كتاب الطلاق (باب: من خير أزواجه)

القارئ:

باب مَن خيَّر أزواجه

وقول الله تعالى: قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28].

5262- حدثنا عمر بن حفصٍ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثنا مسلمٌ، عن مسروقٍ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خيَّرنا رسول الله ﷺ، فَاخْتَرْنَا الله ورسوله، فلم يَعُدَّ ذلك علينا شيئًا.

5263- حدثنا مُسددٌ قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل قال: حدثنا عامرٌ، عن مسروقٍ قال: سألتُ عائشة رضي الله عنها عن الخِيَرَة، فقالت: خيَّرنا النبي ﷺ، أفكان طلاقًا؟! قال مسروقٌ: لا أُبالي أخيَّرتُها واحدةً أو مئةً بعد أن تختارني.

الشيخ: المقصود: أن التَّخيير ما هو بطلاقٍ، ليس طلاقًا، يقول لهنَّ: إن شِئْتُنَّ طلَّقْتُكُنَّ، وإن شِئْتُنَّ صَبَرْتُنَّ.

كأن يقول الرجل لزوجته عند النزاع أو عند فقره وعدم قيامه بالواجب يقول: أنتِ بالخيار؛ إن رأيتِ أن تصبري فلا بأس، وإن رأيتِ ألا تصبري طلَّقْتُكِ. ليس بطلاقٍ، بل هو تخييرٌ لها، مثلما خيَّر النبي ﷺ زوجاته.

أما إذا قال: اختاري نفسك. وَكَّلَهَا أن تختار نفسها، وجعلها وكيلةً في الطلاق، فطلَّقَتْ نفسها؛ تصير وكالةً.

س: ..... واحدة؟

ج: وطلقة واحدة، نعم.

س: إذا قال: اختاري نفسكِ؟

ج: واختارتْ نفسها، وهو ينوي الطلاق وقع؛ لأن هذه كنايةٌ.

س: ما يكون تخييرًا؟

ج: لا، ما هو بتخييرٍ.

القارئ:

بابٌ: إذا قال: فارقتُكِ، أو سَرَّحْتُكِ، أو الخلية، أو البرية،

أو ما عُنِيَ به الطلاق؛ فهو على نيته

وقول الله : وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:49]، وقال: وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]، وقال: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، وقال: أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2].

وقالت عائشة رضي الله عنها: "قد علم النبي ﷺ أن أبوي لم يكونا يَأْمُرَاني بفراقه".

الشيخ: والمقصود من هذا: أن هذه كنايات أشار إليها، السَّراح، والفراق، وأشباه ذلك كنايات، فإذا أراد بها الطلاق صارت طلاقًا، وإذا لم يُرد الطلاق لم يكن طلاقًا.

"فارقتُكِ، سَرَّحْتُكِ، اخرجي من بيتي، روحي إلى أهلك" هذه كلها كنايات، إذا أراد بها الطلاق صارتْ طلاقًا، وإذا ما أراد الطلاق لم تكن طلاقًا؛ لقوله ﷺ: الأعمال بالنيات.

القارئ:

باب مَن قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ

وقال الحسن: "نيته".

وقال أهل العلم: إذا طلَّق ثلاثًا فقد حَرُمَتْ عليه.

فَسَمَّوه حرامًا بالطلاق والفراق، وليس هذا كالذي يُحَرِّم الطعام.

الشيخ: وهذا قول أهل العلم، يعني: جمهورهم وأكثرهم.

القارئ: وليس هذا كالذي يُحَرِّم الطعام؛ لأنه لا يُقال للطعام الحِلِّ: حرام. ويُقال للمُطلقة: حرام. وقال في الطلاق ثلاثًا: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230].

5264- وقال الليث: عن نافعٍ قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سُئل عمَّن طلَّق ثلاثًا قال: لو طلَّقتَ مرةً أو مرتين، فإن النبي ﷺ أمرني بهذا، فإن طلَّقتَها ثلاثًا حَرُمَتْ عليك حتى تنكح زوجًا غيرك.

الشيخ: وهذه السُّنة: أن يُطلق واحدةً، ثم الثنتين، ثم الأخيرة الثالثة، فإذا ساءت الحال بينهما طلَّقها واحدةً فقط، ثم له المُراجعة ما دامَتْ في العدة، فإذا راجعها ثم ساءت الحال وطلَّقها الثانية فلا بأس، ثم يُراجعها في العدة، فإذا طلَّقها الثالثة بانتْ منه بإجماع المسلمين؛ لقوله جلَّ وعلا: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، هذه الثالثة.

يعني: في أوقاتٍ ثلاثةٍ.

أما إذا جمعها فقال: أنتِ طالقٌ بالثلاث، أو هي طالقٌ بالثلاث، فهذه محل الخلاف، والمشهور -مثلما قال المؤلف- أنها تَبِينُ بذلك، والصواب: أنها تكون واحدةً، تُعتبر واحدةً فقط؛ لما ثبت عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما –رواه مسلمٌ في "الصحيح"- قال: "كان الطلاق على عهد النبي ﷺ وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ. فأمضاه عليهم".

