إعلام الموقعين لابن القيم 6

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:

فصلٌ

ومما يُظَنُّ أنه يُخالف القياس ما رواه علي بن رباح اللَّخْمِي: أن رجلًا كان يقود أعمى، فوقعا في بئرٍ، فَخَرَّ البصيرُ، ووقع الأعمى فوقه فقتله، فقضى عمر بن الخطاب بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى يدور في الموسم ويُنْشِد:

يا أيها الناس لقيتُ مُنْكَرًا هل يَعْقِل الأعمى الصحيحَ المُبْصِرَا؟
خَرَّا معًا كلاهما تَكَسَّرَا  

وقد اختلف الناس في هذه المسألة: فذهب إلى قضاء عمر هذا عبدالله بن الزبير وشُرَيح وإبراهيم النَّخعي والشافعي وإسحاق وأحمد.

وقال بعض الفقهاء: القياس أنه ليس على الأعمى ضمان البصير؛ لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه، وكان سبب وقوعه عليه، وكذلك لو فعله قصدًا منه لم يضمنه بغير خلافٍ، وكان عليه ضمان الأعمى، ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانٌ بقصده.

قال أبو محمد المقدسي في "المغني": لو قيل هذا لكان له وجهٌ إلا أن يكون مُجمعًا عليه، فلا يجوز مُخالفة الإجماع.

والقياس حكم عمر؛ لوجوهٍ:

أحدها: أن قوده له مأذونٌ فيه من جهة الأعمى، وما تولد من مأذونٍ فيه لم يضمن كنظائره.

الثاني: قد يكون قوده له مُستحبًّا أو واجبًا.

الشيخ: "قوده له" قيادة الأعمى.

القارئ:

الثاني: قد يكون قوده له مُستحبًّا أو واجبًا، ومَن فعل ما وجب عليه أو نُدِبَ إليه لم يلزمه ضمان ما تولد منه.

الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان: إذن الشارع، وإذن الأعمى، فهو مُحسنٌ بامتثال أمر الشَّارع، مُحسنٌ إلى الأعمى بقوده له، وما على المُحسنين من سبيلٍ.

وأما الأعمى فإنه سقط على البصير فقتله، فوجب عليه ضمانه، كما لو سقط إنسانٌ من سطحٍ على آخر فقتله، فهذا هو القياس.

وقولهم: "هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه" فهذا لا يُوجب الضمان؛ لأن قوده مأذونٌ فيه من جهته ومن جهة الشارع.

وقولهم: "وكذلك لو فعله قصدًا لم يضمنه" فصحيحٌ؛ لأنه مُسيءٌ وغير مأذونٍ له في ذلك، لا من جهة الأعمى، ولا من جهة الشارع، فالقياس المَحْض قول عمر، وبالله التَّوفيق.

فصلٌ

ومما أشكل على جمهور الفقهاء وظنُّوه في غاية البُعد عن القياس: الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالبٍ في الجماعة الذين وقعوا على امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، ثم تنازعوا الولد، فأقرع بينهم فيه.

ونحن نذكر هذه الحكومة ونُبين مُطابقتها للقياس؛ فذكر أبو داود والنَّسائي من حديث عبدالله بن الخليل، عن زيد بن أرقم قال: كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ، فجاء رجلٌ من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفرٍ من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولدٍ قد وقعوا على امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، فقال لاثنين: طِيبَا بالولد لهذا. فقالا: لا. ثم قال لاثنين: طِيبَا بالولد لهذا. فقالا: لا. ثم قال لاثنين: طِيبَا بالولد لهذا. فقالا: لا. فقال: أنتم شُركاء مُتشاكسون، إني مُقْرِعٌ بينكم، فمَن قرع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدية. فأقرع بينهم، فجعله لمَن قرع له، فضحك رسول الله ﷺ حتى بَدَتْ أضراسه أو نواجذه.

وفي إسناده يحيى بن عبدالله الكندري الأَجْلَح، ولا يُحتجّ بحديثه، لكن رواه أبو داود والنَّسائي بإسنادٍ كلهم ثقاتٌ إلى عبد خيرٍ، عن زيد بن أرقم قال: أُتِيَ عليٌّ بثلاثةٍ -وهو باليمن- وقعوا على امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، فقال لاثنين: أَتُقِرَّان لهذا؟ قالا: لا. حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا. فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت له القرعة.

الشيخ: "وقعوا" يعني: بشُبهةٍ، وقعوا عليها بشبهةٍ، ما هو بزنا، وقعوا عليها بشبهةٍ؛ ولهذا لحقهم الولد، وقعوا على المرأة بشبهةٍ؛ فلهذا نظر عليٌّ في إلحاق الولد، أما لو كان بالزنا ما يلحق بأحدٍ منهم، ويكون للمرأة فقط، لكن هم وقعوا عليها بشبهةٍ.

