كافرًا أو فاسقًا؛ حتى يتبين كذبه .....
أما هذا ..... فقد يُستعمل سِرًّا، الزنا سِرًّا، خُفْيَةً، فإذا رمى شخصًا به فقد أوقعه في مصيبةٍ عظيمةٍ، وليس كل أحدٍ يُصدِّقه أو يُكذِّبه، فكان في إقامة الحدِّ .....
س: .......؟
ج: إذا ردَّ عليه لا بأس، قال: أنت كافرٌ، من باب المقاصة، لكن ..... إلا بحقّ.
***
القارئ: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:
فصلٌ
وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا ففي غاية الحكمة والمصلحة؛ فإن الشارع احتاط للقصاص والدِّماء، واحتاط لحدِّ الزنا، فلو لم يقبل في القتل إلا أربعة لضاعت الدماء، وتواثب العادون وتَجَرَّؤوا على القتل.
وأما الزنا فإنه بالغ في ستره، كما قدَّر الله ستره، فاجتمع على ستره شرع الله وقدره، فلم يقبل فيه إلا أربعةً يصفون الفعل وصف مُشاهدةٍ ينتفي معها الاحتمال.
وكذلك في الإقرار لم يكتفِ بأقلّ من أربع مراتٍ؛ حرصًا على ستر ما قدَّر الله ستره، وكَرِهَ إظهاره والتَّكلم به، وتوعد مَن يُحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
فصلٌ
وأما جلد قاذف الحرِّ دون العبد فتفريقٌ لشرعه بين ما فرَّق الله بينهما بقدره، فما جعل الله سبحانه العبد كالحرِّ من كل وجهٍ، لا قدرًا، ولا شرعًا، وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالتَّفاوت بين الحرِّ والعبد، وأنهم لا يرضون أن تُساويهم عبيدهم في أرزاقهم، فالله فضَّل بعض خلقه على بعضٍ، وفضَّل الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقُدرة على التَّصرف، وجعل العبد مملوكًا، والحرَّ مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك.
وأما التَّسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك مُوجَب العدل والإحسان؛ فإنه يوم الجزاء لا يبقى هناك عبدٌ وحرٌّ، ولا مالكٌ، ولا مملوكٌ.
الشيخ: ..... على الحُرِّ والعبد، هذا على طاعته، وهذا على معصيته، أما ..... الدنيا فغير داخلةٍ في ..... الآية، حيث فرَّق بينهما: الحُرّ والمملوك، فجعل حدَّ الحُرِّ شيئًا، وهو القتل مع ..... وجعل مئة جلدةٍ للبكر.
أما العبد فيُشترى ..... مملوك؛ لأن في قتله خسارةً على سيده ..... فمن رحمة الله أن جعل عقوبته نصف العقوبة، وهي الجلد خمسون جلدةً؛ حتى يُؤَدَّب ..... العمل، وحتى لا تضيع ..... على سيده.
س: .......؟
ج: ..... وليس عليه دليلٌ واضحٌ .....
القارئ:
فصلٌ
وأما تفريقه في العِدَّة بين الموت والطلاق، وعِدّة الحُرَّة وعِدّة الأَمَة، وبين الاستبراء والعِدّة، مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله، فهذا إنما يتبين وجهه إذا عرفتَ الحكمة التي لأجلها شُرعت العِدّة، وعُرِفَ أجناس العِدَد وأنواعها.
فأما المقام الأول ففي شرع العِدّة عِدَّة حِكَمٍ:
منها: العلم ببراءة الرحم، وألا يجتمع ماء الواطأَيْن فأكثر في رحمٍ واحدٍ؛ فتختلط الأنساب وتفسد، وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة.
ومنها: تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه.
ومنها: تطويل زمان الرَّجعة للمُطَلِّق؛ إذ لعله أن يندم ويَفِيء فيُصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة.
ومنها: قضاء حقِّ الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التَّزين والتَّجمل؛ ولذلك شُرِعَ الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.
ومنها: الاحتياط لحقِّ الزوج، ومصلحة الزوجة، وحقِّ الولد، والقيام بحقِّ الله الذي أوجبه، ففي العِدَّة أربعة حقوقٍ، وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه، فإن النكاح مدته العمر؛ ولهذا أُقيم مقام الدخول في تكميل الصَّداق وفي تحريم الرَّبيبة عند جماعةٍ من الصحابة ومَن بعدهم، كما هو مذهب زيد بن ثابتٍ وأحمد في إحدى الروايتين عنه، فليس المقصود من العِدَّة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحِكَمها.
المقام الثاني في أجناسها، وهي أربعةٌ في كتاب الله، وخامسٌ بِسُنَّة رسول الله ﷺ:
- الجنس الأول: أم باب العِدّة: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4].
