تنوع الجرائم؛ ولتحذير الآخر مما فعل الأول.
س: اليوم يُوصف بالنَّحس؟
ج: نعم.
س: هل يُوصف اليوم بالنَّحس؟
ج: نَحْسٌ عليهم –يعني-: فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [فصلت:16] عليهم؛ لما فيها من الشَّدائد والهلاك.
س: وإذا قالوا: "يوم نحسٍ" يا شيخ؟
ج: إذا صار فيه شيءٌ فهو يوم نحسٍ.
س: وصفه؟
ج: نعم، وصف اليوم إذا وقع فيه من الشر.
القارئ:
وقوله : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ [فصلت:17]، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما وأبو العالية وسعيد بن جُبير وقتادة والسّدي وابن زيدٍ: بَيَّنَّا لهم. وقال الثّوري: دعوناهم.
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] أي: بَصَّرْنَاهم وبَيَّنَّا لهم ووضَّحْنَا لهم الحقَّ على لسان نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام، فخالفوه، وكذَّبوه، وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آيةً وعلامةً على صدق نبيهم.
فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ [فصلت:17] أي: بعث الله عليهم صيحةً ورَجْفَةً وذُلًّا وهَوَانًا وعذابًا ونَكَالًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [فصلت:17] أي: من التَّكذيب والجحود.
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [فصلت:18] أي: من بين أظهرهم، لم يمسّهم سُوء، ولا نالهم من ذلك ضررٌ، بل نجَّاهم الله تعالى مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام في إيمانهم وتقواهم لله .
الشيخ: وهكذا يوم القيامة، كما نجَّاهم في الدنيا: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت:18]، وهكذا في الآخرة يُنَجِّيهم من أهوال يوم القيامة: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:72]، فالعبرة واضحةٌ، والعِظَة واضحةٌ.
فالواجب الاتِّعاظ والاعتبار، والأخذ بالأسباب التي فيها الوقاية، والحذر من أسباب الهلاك، ولا سبب جعله الله سببًا للوقاية إلا توحيده وطاعته واتِّباع شريعته، والاستقامة على طاعته، ولزوم حدوده، هذا هو طريق النَّجاة في الدنيا والآخرة: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4].
فالواجب على كل مُكلَّفٍ في هذه الدنيا أن يتَّقي الله، وأن يُراقب الله، وأن يأخذ حذره، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71]، وأن يُعْنَى بكتاب الله ويتدبر ويتعقل، ففي كتاب الله الهدى والنور والقصص الذي فيه العبرة والعِظَة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3]، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف:111]، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2].
فالغفلة طريق الهلاك، واليقظة والاتِّعاظ طريق النَّجاة في كل عصرٍ، ولا بد أن يُحاسِب الإنسان نفسه ويتأمل: ماذا فعل؟ ماذا صدر منه؟ ماذا أخلَّ به؟ حتى يسير على بصيرةٍ، حتى يأخذ بأسباب النَّجاة وهو على ثقةٍ، فالأجل محسومٌ ولا يُدْرَى متى ينزل؟ متى يأتي الأجل؟ فالحزم هو أن تكون أبدًا على أُهْبَةٍ، وعلى يقظةٍ، وعلى استعدادٍ في ليلك ونهارك، وفي بيتك وخارجه؛ لعلك تنجو.
القارئ:
الشيخ: بركة، لا حول ولا قوة إلا بالله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:19- 24].
يقول تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يُحْشَرون إلى النار يُوزَعُونَ أي: تجمع الزَّبانية أولهم على آخرهم.
الشيخ: الزبانية فاعل.
القارئ:
أي: تجمع الزَّبانية أولهم على آخرهم، كما قال تبارك وتعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم:86] أي: عطاشًا.
وقوله : حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا أي: وقفوا عليها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: بأعمالهم بما قدَّموه وأخَّروه، لا يُكْتَم منه حرفٌ.
