الفصل الثاني والثلاثون في الذكر للصائم وعند فطره
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ثلاثةٌ لا تُردّ دعوتهم: الصائم حتى يُفْطِر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
وروى ابن ماجه عن ابن أبي مُليكة، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن للصائم عند فِطْره لدعوةً ما تُرَدّ.
وقال ابن أبي مُليكة: سمعتُ عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعتْ كل شيءٍ أن تغفر لي.
ويُذْكَر عن النبي ﷺ أنه كان إذا أفطر قال: اللهم لك صُمْتُ، وعلى رزقك أفطرتُ، ومن وجهٍ آخر: اللهم لك صُمْنَا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا، إنك أنت السَّميع العليم.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث والآثار فيما يتعلق بدعاء الصائم، والصوم له فضلٌ عظيمٌ، والصائم له دعوةٌ مُستجابةٌ حال صومه، وعند إفطاره، فيُستحب له الإكثار من الدعاء، والحرص على الأسباب؛ من الخشوع لله والخضوع، وإحضار القلب، والحذر من أكل الحرام، فإن الغفلة عن الله، وهكذا تعاطي أكل الحرام من أسباب الحرمان، ومن أسباب المنع.
فالمشروع للمؤمن أن يحذر ما حرَّم الله عليه، وأن يجتهد في إخلاص الدعاء لله، وأن يكون دعاؤه عن قلبٍ حاضرٍ، خاشعٍ، مُقْبِلٍ على الله، راغبٍ بما عنده، يرجو رحمته، ويخشى عقابه .
في الحديث الصحيح يقول ﷺ: يقول الله : كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، يقول الله: إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه، ولَخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
فالصيام له شأنٌ، فيُستحب له أن يُكثر من الدعاء؛ رجاء أن تُجاب دعوته.
وفي هذا الحديث: ثلاثةٌ لا تُردّ دعوتهم: الصائم حتى يُفْطِر، وفي لفظٍ: حين يُفْطِر، ودعوة الوالد، ودعوة المظلوم، ودعوة الإمام العادل كذلك، كل هذه الأشياء جاءت فيها نصوصٌ متعددةٌ يشدُّ بعضها بعضًا تدل على أن دعوة المظلوم مُستجابةٌ، ودعوة الوالد، ودعوة الصائم.
فينبغي للمؤمن أن ينتهز الفرص ويتحرى لعله تُجاب الدعوة، فيدعو بأهمِّ ما يهمّه: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم ثَبِّتْنِي على دينك، اللهم إني أسألك الهدى والسَّداد.
ويُرْوَى عن عبدالله بن عمر أنه كان يقول عند الفطر: "اللهم يا واسع المغفرة، اغفر لي".
وهنا يقول عن عبدالله بن عمرو: "اللهم يا واسع المغفرة، أسألك برحمتك الواسعة أن تغفر لي".
فالمقصود أنه يدعو بالدعوات الجامعة المهمة؛ كسؤال المغفرة، دخول الجنة، النَّجاة من النار، قبول الصيام، قبول الأعمال: اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم تقبل مني صيامي، اللهم تقبل مني أعمالي، اللهم اغفر لي، اللهم أدخلني الجنة، وأنجني من النار، اللهم أصلح ولاة أمرنا، اللهم وَفِّقْهم لكل خيرٍ، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم فَقِّهُّم في الدين.
ويُروى عنه عليه السلام أنه كان يقول عند الإفطار: "اللهم لك صُمْتُ، وعلى رزقك أفطرتُ، ربِّ تقبل مني، إنك أنت السَّميع العليم"، وفي سنده ضعفٌ.
وقد جاء أيضًا في روايةٍ عند أبي داود بسندٍ جيدٍ: كان يقول إذا أفطر: ذهب الظَّمَأ، وَابْتَلَّت العُرُوق، ووجب الأجر، إن شاء الله.
فالمؤمن يتحرى هذه الدعوات وغيرها من الدعوات الطيبة يرجو من الله أن يُجيبها .
وفَّق الله الجميع.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، مثلًا: إذا قرب موعد أذان المغرب هل له أن يرفع يديه ويتضرع إلى الله ؟
ج: ما في مانع، رفع اليدين من أسباب الإجابة، رفع اليدين من أسباب الإجابة، لا بأس: إن ربكم حييٌّ كريمٌ، يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردَّهما صفرًا.
س: أحسن الله إليك، دعوة المظلوم تُستجاب ولو كانت من كافرٍ؟
ج: نعم، عامة.
س: وكيف يدعو الكافر؟!