- الثاني: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234].
- الثالث: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228].
- الرابع: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق:4].
- الخامس: قول النبي ﷺ: لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تُسْتَبْرَأ بحيضةٍ.
ومقدم هذه الأجناس كلها، الحاكم عليها كلها: وضع الحمل، فإذا وُجِدَ فالحكم له، ولا التفات إلى غيره.
وقد كان بين السلف نزاعٌ في المتوفى عنها أنها تتربص أبعد الأجلين، ثم حصل الاتِّفاق على انقضائها بوضع الحمل.
وأما عِدّة الوفاة فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دلَّ عليه عموم القرآن والسُّنة الصَّحيحة واتِّفاق الناس؛ فإن الموت لما كان انتهاء العقد وانقضاءه استقرتْ به الأحكام من التَّوارث، واستحقاق المهر.
وليس المقصود بالعِدّة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظنَّه بعض الفقهاء؛ لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحيضةٍ واحدةٍ، ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القُروء في مُدَّتها.
فلما كان الأمر كذلك قالت طائفةٌ: هي تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لا يُعْقَل معناه.
وهذا باطلٌ لوجوهٍ:
- منها: أنه ليس في الشريعة حكمٌ واحدٌ إلا وله معنًى وحكمةٌ، يعقله مَن عقله، ويخفى على مَن خفي عليه.
- ومنها: أن العِدَد ليست من باب العبادات المحضة؛ فإنها تجب في حقِّ الصغيرة والكبيرة، والعاقلة والمجنونة، والمسلمة والذِّمية، ولا تفتقر إلى نيةٍ.
- ومنها: أن رعاية حقِّ الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهرٌ فيها.
فالصواب أن يُقال: هي حريمٌ لانقضاء النكاح لما كمل؛ ولهذا تجد فيها رعايةً لحقِّ الزوج، وحُرمةً له.
ألا ترى أن النبي ﷺ كان من احترامه ورعاية حقوقه: تحريم نسائه بعده؟
ولما كانت نساؤه في الدنيا هنَّ نساؤه في الآخرة قطعًا لم يحلّ لأحدٍ أن يتزوج بهنَّ بعده، بخلاف غيره، فإنَّ هذا ليس معلومًا في حقِّه، فلو حرمت المرأة على غيره لتضررتْ ضررًا مُحققًا بغير نفعٍ معلومٍ، ولكن لو تَأَيَّمَتْ على أولادها كانت محمودةً على ذلك.
وقد كانوا في الجاهلية يُبالغون في احترام حقِّ الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غاية المُبالغة من تَرَبُّص سنةٍ في شَرِّ ثيابها، وحِفْشِ بيتها، فخفف الله عنهم ذلك بشريعته التي جعلها رحمةً وحكمةً ومصلحةً ونعمةً، بل هي من أجلِّ نعمه عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.
وكانت أربعة أشهرٍ وعشرًا على وَفْق الحكمة والمصلحة؛ إذ لا بد من مدةٍ مضروبةٍ لها، وأولى المُدَد بذلك المدة التي يُعلم فيها بوجود الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يومًا نُطْفَةً، ثم أربعين عَلَقَةً، ثم أربعين مُضْغَةً، فهذه أربعة أشهرٍ، ثم يُنفخ فيه الروح في الطَّور الرابع، فَقُدِّر بعشرة أيامٍ؛ لتظهر حياته بالحركة إن كان ثَمَّ حملٌ.
فصلٌ
وأما عِدَّة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك؛ لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق.
الشيخ: .......
.......
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:
فصلٌ
وأما عِدَّة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك؛ لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق، ولا ببراءة الرحم؛ لأنه يحصل بحيضةٍ كالاستبراء، وإن كان براءة الرحم بعض مقاصدها.
الشيخ: أعد.
القارئ:
فصلٌ
وأما عِدَّة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك؛ لأنها إنما ..... وقيدًا في رِجْله، وإِصْرًا على ظهره، وشرع له فراقها على أكمل الوجوه لها وله بأن يُفارقها واحدةً، ثم تتربص ثلاثة قُرُوءٍ، والغالب أنها في ثلاثة أشهرٍ، فإن تَاقَتْ نفسه إليها، وكان له فيها رغبةٌ، وصرف مُقلبُ القلوب قلبَه إلى محبَّتها؛ وجد السَّبيل إلى ردِّها ممكنًا، والباب مفتوحًا، فراجع حبيبته، واستقبل أمره، وعاد إلى يده ما أخرجته يد الغضب ونزغات الشيطان منها.
ثم لا يأمن غلبات الطِّباع ونزغات الشيطان من المُعاودة، فَمُكِّن من ذلك أيضًا مرةً ثانيةً، ولعلها أن تذوق من مرارة الطلاق وخراب البيت ما يمنعها من مُعاودة ما يُغضبه، ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التَّسرع إلى الطلاق.
