تفسير قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ...}

القارئ:

ويُقِرُّ عينَه، فما عظيمةٌ يخشى الناسُ يوم القيامة إلَّا هي للمؤمن قُرَّة عينٍ؛ لِمَا هداه الله تبارك وتعالى، ولِمَا كان يعمل له في الدنيا.

وقال زيد بن أسلم: يُبَشِّرُونه عند موته، وفي قبره، وحين يُبْعَث. رواه ابنُ أبي حاتمٍ.

وهذا القول يجمع الأقوالَ كلَّها، وهو حسنٌ جدًّا، وهو الواقع.

الشيخ: يعني: تُبَشِّرهم الملائكة عند وفاتهم، وفي قبورهم، وعند بَعْثهم ونُشُورهم، يكون أجمع الأقوال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا [فصلت:30] عند الموت، وفي القبور، وفي البَعْث والنُّشور، يُبَشَّرون بالخير.

والآية عامَّة، فإن المؤمن المستقيم له بُشراه في الدنيا والآخرة، وله السعادة في الدنيا والآخرة، عند الموت، وفي قبره، وعند قيامه من قبره وبعثه هو في سعادةٍ، وفي أمنٍ، وفي عافيةٍ ونعمةٍ.

القارئ:

وقوله تبارك وتعالى: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت:31].

أي: تقول الملائكةُ للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم، أي: قُرَنَاءَكم في الحياة الدنيا، نُسَدِّدُكم ونُوَفِّقُكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نُؤْنِس منكم الوَحْشَة في القبور، وعند النَّفْخَة في الصُّور، ونُؤَمِّنُكم يوم القيامة والنُّشُور، ونُجاوزكم الصِّراط المستقيم.

الشيخ: ونجاوزكم؟

القارئ: نعم.

الشيخ: أو: بكم؟

"بكم" أحسن.

القارئ: ونجاوزكم.

الشيخ: بكم.

القارئ:

ونُجاوز بكم الصِّراط المستقيم، ونُوصِلُكم إلى جنَّات النَّعيم.

وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [فصلت:31] أي: في الجنَّة من جميع ما تختارون ممَّا تشتهيه النُّفوسُ، وتَقَرُّ به العيونُ.

وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:31] أي: مهما طلبتُم وجدتُم وحضر بين أيديكم كما اخْتَرْتُم.

نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32] أي: ضيافةً وعطاءً وإنعامًا من غفورٍ لذنوبكم، رحيمٍ بكم، رؤوفٍ، حيث غفر وستر ورَحِمَ ولَطَفَ.

وقد ذكر ابن أبي حاتمٍ هاهنا حديثَ سُوق الجنَّة عند قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:31- 32].

الشيخ: وهذا من فضله جلَّ وعلا، هذه النعم العظيمة لأهل الإيمان، فهم على سعادةٍ وأمنٍ وخيرٍ في جميع أحوالهم، ولا سيما في هذه الأحوال الشديدة الخطيرة: عند الموت، وفي القبر، ويوم البعث والنُّشور، فبسبب ما قدَّموا من أعمالٍ صالحةٍ وتقوى واستقامةٍ حفظهم الله، وجعل الملائكة تحفظهم وتخدمهم وتُؤْنِسهم حتى يصلوا إلى منازلهم في دار الكرامة والنَّعيم: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا في الآخرة مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ما تطلبون نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ فضلًا منه جلَّ وعلا وضيافةً ونعيمًا مُقِيمًا دائمًا أبد الآباد، لما صبروا في هذه الدار، لما صبروا على طاعته، واستقاموا على أمره، وحافظوا على طاعته، ووقفوا عند حدوده؛ جازاهم سبحانه بالنَّعيم المُقيم، والفضل العظيم، والسعادة الأبدية.

اللهم اجعلنا منهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.

يا لها من نعمةٍ! الله أكبر!