القارئ:

5265- حدثنا محمدٌ قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: طلَّق رجلٌ امرأته، فتزوجتْ زوجًا غيره فطلَّقها، وكانت معه مثل الهُدْبَة، فلم تصل منه إلى شيءٍ تريده، فلم يلبث أن طلَّقها، فأتت النبيَّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي طلَّقني، وإني تزوجتُ زوجًا غيره، فدخل بي، ولم يكن معه إلا مثل الهُدْبَة، فلم يقربني إلا هَنَةً واحدةً، لم يصل مني إلى شيءٍ، أَفَأَحِلُّ لزوجي الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: لا تَحِلِّين لزوجكِ الأول حتى يذوق الآخرُ عُسَيْلَتَكِ، وتذوقي عُسَيْلَتَه.

الشيخ: وهذا ..... لأهل العلم أن قوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يعني: نكاحًا فيه وَطْءٌ، لا بد من وَطْءٍ.

إذا طلَّقها الطلقة الأخيرة –الثالثة- فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، زوجًا يطؤها.

هذه المرأة بَيَّنَتْ أن زوجها الأخير ما معه إلا هُدْبَة مثل هُدْبَة الثوب، وما استطاع أن يُجامع، فقال لها النبي ﷺ: إنها لا تحلُّ له حتى تذوق عُسَيْلَتَه، ويذوق عُسَيْلَتَها، يعني: حتى يُجامعها جماعًا صحيحًا، يُولِج، حتى يُولِجَ ذَكَرَهُ في فرجها.

القارئ:

بابٌ: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1]

5266- حدثني الحسن بن الصباح، سمع الربيع بن نافعٍ قال: حدثنا معاوية، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن يَعْلَى بن حكيمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: أنه أخبره: أنه سمع ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول: "إذا حرَّم امرأته ليس بشيءٍ"، وقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

5267- حدثني الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قال: زعم عطاء أنه سمع عُبيد بن عُمير يقول: سمعتُ عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب ابنة جحش، ويشرب عندها عسلًا، فَتَوَاصَيْتُ أنا وحفصة أن أيَّتنا دخل عليها النبي ﷺ فَلْتَقُلْ: إني أجد منك ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: لا، بل شربتُ عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ، ولن أعود له، فنزلتْ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إلى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ [التحريم:1-4] لعائشة وحفصة، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا [التحريم:3] لقوله: بل شربتُ عسلًا.

الشيخ: هذه من غَيْرة النساء، النساء لهنَّ غَيْرة، يشرب عندها عسلًا، فَغِرْنَ، لا بد أنها تمتاز عليهنَّ بشيءٍ، خصَّها بشيءٍ، فغيرة النساء معروفةٌ.

المقصود: أنه إذا حرَّم العسل أو الجارية أو التمر أو زيارة فلانٍ فكفارة يمينٍ ..... وأما الزوجات فلا، يكون ظهارًا؛ لأن الله قال جلَّ وعلا: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3].

س: قول ابن عباسٍ -أحسن الله إليك- يقول: إذا حرَّم امرأته ليس بشيءٍ؟

ج: ليس بظاهرٍ، قول ابن عباسٍ ليس بظاهرٍ، الصواب ما دلَّ عليه ظاهر القرآن، أما على آية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ .. فهذا في الجارية، وفي العسل، ليس في الزوجات.

القارئ:

5268- حدثنا فروة بن أبي المَغْرَاء قال: حدثنا علي بن مُسْهِرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يُحب العسل والحَلْوَاء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهنَّ، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر مما كان يحتبس؛ فَغِرْتُ، فسألتُ عن ذلك، فقيل لي: أَهْدَتْ لها امرأةٌ من قومها عُكَّة عسلٍ، فَسَقَتِ النبيَّ ﷺ منه شربةً. فقلتُ: أما –والله- لَنَحْتَالَنَّ له، فقلتُ لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منكِ، فإذا دنا منكِ فقولي: أكلتَ مغافير؟ فإنه سيقول لكِ: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منكَ؟ فإنه سيقول لكِ: سَقَتْنِي حفصة شربة عسلٍ، فقولي له: جَرَسَتْ نحلُه العُرْفُطَ، وسأقول ذلك، وقولي أنتِ يا صفية ذاك.

قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردتُ أن أُباديه بما أَمَرْتِنِي به؛ فَرَقًا منكِ، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلتَ مغافير؟ قال: لا، قالت: فما هذه الريح التي أجد منكَ؟ قال: سَقَتْنِي حفصة شربة عسلٍ، فقالت: جَرَسَتْ نحلُه العُرْفُطَ.

الشيخ: "جَرَسَتْ" يعني: رَعَتْ، "جَرَسَتْ" يعني: رَعَتْ نحلُه العُرْفُطَ، والعُرْفُط فيه رائحةٌ ما هي بطيبةٍ –يعني- هذه من غَيْرة النساء، وقد يكون وقع هذا من حفصة ..... لا مُنافاة، فالقصة قصتان: مرة مع حفصة، ومرة مع زينب.