فإذا جاءت الثالثة جاء ما لا مردَّ له من أمر الله، وقيل له: قد اندفعتْ حاجتك بالمرة الأولى والثانية، ولم يبقَ لك عليها بعد الثالثة سبيلٌ.
فإذا علم أن الثالثة فراقٌ بينه وبينها، وأنها القاضية؛ أمسك عن إيقاعها، فإنه إذا علم أنها بعد الثالثة لا تحلّ له إلا بعد تربُّص ثلاثة قُرُوءٍ، وتزوجٍ بزوجٍ راغبٍ في نكاحها وإمساكها، وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني دخولًا كاملًا يذوق فيه كلُّ واحدٍ منهما عُسَيْلَة صاحبه، بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل الفراق، ثم يُفارقها بموتٍ أو طلاقٍ أو خلعٍ، ثم تعتد من ذلك عدةً كاملةً؛ تبين له حينئذٍ يأسه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى الله، وعلم كل واحدٍ منهما أنه لا سبيل له إلى العود بعد الثالثة، لا باختياره، ولا باختيارها.
وأكَّد هذا المقصود بأن لعن الزوج الثاني إذا لم ينكح نكاح رغبةٍ يقصد فيه الإمساك، بل نكح نكاح تحليلٍ، ولعن الزوج الأول إذا ردَّها بهذا النكاح، بل ينكحها الثاني كما نكحها الأول، ويُطلقها كما طلَّقها الأول، وحينئذٍ فتُباح للأول كما تُباح لغيره من الأزواج.
الشيخ: هذا من حكم الله، ومن رحمته العظيمة: أن شرع الزواج لعفة الرجل والمرأة، ولما يحصل من الأولاد بتوفيق الله، ثم جعل الطلاق ثلاثًا، وجعل له الرجعة بعد الأولى والثانية، فإذا طلَّقها الثالثة حرمتْ عليه حتى تنكح زوجًا غيره، من حكمة الله حتى لا يعجل، وربما يسَّر الله له بعد ذلك أصلح منها، وربما يسَّر الله لها أصلح منه، فله الحكمة البالغة .
القارئ:
وأنت إذا وازنتَ بين هذا وبين الشريعتين المنسوختين، ووازنت بينه وبين الشريعة المُبَدَّلة المُبِيحَة ما لعن الله ورسوله فاعله؛ تبين لك عظمة هذه الشريعة وجلالتها، وهيمنتها على سائر الشرائع، وأنها جاءتْ على أكمل الوجوه وأتمّها وأحسنها وأنفعها للخلق، وأن الشريعتين المنسوختين خيرٌ من الشريعة المُبَدَّلة؛ فإنَّ الله سبحانه شرعهما في وقتٍ، ولم يشرع المُبَدَّلة أصلًا.
وهذه الدَّقائق ونحوها مما يختص الله سبحانه بفهمه مَن يشاء، فمَن وصل إليها فليحمد الله، ومَن لم يصل إليها فليُسلم لأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، وليعلم أن شريعته فوق عقول العقلاء، وفوق فِطَر الأَلِبَّاء:
| وقل للعيون الرُّمْدِ لا تتقدَّمي | إلى الشمس واستَغْشِي ظلام اللياليا |
| وسامح ولا تُنْكِر عليها وخَلِّها | وإن أنكرتْ حقًّا فَقُلْ خَلِّ ذا لِيَا |
غيره:
| عَابَ التَّفقه قومٌ لا عقولَ لهم | وما عليه إذا عابوه من ضررِ |
| ما ضرَّ شمس الضُّحى والشمس طالعةٌ | ألا يرى ضوأها مَن ليس ذا بصرِ |
الشيخ: بركة، اللهم اغفر له، غفر الله له.
***
القارئ: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:
فصلٌ
وأما إيجابه لغسل المواضع التي لم تخرج منها الريح، وإسقاطه غسل الموضع الذي خرجتْ منه، فما أوفقه للحكمة! وما أشدّه مُطابقةً للفطرة!
فإن حاصل السؤال: لِمَ كان الوضوء في هذه الأعضاء الظاهرة دون باطن المقعدة، مع أن باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين؟
وهذا سؤالٌ معكوسٌ من قلبٍ منكوسٍ؛ فإن من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة المكشوفة، وكان أحقّها به إمامها ومُقدمها في الذكر والفعل، وهو الوجه الذي نظافته ووضاءته عنوانٌ على نظافة القلب، وبعده اليدان، وهما آلة البطش والتَّناول والأخذ، فهما أحقُّ الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه.
