القارئ: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
68- كتاب الطلاق
باب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق:1]
أَحْصَيْنَاهُ [يس:12] حفظناه وعددناه.
وطلاق السُّنة: أن يُطلقها طاهرًا من غير جماعٍ، ويُشهد شاهدين.
الشيخ: نعم، الربُّ يقول: لِعِدَّتِهِنَّ طاهرات من غير جماعٍ، أو حوامل، أن يُطلقها طاهرًا أو حاملًا، هذا إذا لم تكن آيسةً، أما إذا كانت آيسةً فيُطلقها في أي وقتٍ، لكن يُشهد شاهدين؛ حتى لا يلعب عليه الشيطان ويُنكر.
فإذا أراد طلاقها نظر؛ فإن كانت حائضًا أو نُفساء أمسك حتى تطهر، فإذا كانت قد جامعها أمسك حتى تحيض ثم تطهر، ثم يُطلق قبل أن يمسَّ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ابن عمر بهذا.
القارئ:
الشيخ: لقوله جلَّ وعلا: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ يعني: طاهرات من غير جماعٍ أو حوامل، إما طاهرات من غير جماعٍ، وإما حوامل.
القارئ:
بابٌ: إذا طُلِّقت الحائض تعتدُّ بذلك الطلاق
5252- حدثنا سليمان بن حربٍ: حدثنا شعبة، عن أنس بن سيرين قال: سمعتُ ابن عمر رضي الله عنهما قال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر عمرُ للنبي ﷺ، فقال: ليُراجعها، قلتُ: تُحتسب؟ قال: فَمَهْ؟
وعن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مُرْهُ فليُراجعها، قلتُ: تُحتسب؟ قال: أرأيتَه إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟
الشيخ: هذا من كلام عمر، "مَهْ" يعني: كيف ما يحتسبها؟ كان ابن عمر حسبها على نفسه، يقول: كيف إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟ هذا اجتهادٌ منه رضي الله عنه وأرضاه.
القارئ:
الشيخ: هذا احتجَّ به مَن يراها، والروايات الأخرى كلها تدل على أنه هو الذي حسبها على نفسه، احتسبها هو، ما حسبها عليه النبي ﷺ.
أيش قال الشارح عليه؟
القارئ: أحسن الله إليك.
قوله: "باب: إذا طُلِّقت الحائض تعتدُّ بذلك الطلاق" كذا بَتَّ الحكم بالمسألة، وفيها خلافٌ قديمٌ عن طاووس، وعن خِلَاس بن عمرو، وغيرهما: أنه لا يقع، ومن ثَمَّ نشأ سؤال مَن سأل ابن عمر عن ذلك.
قوله: شعبة، عن أنس بن سيرين قال: سمعتُ ابن عمر قال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ للنبي ﷺ، فقال: ليُراجعها قلتُ: تُحتسب؟ قال: فَمَهْ؟
القائل "قلتُ" هو أنس بن سيرين، والمقول له ابن عمر، بيَّن ذلك أحمد في روايته عن محمد بن جعفر، عن شعبة، وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق محمد بن جعفر، وقد ساقه مسلمٌ من طريق عبدالملك بن أبي سليمان، عن ابن سيرين مُطولًا، كما سأذكره بعد ذلك.
قوله: "وعن قتادة، عن يونس بن جبير" هو معطوفٌ على قوله: "عن أنس بن سيرين"، فهو موصولٌ، وهو من رواية شعبة، عن قتادة، ولقد أفرده مسلمٌ من رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة: سمعتُ يونس بن جبير.
قوله: "عن ابن عمر قال: مُرْهُ فليُراجعها" هكذا اختصره، ومُراده: أن يونس بن جُبير حكى القصة نحو ما ذكرها أنس بن سيرين سوى ما بيَّن من سياقه.
قوله: "قلتُ: تُحتسب؟" هو بضم أوله، والقائل هو يونس بن جُبير.
قوله: "قال: أرأيته ..؟" وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: "أرأيت إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟" وقد اختصره البخاري اكتفاءً بسياق أنس بن سيرين، وقد ساقه مسلمٌ حيث أفرده، ولفظه: سمعتُ ابن عمر رضي الله عنهما يقول: طلَّقتُ امرأتي وهي حائض، فأتى عمرُ النبيَّ ﷺ، فذكر ذلك له، فقال: ليُراجعها، فإذا طهرتْ فإن شاء فليُطلقها، قال: قلتُ لابن عمر: أفيُحسب بها؟ قال: ما يمنعه؟ أرأيت إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وعبدالله بن بُكيرٍ.
