القارئ:
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، فأما الزكاة ذات النُّصُب والمقادير فإنما بُيِّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنةٍ ونصفٍ فرض الله تعالى على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصَّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئًا فشيئًا، والله أعلم.
ثم قال جلَّ جلاله بعد ذلك: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت:8]، قال مجاهدٌ وغيره: غير مقطوعٍ ولا مجبوبٍ، كقوله تعالى: مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف:3]، وكقوله : عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108].
وقال السّدي: غَيْرُ مَمْنُونٍ عليهم.
وقد ردَّ عليه هذا التفسير بعض الأئمة، فإن المنَّة لله تبارك وتعالى على أهل الجنة، قال الله تبارك وتعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات:17]، وقال أهل الجنة: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27]، وقال رسول الله ﷺ: إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ.
الشيخ: والمقصود بهذا يعني: غير مقطوعٍ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: مستمرًّا، وليس المراد أن الله لا يَمُنّ عليهم بذلك، فالمنَّة لله: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ.
ولما قال الرسول ﷺ للأنصار: ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي؟ .. إلخ، كانوا يقولون الجواب: "الله ورسوله أَمَنُّ"، فالمنَّة لله جلَّ وعلا.
ولكن معنى: غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: هذا العطاء وهذا الخير يستمر ولا ينقطع، بل هو فضلٌ من الله مُستمرٌّ على أهل الجنة أبد الآباد في نعيمٍ دائمٍ، وخيرٍ دائمٍ، في حالةٍ دائمةٍ غير مُنقطعةٍ، ولا مجذوذةٍ.
القارئ:
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:9- 12].
هذا إنكارٌ من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيءٍ، القاهر لكل شيءٍ، المُقتدر على كل شيءٍ، فقال: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا أي: نُظَراء وأمثالًا تعبدونها معه، ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ أي: الخالق للأشياء هو ربُّ العالمين كلهم.
وهذا المكان فيه تفصيلٌ لقوله تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف:54]، ففصل هاهنا ما يختص بالأرض مما اختصَّ بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولًا؛ لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده بالسّقف، كما قال : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ .. الآية [البقرة:29].
فأما قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات:27- 33].
ففي هذه الآية أن دَحْيَ الأرض كان بعد خلق السماء، فالدَّحْي هو مُفَسَّرٌ بقوله: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنصِّ.
وبهذا أجاب ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنه فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من "صحيحه"، فإنه قال: وقال المنهال: عن سعيد بن جبير قال: قال رجلٌ لابن عباسٍ رضي الله عنهما: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ. قال: فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101]، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27]، وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42]، وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23]، فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا إلى قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا فذكر خلق السماء قبل الأرض، ثم قال تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله: طَائِعِينَ، فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96]، عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:56]، سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58]، فكأنه كان ثم مضى!
فقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ في النَّفخة الأولى، وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل:87]، فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عند ذلك وَلَا يَتَسَاءَلُونَ بينهم، ثم في النَّفخة الأخرى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27].
وأما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين. فيُختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يُعْرَف أنَّ الله تعالى لا يُكْتَم حديثًا، وعنده يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا .. الآية [النساء:42].
وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهنَّ في يومين آخرين، ثم دَحَى الأرض، ودَحْيها أن أخرج منها الماء والمَرْعَى، وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله تعالى: دَحَاهَا.
وقوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ فخلق الأرض وما فيها من شيءٍ في أربعة أيام، وخلق السماوات في يومين.
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سمَّى نفسه بذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك، فإن الله تعالى لم يُرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلفنَّ عليك القرآن، فإن كلًّا من عند الله .
قال البخاري: حدثنيه يوسف بن عدي: حدثنا عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال -هو ابن عمرو- بالحديث.
وقوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ يعني: يوم الأحد، ويوم الاثنين، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ أي: جعلها مُباركةً قابلةً للخير والبذر والغراس، وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تُزرع وتُغرس، يعني: يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعةٌ؛ ولهذا قال: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه.