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: فهو لا يُخالَف، ولا يُمَانَع، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبدالرحيم: حدثنا علي بن قادمٍ: حدثنا شريكٌ، عن عُبيد المُكَتِّب، عن الشَّعبي، عن أنس بن مالكٍ قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يومٍ أو تبسَّم، فقال ﷺ: ألا تسألوني عن أي شيءٍ ضحكتُ؟ قالوا: يا رسول الله، من أي شيءٍ ضحكتَ؟ قال ﷺ: عجبتُ من مُجادلة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: بلى. فيقول: فإني لا أقبل عليَّ شاهدًا إلا من نفسي. فيقول الله تبارك وتعالى: أوليس كفى بي شهيدًا وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فَيُرَدد هذا الكلام مرارًا. قال: فَيُخْتَم على فِيهِ، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا! عَنْكُنَّ كنتُ أُجادل.
ثم رواه هو وابن أبي حاتم من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عبيد المُكَتِّب، عن فُضيل بن عمرو، عن الشعبي، ثم قال: لا نعلم رواه عن أنسٍ غير الشعبي، وقد أخرجه مسلمٌ والنَّسائي جميعًا عن أبي بكر بن أبي النَّضر، عن أبي النَّضر، عن عبيدالله بن عبدالرحمن الأشجعي، عن الثوري به.
ثم قال النَّسائي: لا أعلم أحدًا رواه عن الثوري غير الأشجعي.
وليس كما قال كما رأيتُ، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا أحمد بن إبراهيم: حدثنا إسماعيل ابن عُلية، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال قال: قال أبو بُردة: قال أبو موسى: ويُدْعَى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربُّه عمله، فيجحد، ويقول: أي ربّ، وعزَّتك، لقد كتب عليَّ هذا المَلَك ما لم أعمل. فيقول له المَلَك: أما عملتَ كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزَّتك، أي ربّ، ما عملتُه. قال: فإذا فعل ذلك خُتِمَ على فيه.
قال الأشعري : فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زُهير: حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، قال دَرَّاج: عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا. فيحلفون، ثم يُصمتهم الله تعالى، وتشهد عليهم ألسنتهم، ويُدخلهم النار.
الشيخ: وهذا يُفيد للعبد الحذر، والبدار بالاستقامة والثبات، والاستقامة على الحقِّ، فإن مَن شهد عليه سمعه وبصره وجلده ويده ورجله ولسانه ماذا بقي؟
فهو بكل حالٍ قد كُتِبَ عليه عمله، والكَتَبَة قد حفظوا عليه، وهم صادقون: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10- 12]، والله أعلم وأصدق، يعلم كل شيءٍ، ولا يخفى عليه خافيةٌ .
ثم مع هذا تشهد عليه أركانه زيادةً على ذلك: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وفي الآية الأخرى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور:24]، فضائح على رؤوس الأشهاد -نعوذ بالله- مع مَن كتبها، الحافظون والصادقون، والله يعلم كل شيءٍ، لكن لإقامة العدل، وإظهار ظلم العبد وجحوده وإنكاره ما قد وقع منه.
فجديرٌ بالعاقل، جديرٌ بمَن تعزّ عليه نفسه أن يحذر، وأن يُحاسِب نفسه اليوم ما دام في دار المهلة، دار العمل، وأن يتَّقي الله ويُراقبه في كل الأمور، وأن يعدّ نفسه مع الأموات، ويقصر الأمل؛ حتى يعدّ العُدّة، فليس عنده علمٌ: ماذا بقي له في الدنيا؟ ولا يدري ماذا ينزل به في مستقبل أمره؟
فالواجب أخذ الحيطة والاستعداد، وسؤال الله التوفيق والهداية وحُسن الختام لعله ينجو.
س: .......؟
ج: لا ..... العمدة الآية الكريمة، ثم الحديث السابق، الآيات كافيةٌ، حتى لو ما جاء حديثٌ.