تصحيحٌ سابقٌ، أحسن الله إليك.
الشيخ: عبدالله بن؟
القارئ: ابن بكر.
الشيخ: نعم، ابن بكر، نعم.
القارئ: وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وعبدالله بن بكرٍ، قالا: حدثنا شعبة. فذكره أتمَّ منه، وفي أوله: أنه سأل ابن عمر عن رجلٍ طلَّق امرأته وهي حائض، وفيه: فقال: مُرْهُ فليُراجعها، ثم إن بَدَا له طلاقها طلَّقها في قُبُل عدَّتها أو في قُبُل طُهْرِها، قال: فقلتُ لابن عمر: أفتحتسب طلاقه ذلك طلاقًا؟ قال: نعم، أرأيتَ إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟
وقد ساقه البخاري في آخر الباب الذي بعد هذا نحو هذا السياق من رواية همامٍ، عن قتادة بطوله، وفيه: قلتُ: فهل عدَّ ذلك طلاقًا؟ قال: أرأيتَ إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟
وسيأتي في أبواب العدد، في باب "مُراجعة الحائض" من طريق محمد بن سيرين، عن يونس بن جبير، مُختصرًا، وفيه: قلتُ: فتعتدّ بتلك التَّطليقة؟ قال: أرأيت إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟
وأخرجه مسلمٌ من وجهٍ آخر عن محمد بن سيرين مُطولًا، ولفظه: "فقلتُ له: إذا طلَّق الرجل امرأته وهي حائض، أيعتدّ بتلك التَّطليقة؟ قال: فَمَهْ؟ أو: إن عجز وَاسْتَحْمَقَ"، وفي روايةٍ له: "فقلتُ: أفتُحتسب عليه؟" والباقي مثله.
وقوله: "فَمَهْ؟" أصله: فما؟ وهو استفهامٌ فيه اكتفاء، أي: فما يكون إن لم تُحتسب؟
ويحتمل أن تكون الهاء أصليةً، وهي كلمةٌ تُقال للزجر، أي: كفّ عن هذا الكلام، فإنه لا بد من وقوع الطلاق بذلك.
قال ابن عبدالبر: قول ابن عمر: "فَمَهْ؟" معناه: فأي شيءٍ يكون إذا لم يُعتدّ بها؟ إنكارًا لقول السائل: أيُعتدّ بها؟ فكأنه قال: وهل من ذلك بُدٌّ؟
وقوله: "أرأيتَ إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟" أي: إن عجز عن فرضٍ فلم يُقِمْهُ، أو اسْتَحْمَقَ فلم يأتِ به، أيكون ذلك عُذرًا له؟
وقال الخطابي: في الكلام حذفٌ، أي: أرأيتَ إن عجز وَاسْتَحْمَقَ؟ أَيُسْقِط عنه الطلاقَ حُمْقُه أو يُبْطِله عَجْزُه؟ وحُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه.
وقال الكرماني: يحتمل أن تكون "إن" نافيةً بمعنى: ما، أي: ما لم يعجز ابن عمر، ولا اسْتَحْمَقَ؛ لأنه ليس بطفلٍ ولا مجنونٍ.
قال: وإن كانت الرواية بفتح ألف "أن" فمعناه أظهر.
والتاء من "اسْتَحْمَقَ" مفتوحة، قاله ابن الخشَّاب، وقال: المعنى: فعل فعلًا يُصيره أحمق عاجزًا، فيُسقط عنه حكمَ الطلاق عجزُه أو حُمْقُه.
والسين والتاء فيه إشارةٌ إلى أنه تكلف الحُمْق بما فعله من تطليق امرأته وهي حائض.
وقد وقع في بعض الأصول بضم التاء، مبنيًّا للمجهول، أي: أن الناس استَحْمَقُوه بما فعل، وهو مُوجَّهٌ.
وقال المهلب: معنى قوله: "إن عجز وَاسْتَحْمَقَ" يعني: عجز في المراجعة التي أُمِرَ بها عن إيقاع الطلاق، أو فقد عقله فلم تمكن منه المراجعة، أتبقى المرأة مُعلقةً، لا ذات بَعْلٍ، ولا مُطلَّقة؟ وقد نهى الله عن ذلك، فلا بد أن تحتسب بتلك التَّطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنه لو عجز عن فرضٍ آخر لله فلم يُقِمْهُ، واستَحْمَقَ فلم يأتِ به؛ ما كان يُعذر بذلك ويسقط عنه.