ولما كان الرأس مجمع الحواس، وأعلى البدن وأشرفه؛ كان أحقَّ بالنظافة، لكن لو شرع غسله في الوضوء لعظمت المشقة، واشتدت البلية، فشرع مسح جميعه، وأقامه مقام غسله؛ تخفيفًا ورحمةً، كما أقام المسح على الخُفَّين مقام غسل الرِّجْلين.
ولعل قائلًا يقول: وما يُجزئ مسح الرأس والرِّجْلين من الغسل والنظافة؟
ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالًا لأمر الله وطاعةً له وتَعَبُّدًا يُؤثر في نظافته وطهارته ما لا يُؤثر غسله بالماء والسّدر بدون هذه النية، والتَّحاكم في هذا إلى الذَّوق السَّليم، والطَّبع المستقيم، كما أن مَعْكَ الوجه بالتراب امتثالًا للآمر وطاعةً وعبوديةً تُكسبه وضاءةً ونظافةً وبهجةً تبدو على صفحاته للنَّاظرين.
ولما كانت الرِّجْلَان تمسّ الأرض غالبًا، وتُباشر من الأدناس ما لا تُباشره بقية الأعضاء؛ كانت أحقَّ بالغسل، ولم يُوفق للفهم عن الله ورسوله مَن اجْتَزَأَ بمسحهما من غير حائلٍ.
فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس.
وأما من حيث المعنى: فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يُباشر بها العبدُ ما يريد فعله، وبها يُعْصَى الله سبحانه ويُطاع؛ فاليد تبطش، والرِّجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم؛ فكان في غسل هذه الأعضاء امتثالًا لأمر الله وإقامةً لعبوديته ما يقتضي إزالة ما لحقها من دَرَن المعصية ووسخها.
وقد أشار صاحب الشرع ﷺ إلى هذا المعنى بعينه، حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلمٌ في "صحيحه" عن عمرو بن عَبَسَة قال: قلتُ: يا رسول الله، حَدِّثْنِي عن الوضوء. قال: ما منكم من رجلٍ يُقَرِّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فَيَنْثر إلا خَرَّتْ خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خَرَّتْ خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خَرَّتْ خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خَرَّتْ خطايا رِجْليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلَّى، فحمد الله وأثنى عليه ومَجَّدَه بالذي هو أهله -أو هو له أهلٌ- وفرَّغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أُمُّه.
وفي "صحيح مسلم" أيضًا عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قَطْر الماء- فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئةٍ كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قَطْر الماء- فإذا غسل رِجْلَيه خرجتْ كل خطيئةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاه مع الماء -أو مع آخر قَطْر الماء- حتى يخرج نَقِيًّا من الذنوب.
الشيخ: وهذا يدل على أن العبادة من أسباب تكفير السيئات والخطايا لمَن لم يُصِرّ على الذنوب، أما مَن أَصَرَّ عليها مثلما قال الله: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا [آل عمران:135]، ومثلما قال ﷺ: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفَّاراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتنب الكبائر.
فالواجب على المؤمن مع تعاطي هذه العبادات الحذر من الإصرار، وأن يكون يتعاطاها مع توبةٍ وندمٍ وإقلاعٍ.
القارئ:
وفي مسند الإمام أحمد: عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: رجلان من أُمتي يقوم أحدهما من الليل يُعالج نفسه إلى الطَّهور وعليه عُقَدٌ، فيتوضأ، فإذا وَضَّأ يديه انحلَّتْ عُقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهه انحلَّتْ عُقدةٌ، وإذا مسح رأسه انحلَّتْ عُقدةٌ، وإذا وَضَّأ رِجْليه انحلَّتْ عُقدةٌ، فيقول الربُّ للذي وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يُعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له.
وفيه أيضًا عن أبي أُمامة يرفعه: أيّما رجلٍ قام إلى وضوئه يريد الصلاة، ثم غسل كفَّيه؛ نزلتْ خطيئته من كَفَّيه مع أول قطرةٍ، فإذا تمضمض واستنشق واستَنْثَر نزلتْ خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرةٍ، فإذا غسل وجهه نزلتْ خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرةٍ، فإذا غسل يديه إلى المرفقين، ورِجْليه إلى الكعبين؛ سلم من كل ذنبٍ هو له، ومن كل خطيئةٍ كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالِمًا.
وفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء، وأن حاجة اللسان والشَّفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء، فمَن أَنْكَس قلبًا، وأفسد فطرةً، وأبطل قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء، وإن الشارع فرَّق بين المُتماثلين؟
هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المُقارن لنية التَّعبد لله من انشراح القلب وقوته، واتِّساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء، فتميزتْ عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلها دون غيرها، وبالله التَّوفيق.
فصلٌ
وأما اعتبار توبة المُحارب قبل القُدرة عليه دون غيره ..
الشيخ: بركة.