وقال عكرمة ومجاهد في قوله : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا جعل في كل أرضٍ ما لا يصلح في غيرها، ومنه العصب باليمن، والسَّابوري بسابور، والطيالسة بالري.
وقال ابن عباسٍ وقتادة والسّدي في قوله تعالى: سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ أي: لمَن أراد السؤال عن ذلك.
وقال ابن زيدٍ: معناه وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ أي: على وَفْق مُراد مَن له حاجةٌ إلى رزقٍ، فإن الله تعالى قدَّر له ما هو مُحتاجٌ إليه.
وهذا القول يُشبه ما ذكروه في قوله تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم:34]، والله أعلم.
وقوله تبارك وتعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت:11] وهو بخار الماء المُتصاعد منه حين خُلقت الأرض، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [فصلت:11] أي: استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي طائعتين أو مُكرهتين.
قال الثوري: عن ابن جُريجٍ، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قال: قال الله تبارك وتعالى للسماوات: أَطْلِعِي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض: شَقِّقِي أنهارك، وأخرجي ثمارك. فـقَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
واختاره ابن جريرٍ رحمه الله: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ أي: بل نستجيب لك مُطيعين بما فينا مما تريد خلقه من الملائكة والجنِّ والإنس جميعًا مُطيعين لك.
حكاه ابن جريرٍ عن بعض أهل العربية، قال: وقيل: تنزيلًا لهنَّ مُعاملة مَن يعقل بكلامهما.
وقيل: إن المُتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة، ومن السماء ما يُسَامِتُه منها، والله أعلم.
وقال الحسن البصري: لو أَبَيَا عليه أمره لَعَذَّبهما عذابًا يجدان ألمه. رواه ابن أبي حاتم.
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:12] أي: ففرغ من تسويتهنَّ.
سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ أي: آخرين، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة.
وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا [فصلت:12] أي: ورتَّب مُقَرِّرًا في كل سماءٍ ما تحتاج إليه من الملائكة، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو.
وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [فصلت:12] وهي الكواكب المُنيرة المُشرقة على أهل الأرض.
وَحِفْظًا [فصلت:12] أي: حرسًا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى.
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:12] أي: العزيز الذي قد عزَّ كل شيءٍ فغلبه وقهره، العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم.
قال ابن جريرٍ: حدثنا هَنَّاد بن السَّري: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيدٍ البَقَّال.
الشيخ: عن أبي؟
القارئ: عن أبي سعيدٍ البَقَّال.
طالب: عن أبي سعدٍ.
الشيخ: عن أبي سعدٍ البَقَّال.
القارئ:
عن أبي سعدٍ البَقَّال، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ.
قال هَنَّاد: قرأتُ سائر الحديث: أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال ﷺ: خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهنَّ من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعةٌ: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:9- 10] لمَن سأله، قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعاتٍ بقيتْ منه، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيءٍ مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعةٍ.
ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟
قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبتَ لو أتممتَ. قالوا: ثم استراح. فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا، فنزل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:38- 39].
هذا الحديث فيه غرابةٌ، فأما حديث ابن جُريج، عن إسماعيل بن أُمية، عن ..
الشيخ: وهذا من كذب اليهود: أنه استراح يوم السبت ..... عيدًا لهم، فهذا من أباطيلهم، فالله القوي العزيز لا يشقّ عليه شيءٌ، ولا يُتعبه شيءٌ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ يعني: ما مسنا من إعياء ولا تعب، وقال جلَّ وعلا: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:33]، لا يُعجزه شيءٌ، ولا يُتعبه شيءٌ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
.......
القارئ:
فأما حديث ابن جُريجٍ، عن إسماعيل بن أُمية، عن أيوب بن خالد، عن عبدالله بن رافع، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: خلق الله التُّربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النُّور يوم الأربعاء، وبَثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعةٍ من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.