قوله: "حدثنا أبو معمر" كذا في رواية أبي ذرٍّ، وهو ظاهر كلام أبي نُعيم في "المستخرج" وللباقين.
وقال أبو معمر: وبه جزم الإسماعيلي، وسقط هذا الحديث من رواية النَّسفي أصلًا.
قوله: "عن ابن عمر قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقةٍ" هو بضم أوله من الحساب، وقد أخرجه أبو نُعيم من طريق عبدالصمد بن عبدالوارث، عن أبيه، مثلما أخرجه البخاري مُختصرًا، وزاد -يعني: حين طلَّق امرأته- فسأل عمرُ النبيَّ ﷺ عن ذلك.
قال النووي: شَذَّ بعض أهل الظاهر فقال: إذا طلَّق الحائض لم يقع الطلاق؛ لأنه غير مأذونٍ فيه، فأشبه طلاق الأجنبية.
وحكاه الخطَّابي عن الخوارج والروافض.
وقال ابن عبدالبر: لا يُخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال، يعني: الآن.
قال: ورُوِيَ مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذٌ.
وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن عُلية -يعني: إبراهيم بن إسماعيل ابن عُلية- الذي قال الشافعي في حقِّه: "إبراهيم ضالٌّ، جلس في باب الضَّوال يُضلّ الناس"، وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المُعتزلة، وقد غلط فيه مَن ظنَّ أن المنقول عنه المسائل الشَّاذة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل السُّنة.
وكأنَّ النووي أراد ببعض الظَّاهرية ابن حزم؛ فإنه ممن جرَّد القول بذلك، وانتصر له وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمُراجعة: بأن ابن عمر رضي الله عنهما كان اجتنبها، فأمره أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المُعاشرة.
فحمل المُراجعة على معناها اللغوي، وتُعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مُقدمٌ على اللغوية اتفاقًا.
وأجاب عن قول ابن عمر رضي الله عنهما: "حُسِبَتْ عليَّ بتطليقةٍ" بأنه لم يُصرح بمَن حسبها عليه، ولا حُجَّة في أحدٍ دون رسول الله ﷺ.
وتُعقب بأنه مثل قول الصحابي: أُمِرْنَا في عهد رسول الله ﷺ بكذا، فإنه ينصرف إلى مَن له الأمر حينئذٍ، وهو النبي ﷺ، كذا قال بعض الشُّراح.
وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: أُمِرْنَا بكذا، فإن ذاك محله حيث يكون اطلاع النبي ﷺ على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه؛ فإن النبي ﷺ هو الآمر بالمُراجعة، وهو المُرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسِبَتْ عليه بتطليقةٍ، كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﷺ بعيدًا جدًّا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك.
وكيف يُتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه، وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيظ من صنيعه: كيف لم يُشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟!
وقد أخرج ابن وهبٍ في "مسنده" عن ابن أبي ذئبٍ: أن نافعًا أخبره: أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فقال: مُرْهُ فليُراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر.
قال ابن أبي ذئبٍ: في الحديث عن النبي ﷺ: وهي واحدةٌ.
قال ابن أبي ذئبٍ: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان: أنه سمع سالِـمًا يُحدث عن أبيه ، عن النبي ﷺ بذلك.
وأخرجه الدَّارقطني من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئبٍ وابن إسحاق جميعًا، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: هي واحدةٌ.
وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه.
وقد أورده بعض العلماء على ابن حزمٍ، فأجابه: بأن قوله: هي واحدةٌ لعله ليس من كلام النبي ﷺ، فألزمه بأنه نقض أصله؛ لأن الأصل لا يُدفع بالاحتمال.
وعند الدَّارقطني في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصة: فقال عمر: يا رسول الله، أفتُحتسب بتلك التَّطليقة؟ قال: نعم.
ورجاله إلى شعبة ثقاتٌ.
وعنده من طريق سعيد بن عبدالرحمن الجُمَحِي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا قال: إني طلقتُ امرأتي البَتَّة وهي حائض. فقال: عصيتَ ربك، وفارقتَ امرأتك. قال: فإن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن يُراجع امرأته. فقال: إنه أمر ابن عمر أن يُراجعها بطلاقٍ بقي له، وأنت لم تُبْقِ ما ترتجع به امرأتك.