ج: واتَّقِ دعوة المظلوم، كافرٌ مظلومٌ، إنسانٌ مُعاهَدٌ أُخِذَتْ منه زيادةٌ، أو ضُرِبَ بغير حقٍّ، أو أُخِذَ ماله بغير حقٍّ، أو مُسْتَأْمَنٌ، أو عاملٌ عنده يعمل ظلمه في عمله، أو ظلمه في أجرته ..... كثيرةٌ.
س: لقد ضمَّ القبرُ سعدًا؟
ج: سعد بن معاذ.
س: نعم، هل هذه ..؟
ج: ضمة المُحب لحبيبه، الأرض تُحب أهل الخير، مثلما يضم الأب ولده، قد يضره قليلًا، أو أم تضم ولدها، لكنها ضمَّة محبةٍ.
س: يعني: كل مسلم ..؟
ج: هذا ظاهر الحديث: أنها ضمَّةٌ، لكنها على الكافر ضمَّة عذابٍ وبلاءٍ، وعلى المُحب ضمَّة مُحبٍّ.
س: الله يُحسن عملك، إذا أصرَّ الخاطب على رؤية المخطوبة، وقالت المخطوبة: إنها لا تستطيع ذلك؛ حياءً، وليس ردًّا للسُّنة، لكن حياء بحكم عدم تعودها على ذلك؟
ج: ما في بأس.
س: ولو أصرَّ على ذلك؟
ج: ما هو بلزومٍ، بداله غيره، أقول: بداله غيره، إن رضيتْ وإلا ما هو بلزومٍ.
س: لو عُرِّضَ بالمرأة أمامه من غير أن تراه المرأة، بحيث –مثلًا- يراها وهي لا تراه؟
ج: ما في بأس، جابرٌ كان يتخبَّى ..... حتى رآها وهي ما علمتْ، لما ..
س: يعني: يحصل المقصود؟
ج: ما في بأس، ولو ما علمتْ.
س: حديث: ثلاثةٌ لا تُردّ دعوتهم معي أسانيده.
ج: فيه بعض الشيء، لكن له طرقٌ بعضها فيه دعوة المسافر، وبعضها دعوة المظلوم، وبعضها دعوة الوالد، يحتاج إلى تأملٍ.
س: الله يُحسن عملك، إذا أحدث الإمام في الصلاة؟
ج: ينصرف ويستخلف، يستخلف مَن يُصلي بهم.
س: وصلاة المأمومين بعده؟
ج: صلاتهم صحيحةٌ، يستخلف مَن يُكمل بهم.
س: مَن خلفه مُباشرةً أم أي واحدٍ؟
ج: مَن خلفه، الذي حوله، مثلما فعل عمر لما طُعِنَ قدَّم واحدًا وصلى بالناس، قدَّم عبدالرحمن بن عوف وصلى بالناس.
س: صلاة المأمومين أقصد -الله يُحسن عملك- صلاة المأمومين الذين خلفه؟
ج: يُقدم واحدًا يُصلي بهم، وصلاتهم صحيحةٌ، تبطل صلاته هو فقط.
س: هل الدعاء مُستجابٌ عند نزول الغَيْث؟
ج: يُرْجَى، جاء في بعض الأحاديث.
الفصل الثالث والثلاثون في أذكار السفر
روى الطبراني عن النبي ﷺ أنه قال: ما خلَّف أحدٌ عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرًا.
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن أراد سفرًا فَلْيَقُلْ لمَن يُخَلِّف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
وفي المسند أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: إن الله إذا استُودِعَ شيئًا حفظه.
وقال سالِمٌ: كان ابن عمر يقول للرجل إذا أراد سفرًا: أُوَدِّعُكَ كما كان رسول الله ﷺ يُوَدِّعُنَا. فيقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
ومن وجهٍ آخر: كان النبي ﷺ إذا ودَّع رجلًا أخذ بيده، فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع يد النبي ﷺ. وذكر تمام الحديث، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقال أنسٌ : جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أُريد سفرًا فَزَوِّدْنِي. فقال: زَوَّدَكَ الله التقوى، قال: زِدْنِي. قال: وغفر ذنبك، قال: زِدْنِي. قال: ويَسَّرَ لك الخير حيثما كنتَ. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
وعن أبي هريرة : أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أريد أن أُسافر فأوصني. قال: عليك بتقوى الله ، والتَّكبير على كل شَرَفٍ، فلما ولَّى الرجل قال: اللهم اطْوِ له البُعد، وهَوِّنْ عليه السفر. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
الشيخ: اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
أما بعد: فهذه الأحاديث كلها تتعلق بالسفر، والسُّنة للمسافر إذا أراد السفر أن يُودع أهله، ويُوصيهم بتقوى الله، ويُوصيهم بما يلزم بعد سفره؛ حتى يكونوا على بينةٍ، وعلى استقامةٍ، وعلى عملٍ يرضاه، ويقول: "أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم عملكم"، ويُوصيهم بما يلزم من الخير.