فقد رواه مسلمٌ والنَّسائي في كتابيهما من حديث ابن جريجٍ به، وهو من غرائب الصحيح، وقد علله البخاري في "التاريخ" فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة ، عن كعب الأحبار، وهو الأصح.
الشيخ: هذا هو الصواب: أن الله جلَّ وعلا بيَّن أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ، ما هي سبعة ..... حديث أبي هريرة هذا وهمٌ من بعض الرواة، وإنما هو من كعب ..... كعب الأحبار، وقد غلط.
القارئ:
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت:13- 18].
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المُكذِّبين بما جئتَهم به من الحقِّ: إن أعرضتم عما جئتُكم به من عند الله تعالى، فإني أُنذركم حلول نقمة الله بكم، كما حلَّتْ بالأمم الماضين من المُكذِّبين بالمُرسلين: صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ أي: ومَن شاكلهما ممن فعل كفعلهما، إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ كقوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الأحقاف:21] أي: في القرى المُجاورة لبلادهم بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومُبَشِّرين، ومُنْذِرين، ورأوا ما أحلَّ الله بأعدائه من النِّقم، وما ألبس أولياءه من النِّعم، ومع هذا ما آمنوا، ولا صدَّقوا، بل كذَّبوا وجحدوا وقَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً أي: لو أرسل الله رسلًا لكانوا ملائكةً من عنده، فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي: أيها البشر كَافِرُونَ أي: لا نتبعكم وأنتم بشرٌ مثلنا.
قال الله تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ أي: بَغَوا وعَتَوا وعَصَوا، وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أي: مَنُّوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي: أفما يتفكرون فيمَن يُبَارزون بالعداوة؟! فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركَّب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديدٌ، كما قال : وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47]، فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته، وعَصَوا رسله؛ فلهذا قال: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوتٌ.
والحق أنها مُتَّصفةٌ بجميع ذلك، فإنها كانت ريحًا شديدةً، قويةً؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغْتَرُّوا به من قواهم، وكانت باردةً، شديدة البرد جدًّا، كقوله تبارك وتعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة:6] أي: باردة، شديدة، وكانت ذات صوتٍ مُزْعِجٍ، ومنه سُمِّي النَّهر المشهور ببلاد المشرق: صَرْصَرًا؛ لقوة صوت جَرْيه.
وقوله تعالى: فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ أي: مُتتابعات، سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة:7]، وكقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر:19] أي: ابْتُدِؤوا بهذا العذاب في يوم نَحْسٍ عليهم، واستمرَّ بهم هذا النَّحس سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا حتى أبادهم عن آخرهم، واتَّصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى أي: أشدّ خِزْيًا لهم، وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ أي: في الأخرى، كما لم يُنْصَروا في الدنيا: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [غافر:21] يَقِيهم العذاب، ويَدْرَأ عنهم النَّكال.
الشيخ: والمقصود من هذا كله: تحذير الأمة، المقصود من هذا كله هو: تحذير أُمة محمدٍ ﷺ من أن يعصوا نبيَّهم فيُصيبهم ما أصاب أولئك، مضى القوم ولم يُعْنَ به سواكم.
المقصود الحذر من تكذيب الرسول والعصيان والمُخالفة، فإن هذه الأمم الطاغية كانت لها قوةٌ، وكانت لها قدرةٌ، فما أغنتْ عنها قوتها شيئًا: قوم نوح، ثم هود، ثم قوم صالح، ثم قوم شُعيب، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وهكذا تتابعتْ عليهم العقوبات بسبب تكذيب الرسل، وإنكار الحقّ، والعُجْب بالنفس والقوة.
فالواجب على ذوي العقول الانتباه لهذا الأمر، والاتِّعاظ والحذر أن يُصيب الآخر ما أصاب الأول.
وتنوع العقوبات لتنوع الجرائم؛ ولتحذير الآخر مما فعل الأول.
س: .......؟
ج: ..... فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ عليهم؛ لما فيها من الشَّدائد والهلاك.
س: .......؟
ج: .......