وفي هذا السياق ردٌّ على مَن حمل الرجعة في قصة ابن عمر على المعنى اللغوي.
وقد وافق ابن حزمٍ على ذلك من المتأخرين ابن تيمية، وله كلامٌ طويلٌ في تقرير ذلك والانتصار له.
وأعظم ما احتجُّوا به ما وقع في رواية أبي الزبير عن ابن عمر عند مسلمٍ وأبي داود والنَّسائي، وفيها: فقال له رسول الله ﷺ: ليُراجعها، فردَّها، وقال: إذا طهرتْ فَلْيُطَلِّقْ أو يُمْسِكْ، لفظ مسلمٍ، وللنَّسائي وأبي داود: "فردَّها عليَّ"، وزاد أبو داود: "ولم يَرَها شيئًا"، وإسناده على شرط "الصحيح"، فإن مسلمًا أخرجه من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جُريجٍ، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي عاصمٍ عنه، وقال نحو هذه القصة، ثم أخرجه من رواية عبدالرزاق، عن ابن جُريجٍ قال .. مثل حديث حجاجٍ، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة، ولعله طوى ذكرها عمدًا.
وقد أخرج أحمد الحديث عن روح بن عبادة، عن ابن جُريجٍ، فذكرها، فلا يُتخيل انفراد عبدالرزاق بها.
قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعةٌ، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال ابن عبدالبر: قوله: "ولم يَرَها شيئًا" مُنكرٌ، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجةٍ فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمَن هو أثبت منه؟!
ولو صحَّ فمعناه عندي -والله أعلم-: ولم يَرَها شيئًا مُستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السُّنة.
وقال الخطَّابي: قال أهل الحديث: لم يَرْوِ أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يَرَها شيئًا تحرم معه المُراجعة، أو لم يَرَها شيئًا جائزًا في السُّنة، ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا له مع الكراهة.
ونقل البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي: أنه ذكر رواية أبي الزبير، فقال: نافعٌ أثبت من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يُؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيرُه من أهل الثَّبَتِ.
الشيخ: الثَّبْت، نعم.
القارئ: الثَّبْت، أحسن الله إليك.
وقد وافق نافعًا غيرُه من أهل الثَّبْت.
قال: وبسط الشافعي القول في ذلك، وحمل قوله: "ولم يَرَها شيئًا" على أنه لم يَعُدَّها شيئًا صوابًا غير خطأ، بل يُؤْمَر صاحبه ألا يُقيم عليه؛ لأنه أمره بالمُراجعة، ولو كان طلَّقها طاهرًا لم يُؤْمَر بذلك، فهو كما يُقال للرجل إذا أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه: لم يصنع شيئًا، أي: لم يصنع شيئًا صوابًا.
قال ابن عبدالبر: واحتجَّ بعض مَن ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما رُوِيَ عن الشعبي قال: إذا طلَّق الرجل امرأته وهي حائض لم يُعتدّ بها في قول ابن عمر.
قال ابن عبدالبر: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه: لم تعتدّ المرأة بتلك الحيضة في العدة، كما رُوِيَ ذلك عنه منصوصًا أنه قال: يقع عليها الطلاق، ولا تعتدّ بتلك الحيضة. انتهى.
وقد روى عبدالوهاب الثَّقفي عن عبيدالله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر نحوًا مما نقله ابن عبدالبر عن الشَّعبي، وأخرجه ابن حزمٍ بإسنادٍ صحيحٍ، والجواب عنه مثله.
وروى سعيد بن منصورٍ من طريق عبدالله بن مالك، عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ: ليس ذلك بشيءٍ.
وهذه مُتابعاتٌ لأبي الزبير إلا أنها قابلةٌ للتَّأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها حُسِبَتْ عليه بتطليقةٍ.
وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبدالبر وغيره يتعين، وهو أولى من تغليط بعض الثقات.