القارئ:

فقال: حدثنا أبي: حدثنا هشام بن عمَّارٍ: حدثنا عبدالحميد بن حبيب بن أبي العِشْرِين أبي سعيدٍ: حدثنا الأوزاعيُّ: حدثنا حسَّان بن عطيَّة، عن سعيد بن المُسَيَّب: أنَّه لَقِيَ أبا هريرة ، فقال أبو هريرة : أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سُوق الجنَّة. فقال سعيدٌ: أوفيها سوقٌ؟ فقال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ: أنَّ أهل الجنَّة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم، فيُؤْذَنُ لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فَيَزُورُون اللهَ ، ويُبْرِز لهم عرشَه، ويَتَبَدَّى لهم في روضةٍ من رياض الجنة، ويُوضَع لهم منابرُ من نورٍ، ومنابرُ من لؤلؤٍ، ومنابرُ من ياقوتٍ، ومنابرُ من زَبَرْجَدٍ، ومنابرُ من ذهبٍ، ومنابرُ من فضةٍ، ويجلس أدناهم -وما فيهم دَنِيءٌ- على كُثْبَانِ المسك والكافور، ما يَرَوْنَ بأنَّ أصحاب الكراسيِّ بأفضل منهم مجلسًا.

قال أبو هريرة : قلتُ: يا رسول الله، وهل نرى ربنا؟ قال ﷺ: نعم، هل تَتَمَارَوْنَ في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا. قال ﷺ: فكذلك لا تَتَمَارَوْنَ في رؤية ربكم تعالى، ولا يبقى في ذلك المجلس أحدٌ إلَّا حَاضَرَهُ اللهُ مُحاضرةً، حتى إنَّه ليقول للرجل منهم: يا فلان ابن فلانٍ، أَتَذْكُر يوم عملتَ كذا وكذا؟ يُذَكِّرُه ببعض غَدَرَاتِه في الدنيا، فيقول: أيْ ربِّ، أَفَلَمْ تغفر لي؟ فيقول: بَلَى، فَبِسِعَةِ مغفرتي بلغتَ منزلتك هذه.

قال: فبينما هم على ذلك غَشِيَتْهُم سحابةٌ من فوقهم فأمطرتْ عليهم طِيبًا لم يجدوا مثلَ ريحه شيئًا قَطُّ.

قال: ثم يقول ربُّنا : قوموا إلى ما أعددتُ لكم من الكرامة، وخُذُوا ما اشْتَهَيْتُم.

قال: فنأتي سُوقًا قد حَفَّتْ به الملائكةُ، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يَخْطُر على القلوب.

قال: فيحمل لنا ما اشْتَهَيْنَا، ليس يُباع فيه شيءٌ، ولا يُشترى، وفي ذلك السُّوق يَلْقَى أهلُ الجنَّة بعضُهم بعضًا.

قال: فَيُقْبِل الرجلُ ذو المنزلة الرَّفيعة فَيَلْقَى مَن هو دونه -وما فيهم دَنِيءٌ- فَيَرُوعُه ما يرى عليه من اللِّباس، فما ينقضي آخر حديثه حتى يَتَمَثَّل عليه أحسن منه؛ وذلك لأنَّه لا ينبغي لأحدٍ أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا، فَيَتَلَقَّانا أزواجنا، فَيَقُلْنَ: مرحبًا وأهلًا بحبيبنا، لقد جئتَ وإنَّ بك من الجمال والطِّيب أفضل ممَّا فارقتنا عليه. فيقول: إنَّا جالسنا اليوم ربَّنا الجبَّار تبارك وتعالى، ويَحِقُّنا أن ننقلب بمثل ما انْقَلَبْنَا به.

وقد رواه الترمذيُّ في صفة الجنَّة من "جامعه" عن محمد بن إسماعيل، عن هشام بن عَمَّارٍ، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عَمَّارٍ به نحوه، ثم قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمدُ: حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن حُمَيْدٍ.

الشيخ: قف على هذا، وانظر في آخر السَّند الأول: ابن جرير أو ابن أبي حاتم؟ آخر السند: ابن أبي حاتم أو ابن جرير.

أحد الطلاب: عن ابن أبي حاتم.