وكذلك يقول لمَن يستودعه: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك"، كما كان النبي يفعل عليه الصلاة والسلام، وإذا دعا له قال: "زَوَّدَك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيث كنت".
كل هذا مما ينبغي للمؤمن مع أخيه المؤمن، كل هذه الأشياء تنبغي للمؤمنين فيما بينهم؛ لأنهم شيءٌ واحدٌ وأولياء، كما قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، فهذا من مُوجب الولاية: الدعاء لهم بالتوفيق والتيسير وغفران الذنوب، واستيداع الله دينهم وأمانتهم وخواتيم أعمالهم، كل هذا من مُقتضى الإيمان، ومن مُقتضى الأخوة الإيمانية؛ تأسيًا بالنبي ﷺ، وتنفيذًا لمُقتضى الأخوة الإيمانية.
وهكذا كونه يَخْلُفُه في أهله بخيرٍ إذا كانوا في حاجةٍ: قرض أو مساعدة، خلفه في أهله بالخير، فهذا أيضًا من باب التعاون على البرِّ والتقوى، كما قال ﷺ: مَن جهَّز غازيًا فقد غزا، ومَن خلفه في أهله بخيرٍ فقد غزا، فهكذا الإنسان إذا غاب جاره في سفرٍ أو جهادٍ أو غير ذلك خلفه في أهله بخيرٍ، وساعدهم بالصدقة، بالقرض، بغير هذا مما ينفع، وكل هذا مما يُحبه الله ويرضاه.
وينبغي للمؤمن أن يكون دائمًا يتوخى الخير مع جيرانه، ومع أحبابه، ومع جُلسائه، ومع عموم المؤمنين في أسفارهم وإقامتهم.
ومن آداب السفر أيضًا: التَّكبير على كل شَرَفٍ، يكون الإنسان إذا علا شيئًا كبَّر، وإذا هبط واديًا سبَّح، كما كان الصحابة يفعلون، وكما كان النبي يفعل عليه الصلاة والسلام، كل هذا من آداب السفر، وعند ركوب الراحلة يأتي بما شرع الله، يقول: "الله أكبر"، يحمد الله ويُكبره.
وفي الرواية الأخرى: كان يُكبر ثلاثًا، ويقول: سبحان الذي سخَّر لنا هذا، وما كنَّا له مُقرنين، وإنَّا إلى ربنا لمُنقلبون ..... كل هذه الأشياء ينبغي للمُسافر أن يقولها.
انظر كلامه على حديث الركعتين، أول حديثٍ.
القارئ: يقول: قال الألباني في "الأحاديث الضعيفة": ضعيفٌ. وحسَّنه الحافظ في "تخريج الأذكار"، وذكر له شواهد، انظر "شرح الأذكار" الجزء الخامس ..
الشيخ: على كل حالٍ، صلاة الركعتين كلها خيرٌ، لكن كونها سُنةً لا بد أن يتحقق من صحة الحديث، وإلا فكونه يخلف الركعتين في بيته والوصية لأهله كل هذا خيرٌ.
س: تُعتبر .....؟
ج: إذا ثبت الحديث، إذا ثبت الحديث، يحتاج إلى النظر في طرقه.
س: أحسن الله إليك، مثلًا: إذا أتى من سفرٍ ووجد المسجد مُغلقًا يُصلي في البيت؟
ج: إن صلى في بيته فحسنٌ، والسُّنة أن يبدأ بالمسجد، فإذا ما تيسر المسجد كلها سُنةٌ، مُستحبةٌ، إن صلَّى في البيت فحسنٌ.
س: الله يجزيك خيرًا يا شيخ، معنى: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك؟
ج: أي: أجعل دينك أمانةً عند الله، يحفظه الله، يعني: أجعله أمانةً، وما كان أمانةً عند الله لا يُضيعه، يعني: أجعله وديعةً عند الله يحفظها.
س: وكذلك: أمانتك وخواتيم عملك؟
ج: كذلك، أمانته التي أوصاه الله بها.
س: الله يُحسن عملك، مَن حلف على عدم فعل مُستحبٍّ، فهل الحِنْث في هذه الحالة يكون واجبًا أو مُستحبًّا؟
ج: إذا قال: والله ما أُصلي الضحى، هو بالخيار؛ يُكفِّر عن يمينه ويُصلي الضحى، وإن ما صلَّى فلا بأس؛ لأنها نافلةٌ، لكن الأفضل أن يُكفِّر حتى يُصلي الضحى، أو قال: والله ما أُوتر، السُّنة أن يُكفِّر عن يمينه ويُوتر؛ حتى يأتي بالسُّنة.