وأما قول ابن عمر: إنها حُسِبَتْ عليه بتطليقةٍ، فإنه وإن لم يُصرح برفع ذلك إلى النبي ﷺ، فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حُسِبَتْ عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله: إنه لم يعتدّ بها، أو لم يَرَها شيئًا، على المعنى الذي ذهب إليه المُخالف؟
لأنه إن جُعِلَ الضمير للنبي ﷺ لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبي ﷺ في هذه القصة بخصوصها؛ لأنه قال: إنها حُسِبَتْ عليه بتطليقةٍ، فيكون مَن حسبها عليه خالف كونه لم يَرَها شيئًا، وكيف يُظنّ به ذلك مع اهتمامه واهتمام أبيه بسؤال النبي ﷺ عن ذلك؛ ليفعل ما يأمره به؟!
وإن جُعِلَ الضمير في "لم يعتدّ بها" أو "لم يَرَها" لابن عمر لزم منه التَّناقض في القصة الواحدة، فيُفتقر إلى التَّرجيح، ولا شكَّ أن الأخذ بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مُقابله عند تعذر الجمع عند الجمهور، والله أعلم.
واحتجَّ ابن القيم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسةٍ ترجع إلى مسألة: أن النَّهي يقتضي الفساد، فقال: "الطلاق ينقسم إلى حلالٍ وحرامٍ، فالقياس أن حرامه باطلٌ، كالنكاح وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النَّهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد، وأيضًا فهو طلاقٌ منع منه الشرع، فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يُفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدةٌ؛ لأن الزوج لو وَكَّلَ رجلًا أن يُطلق امرأته على وجهٍ، فطلَّقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمُكلَّف في الطلاق إلا إذا كان مُباحًا، فإذا طلَّق طلاقًا مُحرَّمًا لم يصح.
وأيضًا فكل ما حرَّمه الله من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرَّمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلومٌ أن الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه".
ثم أطال من هذا الجنس بمُعارضاتٍ كثيرةٍ لا تنهض مع التَّنصيص على صريح الأمر بالرجعة، فإنها فرع وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصة بأنها حُسِبَتْ عليه تطليقة، والقياس في مُعارضة النَّص فاسد الاعتبار، والله أعلم.
وقد عُورض بقياسٍ أحسن من قياسه، فقال ابن عبدالبر: "ليس الطلاق من أعمال البرِّ التي يُتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمةٍ فيها حقُّ آدميٍّ، فكيفما أوقعه وقع، سواء أُجِرَ في ذلك أم أَثِمَ، ولو لزم المُطيع، ولم يلزم العاصي، لكان العاصي أخفَّ حالًا من المُطيع".
ثم قال ابن القيم: "لم يرد التَّصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك التَّطليقة إلا في رواية سعيد بن جُبيرٍ عنه عند البخاري، وليس فيها تصريحٌ بالرفع".
قال: "فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: "لم يَرَها شيئًا"، فإما أن يتساقطا، وإما أن تُرجح رواية أبي الزبير؛ لتصريحها بالرفع، وتُحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبي ﷺ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث بعد أن كانوا في زمان النبي ﷺ لا يُحتسب عليهم به ثلاثًا إذا كان بلفظٍ واحدٍ".
قلتُ: وغفل -رحمه الله- عما ثبت في "صحيح مسلمٍ" من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يُشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبي ﷺ، ولفظه: سألتُ ابن عمر عن امرأته التي طلَّق، فقال: طلَّقتُها وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ للنبي ﷺ، فقال: مُرْهُ فليُراجعها، فإذا طهرتْ فليُطلقها لِطُهْرِها، قال: فراجعتُها، ثم طلَّقتُها لِطُهْرِها. قلتُ: فَاعْتَدَتَّ بتلك التَّطليقة وهي حائض؟ فقال: ما لي لا أعتدُّ بها، وإن كنتُ عجزتُ وَاسْتَحْمَقْتُ؟!
وعند مسلمٍ أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهابٍ، عن عمِّه، عن سالمٍ في حديث الباب: وكان عبدالله بن عمر طلَّقها تطليقةً، فَحُسِبَتْ من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول الله ﷺ.
وله من رواية الزبيدي، عن ابن شهابٍ، قال ابن عمر: فراجعتُها وحُسِبَتْ لها التَّطليقة التي طلَّقتُها.
وعند الشافعي: عن مسلم بن خالد، عن ابن جُريجٍ: أنهم أرسلوا إلى نافعٍ يسألونه: هل حُسِبَتْ تطليقة ابن عمر على عهد النبي ﷺ؟ فقال: نعم.
وفي حديث ابن عمر من الفوائد غير ما تقدم: أن الرجعة يستقلُّ بها الزوج دون ..
الشيخ: بركة.