القارئ:

فألحق الولد بالذي صارتْ له القرعة، وجعل لصاحبيه عليه ثلثي الدِّية، فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بَدَتْ نواجذه.

وقد أُعِلَّ هذا الحديث بأنه رُوِيَ عن عبد خيرٍ بإسقاط زيد بن أرقم، فيكون مُرسلًا.

قال النَّسائي: وهذا أصوب.

قلتُ: وهذا ليس بعلةٍ، ولا يُوجب إرسالًا للحديث؛ فإن عبد خيرٍ سمع من عليٍّ، وهو صاحب القصة، فَهَبْ أن زيد بن أرقم لا ذِكْر له في المتن، فمَن أين يجيء الإرسال؟

وبعد، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث، فذهب إلى القول به إسحاق بن راهويه، وقال: هو السُّنة في دعوى الولد.

وكان الشافعي يقول به في القديم.

وأما الإمام أحمد فسُئل عنه فرجَّح عليه حديث القافة، وقال: حديث القافة أحبُّ إليَّ.

وهاهنا أمران:

  • أحدهما: دخول القرعة في النَّسب.
  • والثاني: تغريم مَن خرجتْ له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه.

وكلٌّ منهما بعيدٌ عن القياس؛ فلذلك قالوا: هذا من أبعد شيءٍ عن القياس.

فيُقال: القرعة قد تُستعمل عند فقدان مُرجِّحٍ سواها من بينةٍ أو إقرارٍ أو قافةٍ، وليس ببعيدٍ تعيين المُستحق بالقرعة في هذه الحال؛ إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى، ولها دخولٌ في دعوى الأملاك المُرسلة التي لا تثبت بقرينةٍ ولا أمارةٍ، فدخولها في النَّسب الذي يثبت بمجرد الشَّبَه الخفي المُستند إلى قول القائف أولى وأَحْرَى.

وأما أمر الدِّية فمُشكلٌ جدًّا؛ فإن هذا ليس بقتلٍ يُوجب الدِّية، وإنما هو تفويت نسبه بخروج القرعة له، فيُمكن أن يُقال: وَطْء كل واحدٍ صالحٌ لجعل الولد له، فقد فوَّته كل واحدٍ منهم على صاحبه بِوَطْئِه، ولكن لم يتحقق مَن كان له الولد منهم، فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مُفَوِّتًا لنسبه على صاحبيه، فأجرى ذلك مجرى إتلاف الولد، ونزل الثلاثة منزلة أبٍ واحدٍ، فحصة المُتْلَف منه ثلث الدية، إذ قد عاد الولد له؛ فيغرم لكلٍّ من صاحبيه ما يخصُّه، وهو ثلث الدِّية.

ووجهٌ آخر أحسن من هذا: أنه لما أتلفه عليهما بِوَطْئِه ولحوق الولد به وجب عليه ضمان قيمته، وقيمة الولد شرعًا هي ديته، فلزمه لهما ثلثا قيمته، وهي ثلثا الدِّية، وصار هذا كمَن أتلف عبدًا بينه وبين شريكين له، فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحُرِّ عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرَّقيق الذي بينهم.

ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأَمَة لما فات رقّهم على السيد بحريتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرقَّاء له.

وهذا من ألطف ما يكون من القياس وأدقّه، ولا يهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم.

وقد ظنَّ طائفةٌ أن هذا أيضًا على خلاف القياس، وليس كما ظنُّوا، بل هو مَحْض الفقه، فإن الولد تابعٌ للأم في الحرية والرِّق؛ ولهذا ولد الحرِّ من أَمَة الغير رقيقٌ، وولد العبد من الحُرَّة حُرٌّ.

قال الإمام أحمد: إذا تزوج الحُرُّ بالأَمَة رَقَّ نصفه، وإذا تزوج العبد بالحُرَّة عتق نصفه.

فولد الأَمَة المُزوجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرقَّاء لسيدها، ولكن لما دخل الزوج على حُرية المرأة دخل على أن يكون أولاده أحرارًا، والولد يتبع اعتقاد الواطئ؛ فانعقد ولده أحرارًا، وقد فوَّتهم على السيد، وليس مُراعاة أحدهما بأولى من مُراعاة الآخر، ولا تفويت حقِّ أحدهما بأولى من حقِّ صاحبه، فحفظ الصحابة الحقّين، وراعوا الجانبين، فحكموا بحرية الأولاد، وإن كانت أُمُّهم رقيقةً؛ لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده، ولو توهم رقَّهم لم يدخل على ذلك، ولم يُضيعوا حقَّ السيد، بل حكموا على الواطئ بفداء أولاده، وأعطوا العدل حقَّه، فأوجبوا فداءهم بمثلهم تقريبًا، لا بالقيمة، ثم وفّوا العدل بأن مَكَّنوا المغرور من الرجوع بما غرمه على مَن غَرَّه.