طالب: دَرَّاج، عن أبي الليث، أو عن أبي الهيثم؟
الشيخ: ما الذي عندك؟ حدثنا؟
الطالب: وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير: حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، قال دَرَّاج: عن أبي الهيثم. قرأ عن أبي الليث.
الشيخ: عندك: أبي الليث، أو أبي الهيثم؟ ..... عن دَرَّاج.
القارئ: قال دَرَّاج: عن أبي الليث.
الشيخ: الليث؟
القارئ: نعم.
الشيخ: لا، المعروف في الرواية: أبي الهيثم، هذا ..... المعروف في هذا، نعم.
في الحاشية.
القارئ: نعم.
الشيخ: مسلم بن صُبَيْحٍ بالضم، وذاك الربيع بن صَبِيح، وهذا مُسلم بن صُبَيْحٍ أبو الضُّحى.
القارئ:
عن مسلم بن صُبَيْحٍ أبي الضُّحى، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال لابن الأزرق: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حينٌ لا ينطقون، ولا يعتذرون، ولا يتكلمون حتى يُؤْذَن لهم، ثم يُؤْذَن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم: جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه، فتُخاصم الجوارح فتقول: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتُقِرّ الألسنة بعد الجحود.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا عبدة بن سليمان: حدثنا ابن المبارك: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبدالرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن -قال- وصف رجلًا جحد قال: فيُشير الله تعالى إلى لسانه فَيَرْبُو في فمه حتى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمةٍ، ثم يقول لآرابه كلها: تكلمي واشهدي عليه. فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه ورجلاه: صنعنا، عملنا، فعلنا.
وقد تقدم أحاديث كثيرةٌ وآثارٌ عند قوله تعالى في سورة يس: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا سُويد بن سعيد: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله.
الشيخ: عن أبي خثيم؟
القارئ: عن أبي خيثمة .....
الشيخ: أيش عندكم؟ أبي خثيم؟
طالب: ..... الطائفي، عن ابن خثيم.
الشيخ: خثيم.
القارئ: نعم.
الشيخ: عن ابن خثيم، هو عبدالله بن عثمان بن خثيم.
القارئ:
عن ابن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: لما رجعتْ إلى رسول الله ﷺ مُهاجرة البحر قال: ألا تُحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ فقال فتيةٌ منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوسٌ إذ مرتْ علينا عجوزٌ من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قُلَّةً من ماءٍ، فمرتْ بفتًى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها، فخرتْ على ركبتيها، فانكسرتْ قُلَّتها، فلما ارتفعتْ التفتتْ إليه، فقالت: سوف تعلم يا غُدَر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا؟
قال: يقول رسول الله ﷺ: صدقتْ، صدقتْ، كيف يُقَدِّس الله قومًا لا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم؟!.
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الأهوال": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سليم به.
وقوله تعالى: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلون به، بل وكنتم تُجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تُبالون منه في زعمكم؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم؛ ولهذا قال تعالى: وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ أي: هذا الظنّ الفاسد -وهو اعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم كثيرًا مما تعملون- هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.
الشيخ: وهذا هو الظن السُّوء، الظن الباطل؛ فإن الله يعلم السرَّ وأخفى، ويعلم كل شيءٍ، فظنهم أن الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون هو الذي أرداهم وأهلكهم وجَرَّأهم على المعاصي والشرور، فالله سبحانه يعلم السرَّ وأخفى، قال جلَّ وعلا: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61].
فالواجب الحذر، والاستقامة على الحقِّ، وجهاد هذه النفس، لا بد من الجهاد، فهذه النفس أمَّارةٌ بالسُّوء إلا ما رحم الله، فلا بد من الجهاد: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، ويقول سبحانه: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ [العنكبوت:6].
جهاد الإنسان لهذه الشهوات جهادٌ لنفسه، أي: جهادٌ لصلاحها ولنجاتها، فعندما تعرض الشهوة ويعرض الباطل يتذكر موقفه بين يدي الله، ويتذكر أن الله يراه ويأمره ويعلم حاله، يتذكر أنه مجزيٌّ بحسناته وسيئاته، ويتذكر أنه مُلَاقٍ ربه، وأنه سائله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92- 93]، ويقول سبحانه: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف:6- 7]، يتذكر هذه الأمور؛ حتى يقف عند حدِّه، ويبتعد عما يُغضب ربه.