الشيخ: ابن أبي حاتم، سنده الأول، أول ما ذكر ابن أبي حاتم هنا، أثره الطويل هذا، سنده، عندك سنده؟

الطالب: ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا هشام بن عَمَّارٍ قال: حدثنا عبدالحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبي سعيدٍ قال: حدثنا الأوزاعيُّ قال: حدثني حسَّان بن عطيَّة، عن سعيد بن المُسَيَّب: أنَّه لَقِيَ أبا هريرة.

الشيخ: إيه، طيب، انظر عبدالحميد بن حبيب بن أبي العشرين، انظر ترجمته.

الطالب: قال: عبدالحميد بن حبيب بن أبي العشرين الدّمشقي، أبو سعيد، كاتب الأوزاعي، ولم يَرْوِ عن غيره، صدوقٌ، ربما أَخْطَأ، قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان، ولم يكن صاحب حديثٍ، من التاسعة (البخاري تعليقًا، والترمذي، وابن ماجه).

الشيخ: نعم، وقال أحمد.

القارئ:

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عديٍّ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومَن كَرِهَ لقاء الله كَرِهَ اللهُ لقاءَه، قلنا: يا رسول الله، كلنا نكره الموت. قال ﷺ: ليس ذلك كراهية الموت، ولكنَّ المؤمن إذا حُضِرَ جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائرٌ إليه، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من أن يكون قد لَقِيَ اللهَ تعالى، فأحبَّ اللهُ لقاءَه.

قال: وإنَّ الفاجر -أو الكافر- إذا حُضِرَ جاءه بما هو صائرٌ إليه من الشرِّ، أو ما يلقى من الشَّرِّ؛ فَكَرِهَ لقاءَ الله، فَكَرِهَ اللهُ لقاءَه، وهذا حديثٌ صحيحٌ، وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه.

الشيخ: هذا الخبر الأخير على شرط الشيخين، هذا ثابتٌ في الصحيحين: مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومَن كَرِهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءه، سُئل النبيُّ ﷺ من عائشة أو غيرها: "كلنا يكره الموت"، وليس الأمر كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الأجل وبُشِّر بما له عند الله من الرحمة والخير والفضل أحبَّ لقاء الله، وأحبَّ اللهُ لقاءه، والكافر إذا حضره الأجل وبُشِّر بغضب الله وسخطه كَرِهَ لقاء الله، وكَرِهَ اللهُ لقاءه، نسأل الله العافية.

حديث خبر السوق هذا لا بأس بإسناده وما فيه من رؤية العباد ربَّهم جلَّ وعلا.

قد ثبت في الصحيحين من وجوهٍ كثيرةٍ أنَّ المؤمنين يرون ربهم جلَّ وعلا عِيَانًا –مُباشرةً- يرونه كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صَحْوًا ليس دونها سحابٌ، فيُكلمهم جلَّ وعلا ويقول لهم ما جاءت به النصوص، فيقول لهم: سَلُوني، فيقولون: أَلَمْ تُبَيِّض وجوهنا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الجنة؟ أَلَمْ تُنَجِّنَا من النار؟ فأي شيءٍ أعظم من هذا؟ قال: أُحِلُّ عليكم رِضْوَاني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا.

والمقصود أن الله جلَّ وعلا يُرِي عباده المؤمنين وجهه الكريم، ويكشف لهم الحجاب عن وجهه يوم القيامة، وفي الجنة، وهذا من فضله جلَّ وعلا، قال تعالى في الكفرة: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، فإذا حُجِبَ الكفار، فالمؤمنون لا يُحْجَبون، بل يرونه في الموقف، ويرونه في الجنة كما يشاء .

س: .......؟

ج: ..... المحفوظ أنه .....

القارئ:

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ۝ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:33- 36].

يقول : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ أي: دعا عبادَ الله إليه وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: هو في نفسه مُهْتَدٍ بما يقوله، فَنَفْعُهُ لنفسه ولغيره لازمٌ ومُتَعَدٍّ، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يَأْتُونه، ويَنْهَون عن المُنكر ويَأْتُونه، بل يَأْتَمِرُ بالخير، ويترك الشَّرَّ، ويدعو الخَلْقَ إلى الخَالِق تبارك وتعالى.