الشيخ: وهذا قد يقع؛ فإنه إذا تزوجها رقيقةً، وقد أخبروه أنها حُرَّةٌ، وغَرُّوه أنها حُرَّةٌ، فإن أولاده يكونون أحرارًا، ويَغْرَم قيمتهم لسيدها، ويرجع على مَن غَرَّه بذلك؛ لأن الذي غَرَّه هو المُتسبب.

القارئ:

لأن غُرْمَه كان بسبب غروره، والقياس والعدل يقتضي أن مَن تسبب إلى إتلاف مال شخصٍ أو تغريمه أنه يضمن ما غرمه، كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلافٌ بسببٍ، وإتلاف المُتسبب كإتلاف المُباشِر في أصل الضَّمان.

فإن قيل: وبعد ذلك كله فهذا خلاف القياس أيضًا؛ فإن الولد كما هو بعض الأم وجزءٌ منها، فهو بعض الأب، وبَعْضِيَّته للأب أعظم من بَعْضِيَّته للأم؛ ولهذا إنما يذكر الله سبحانه في كتابه تخليقه من ماء الرجل، كقوله: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ۝ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ۝ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:5- 7]، وقوله: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [القيامة:37]، ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر، وإذا كان جزءًا من الواطئ، وجزءًا من الأم، فكيف كان مِلْكًا لسيد الأم دون سيد الأب؟

ويُخالف القياس من وجهٍ آخر وهو: أن الماء بمنزلة البذر، ولو أن رجلًا أخذ بذر غيره فزرعه في أرضه كان الزرع لصاحب البذر، وإن كان عليه أجرة الأرض.

قيل: لا ريب أن الولد مُنعقدٌ من ماء الأب، كما هو مُنعقدٌ من ماء الأم، ولكن إنما تَكَوَّنَ وصار مالًا مُتَقَوِّمًا في بطن الأم، فالأجزاء التي صار بها كذلك من الأم أضعاف أضعاف الجزء الذي من الأب، مع مُساواتها له في ذلك الجزء؛ فهو إنما تَكَوَّنَ في أحشائها من لحمها ودمها، ولما وضعه الأب لم يكن له قيمةٌ أصلًا، بل كان كما سمَّاه الله: ماءً مهينًا لا قيمة له؛ ولهذا لو نَزَا فَحْلُ رجلٍ على رَمَكَة آخر كان الولد لمالك الأم باتِّفاق المسلمين.

وهذا بخلاف البَذْر؛ فإنه مالٌ مُتَقَوِّمٌ له قيمةٌ قبل وضعه في الأرض، يُعَاوَض عليه بالأثمان، وعَسْب الفَحْل لا يُعَاوَض عليه، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس.

فإن قيل: فَهَلَّا طردتُم ذلك في النَّسب وجعلتُموه للأم كما جعلتُموه للأب؟

قيل: قد اتَّفق المسلمون على أن النَّسب للأب، كما اتَّفقوا على أنه يتبع الأم في الحُرية والرِّق، وهذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعًا وقدرًا؛ فإن الأب هو المولود له، والأم وعاء، وإن تَكَوَّنَ فيها، والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه وشِجْنَتَه والقائم مقامه، ووضع الأنساب بين عباده، فيُقال: فلان بن فلان، ولا تتم مصالحهم وتعارفهم ومُعاملاتهم إلا بذلك، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13]، فلولا ثبوت الأنساب من قِبَل الآباء لما حصل التَّعارف، ولفسد نظام العباد؛ فإن النِّساء مُحْتَجِبَات، مَسْتُورات عن العيون؛ فلا يمكن -في الغالب- أن تُعرف عين الأم فيُشْهَد على نسب الولد منها، فلو جُعِلَت الأنساب للأُمهات لضاعتْ وفسدتْ، وكان ذلك مُناقضًا للحكمة والرحمة والمصلحة؛ ولهذا إنما يُدْعَى الناس يوم القيامة بآبائهم، لا بأُمهاتهم.

قال البخاري في "صحيحه": "باب يُدْعَى الناس بآبائهم يوم القيامة"، ثم ذكر حديث: لكل غادرٍ لواء يوم القيامة عند اسْتِهِ بقدر غَدْرَتِه، يُقال: هذه غَدْرَة فلان بن فلان.

فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرِّقَّ تبعًا للأم، والنَّسب تبعًا للأب، والقياس الفاسد إنما يجمع بين ما فرَّق الله بينه، أو يُفَرِّق بين ما جمع الله بينه.

فإن قيل: فَهَلَّا طردتُم ذلك في الولاء، بل جعلتُموه لموالي الأم، والولاء لُحْمَةٌ كَلُحْمَة النَّسب؟

الشيخ: وفَّق الله الجميع.