القارئ:
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية: حدثنا الأعمش، عن عمارة، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله قال: كنتُ مُسْتَتِرًا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفرٍ: قرشي وخَتَنَاه ثقفيان -أو ثقفي وخَتَنَاه قرشيان- كثيرٌ شحم بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم، فتكلموا بكلامٍ لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنَّا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه. فقال الآخر: إن سمع منه شيئًا سمعه كله. قال: فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ، فأنزل الله : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ إلى قوله: مِنَ الْخَاسِرِينَ.
وهكذا رواه الترمذي، عن هنَّاد، عن أبي معاوية بإسناده نحوه.
وأخرجه أحمد ومسلمٌ والترمذي أيضًا من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عُمَيرٍ، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله بن مسعودٍ بنحوه.
ورواه البخاري ومسلمٌ أيضًا من حديث السّفيانين كلاهما، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمر عبدالله بن سَخْبَرَة، عن ابن مسعودٍ به.
وقال عبدالرزاق: حدثنا معمر، عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ قال: «إنكم تُدْعَون يوم القيامة مُفَدَّمًا على أفواهكم بالفِدَام، فأول شيءٍ يبين عن أحدكم فخذه وكفّه».
قال معمر: وتلا الحسن: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ.
ثم قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: أنا مع عبدي عند ظنِّه بي، وأنا معه إذا دعاني، ثم افْتَزَّ الحسن ينظر في هذا، فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنِّهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن الظنَّ بربه؛ فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظنَّ بالله؛ فأساءا العمل.
ثم قال: قال الله تبارك وتعالى: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ إلى قوله: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ .. الآية.
وقال الإمام أحمد: حدثنا النَّضر بن إسماعيل القاصّ -وهو أبو المغيرة-: حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يموتنَّ أحدٌ منكم إلا وهو يُحْسِن بالله الظنَّ، فإن قومًا قد أرداهم سُوء ظنِّهم بالله، فقال الله تعالى: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
وقوله تعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي: سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا هم في النار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويُبْدُوا أعذارًا فما لهم أعذارٌ، ولا تُقال لهم عَثَراتٌ.
قال ابن جريرٍ: ومعنى قوله تعالى: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا أي: يسألوا الرجعة إلى الدنيا، فلا جواب لهم.
قال: وهذا كقوله تعالى إخبارًا عنهم: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:106- 108].
الشيخ: بركة، الله المستعان، لا حول ولا قوة إلا بالله، نعوذ بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت:25- 29].
يذكر تعالى أنه هو الذي أضلَّ المشركين -وأن ذلك بمشيئته وكونه وقُدرته وهو الحكيم في أفعاله- بما قيَّض لهم من القُرناء من شياطين الإنس والجنِّ: فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ أي: حسَّنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل؛ فلم يروا أنفسهم إلا مُحْسِنين، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:36- 37].
الشيخ: وهذا من أسباب أعمالهم الخبيثة: قيَّض الله لهم قُرناء السُّوء، أصحاب السُّوء، وجُلساء السُّوء، حتى زيَّنوا لهم الباطل فيما مضى وفيما يستقبل؛ فالماضي لا يتوبون منه، والمستقبل لا يرعوون عنه، بل يستمرون في الباطل بسبب جُلساء السُّوء، وقُرناء السُّوء، وهذا قدَّره الله عليهم بأسباب أعمالهم الخبيثة، وإعراضهم عن الله، وغفلتهم عن ذكره، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3].
فالواجب على المُكلَّف الإقبال على ما وُجِّهَ إليه، وما أُمِرَ به، وأُنْذِر به، والحذر من الإعراض والغفلة، فالرسل جاؤوا مُنْذِرين.