وهذه عامَّةٌ في كل مَن دعا إلى خيرٍ، وهو في نفسه مُهْتَدٍ، ورسول الله ﷺ أولى الناس بذلك، كما قال محمد بن سيرين والسُّدِّيُّ وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم.

الشيخ: وهذا يدل على أن أحسن الناس قولًا هم الدُّعاة إلى الله، المُوجِّهون إليه، المُعلِّمون الناس الخير، وهم يتبعون ذلك، يقولون ويفعلون، فهؤلاء هم أحسن الناس قولًا، وأحسنهم هَدْيًا ..... وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعلى رأسهم نبينا محمدٌ عليه الصلاة والسلام، ثم التابعون لهم بإحسانٍ من الدُّعاة إليه من علماء الحقِّ الذين يدعون إلى الله على بصيرةٍ، على علمٍ، ويتبعون ما يقولون؛ ولهذا يقول جلَّ وعلا: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فهو يقول ويعمل سِرًّا وجهرًا، فقوله واضحٌ، وعمله واضحٌ، وسيرته واضحةٌ لا تخفى على مَن يدعوهم؛ حتى يكون قُدوةً في قوله وعمله.

أما مَن دعا إلى الله، وخالف قولُه عملَه، وعملُه قولَه، فهذا سُبَّةٌ على الإسلام، ومصيبةٌ، ومُتَشَبِّهٌ بأهل النِّفاق؛ ولهذا يقول جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:2- 3]، وذَمَّ أهل الكتاب فقال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

القارئ:

وقيل: المراد بها المُؤَذِّنون الصُّلَحَاء، كما ثبت في "صحيح مسلمٍ": المُؤَذِّنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة، وفي السُّنن مرفوعًا: الإمام ضامنٌ، والمُؤَذِّن مُؤْتَمَنٌ، فأرشد اللهُ الأئمة، وغَفَرَ للمُؤَذِّنين.

الشيخ: المُؤَذِّنون داخلون في ذلك، المُؤَذِّنون إذا صلحوا واستقاموا داخلون؛ لأنهم دُعاةٌ إلى الله، هم من أحسن الناس قولًا، فإذا صلحتْ أقوالهم وأعمالهم فهم داخلون في هذه الآية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ.

القارئ:

وقال ابن أبي حاتمٍ: حدثنا علي بن الحسين: حدثنا محمد بن عروة الهَرَوِي: حدثنا غَسَّان -قاضي هَرَاة- وقال أبو زُرْعَة: حدثنا إبراهيم بن طَهْمَان، عن مطرٍ، عن الحسن، عن سعد بن أبي وقَّاصٍ أنه قال: سهام المُؤَذِّنين عند الله تعالى يوم القيامة كسهام المُجاهدين، وهو بين الأذان والإقامة كالمُتَشَحِّط في سبيل الله تعالى في دمه.

قال: وقال ابن مسعودٍ : لو كنتُ مُؤَذِّنًا ما باليتُ ألا أَحُجَّ، ولا أعتمر، ولا أُجاهد.

الشيخ: يعني: اكتفاءً بالأذان عن التَّطوع بالحجِّ والعمرة والجهاد؛ لما في الأذان من الدعوة إلى الله، وإرشاد الناس إلى أهم العبادات وأعظمها بعد الشَّهادتين، فهو يدعو إلى الله، ويُعلن توحيد الله والإخلاص له وتعظيمه، والدعوة إلى ركن الإسلام وعمود الإسلام.

القارئ:

قال: وقال عمر بن الخطاب : لو كنتُ مُؤَذِّنًا لَكَمُلَ أمري، وما باليتُ ألا أَنْتَصِبَ لقيام الليل، ولا لصيام النَّهار، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: اللهم اغفر للمُؤَذِّنين ثلاثًا، قال: فقلتُ: يا رسول الله، تركتنا ونحن نَجْتَلِدُ على الأذان بالسيوف. قال ﷺ: كلا يا عمر، إنه سيأتي على الناس زمانٌ يتركون الأذان على ضُعفائهم، وتلك لحومٌ حرَّمها الله على النار؛ لحوم المُؤَذِّنين.

قال: وقالت عائشة رضي الله عنها: ولهم هذه الآية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

الشيخ: يعني: أنها تعمُّهم وتعمُّ جميع الدُّعاة، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام.

القارئ:

قالت: فهو المُؤَذِّن إذا قال: حيَّ على الصلاة، فقد دعا إلى الله.

وهكذا قال ابن عمر رضي الله عنهما وعكرمة: إنَّها نزلتْ في المُؤَذِّنين.

وقد ذكر البغويُّ عن أبي أُمامة الباهليِّ أنه قال في قوله : وَعَمِلَ صَالِحًا يعني: صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة.

ثم أورد البغويُّ حديث عبدالله بن المُغَفَّل قال: قال رسول الله ﷺ: بين كلِّ أذانين صلاةٌ، ثم قال في الثالثة: لمَن شاء.

وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من حديث عبدالله بن بُريدة عنه، وحديث الثَّوري، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن أبي إياسٍ معاوية بن قُرَّة، عن أنس بن مالكٍ قال -قال الثوري: لا أُراه إلا قد رفعه إلى النبي ﷺ-: الدُّعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة.

ورواه أبو داود والترمذيُّ والنَّسائيُّ في "اليوم والليلة"، كلُّهم من حديث الثَّوريِّ به، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.

ورواه النَّسائيُّ أيضًا من حديث سليمان التَّيْمِيِّ، عن قتادة، عن أنسٍ به، والصحيح أنَّ الآية عامَّةٌ في المُؤَذِّنين وفي غيرهم.

الشيخ: قوله: بين كل أذانين صلاةٌ، بين كل أذانين صلاةٌ يدل على شرعية الصلاة بين الأذان والإقامة، بعد المغرب، بعد أذان العشاء، وإن كانت غير راتبةٍ، لكنها سُنَّةٌ بعد الأذان، وقبل الإقامة.

وأما الظهر فهي راتبةٌ بعد الأذان: أربع ركعاتٍ قبل الصلاة، وفي العصر يُشرع أربع ركعاتٍ: رحم الله امرأً صلَّى أربعًا قبل العصر، والفجر سُنةٌ مُؤكدةٌ راتبةٌ قبل الصلاة، بين الأذان والإقامة، وهي ركعتان.

القارئ:

فأمَّا حال نزول هذه الآية فإنَّه لم يكن الأذان مشروعًا بالكُلية؛ لأنَّها مَكِّيَّةٌ، والأذان إنَّما شُرِعَ بالمدينة بعد الهجرة حين أُرِيَهُ عبدالله بن زيد بن عبدربه الأنصاري في منامه، فَقَصَّه على رسول الله ﷺ، فأمره أن يُلْقِيَه على بلالٍ ، فإنَّه أَنْدَى صوتًا، كما هو مُقَرَّرٌ في موضعه.

فالصحيح إذن أنَّها عامَّةٌ، كما قال عبدالرزاق، عن معمرٍ، عن الحسن البصري: أنَّه تلا هذه الآية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، فقال: هذا حبيب الله، هذا وَلِيُّ الله، هذا صفوة الله، هذا خِيرَةُ الله، هذا أحبُّ أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا النَّاس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنَّني من المسلمين، هذا خليفة الله.

وقوله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ أي: فرقٌ عظيمٌ بين هذه وهذه، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: مَن أساء إليك فَادْفَعْه عنك بالإحسان إليه، كما قال عمر : ما عاقبتَ مَن عصى اللهَ فيك بمِثْلِ أن تُطِيعَ الله فيه.

الشيخ: المقصود أنه يدفع السيئة بالحسنة، فما عاقب مَن عصى الله فيه بمثل أن يُطيع الله فيه.