س: يكون مُستحبًّا، الله يُحسن عملك؟
ج: نعم، ما هو بواجبٍ؛ لأن المحلوف عليه ما هو بواجبٍ.
س: إذا دعا له قال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، ماذا يقول له؟
ج: ما أعرف فيه شيئًا، لكن إذا قال: جزاك الله خيرًا، أو قال: وأنا كذلك أستودع الله دينك وأمانتك، طيبٌ، يقول مثله.
س: الله يُحسن عملك، يوم الجمعة هل فيه وقت نهيٍ؟
ج: الصواب: ما فيه نهيٌ، له أن يُصلي إلى دخول الخطيب، مُستثنًى؛ لأن الرسول ﷺ حثَّ الناس على الصلاة حتى يأتي الخطيب، فدلَّ على أنه ما فيه وقت نهيٍ.
س: يكون خاصًّا بيوم الجمعة؟
ج: بالجمعة خاصٌّ، نعم، ما فيه وقت نهيٍ، يعني: وسط الضُّحى، قُرْب الزوال يعني.
س: الجمعة هل لها ركعتا ضُحًى؟
ج: إذا دخل المسجد أقلّ شيءٍ يُصلي ركعتين، إذا أتى المسجد يُصلي ما قُدِّر له، أقلّه ركعتان ..... لكن يُستحب في الجمعة أن يزيد، يُصلي ركعات، وإن استمرَّ يُصلي حتى يدخل الإمام فحسنٌ.
س: لكن تُعتبر من الضُّحى أو تُعتبر من صلاة الجمعة التي قبلها؟
ج: لا، لا، سُنة الضُّحى، سُنة الضُّحى، لكن سُنة الضُّحى ما لها حدٌّ محدودٌ.
س: الله يجزيك الجنة يا شيخ، كون النبي ﷺ إذا سلَّم على أحدٍ أو ودَّعه لا ينزع حتى ينزع، هذا خاصٌّ بالتوديع أو في كل سلامٍ؟
ج: في الغالب أنه ﷺ .. المعروف عنه ﷺ أنه لا ينزع يده الأول حتى ينزعها الآخر.
س: في كل سلامٍ؟
ج: هذا المعروف في سُنته ﷺ، من تواضعه عليه الصلاة والسلام.
س: أحسن الله إليك، ما مناسبة التَّكبير عند كل شَرَفٍ؟
ج: لأن الله أعظم؛ لأن الشَّرَف عظيمٌ، الجبل عظيمٌ، والروابي عظيمةٌ في النفوس، فالمعنى يُشير إلى أن الله أكبر من هذا، وأكبر من كل شيءٍ، وإذا كان هبوطٌ، والله عالٍ، فيقول: "سبحان الله" تنزيهًا عن الهبوط والسُّفول.
س: أحسن الله إليك، مثلًا: لو صار فوق كوبري أو جسر، ورقى فوقه بالسيارة يقول: الله أكبر؟
ج: المعروف في السفر.
س: الله يُحسن عملك، لو أن جماعةً في سفرٍ فهل يكتفي الراكب بذكر دعاء السفر عن الباقي؟
ج: لا، لا، كل واحدٍ يأتي به.
س: كل واحدٍ يأتي به؟
ج: بالذكر، نعم.
س: وماذا لو قال: أنا سأقول دعاء السفر فقط، وكل واحدٍ بينه وبين نفسه؟
ج: لا، كل واحدٍ يأتي به، لا يصير كسولًا، كل واحدٍ يأتي به.
الفصل الرابع والثلاثون في ركوب الدابة والذكر عنده
قال علي بن ربيعة: شهدتُ عليَّ بن أبي طالبٍ أُتِيَ بدابةٍ ليركبها، فلما وضع رِجْلَه في الرِّكاب قال: "بسم الله"، فلما استوى على ظهرها قال: "الحمد لله"، ثم قال: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف:13- 14]، ثم قال: "الحمد لله" ثلاث مراتٍ، ثم قال: "الله أكبر" ثلاث مراتٍ، ثم قال: "سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين، من أي شيءٍ ضحكتَ؟ فقال: رأيتُ النبيَّ ﷺ فعل كما فعلتُ ثم ضحك، فقلتُ: يا رسول الله، من أي شيءٍ ضحكتَ؟ فقال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري رواه أهل السنن، وصححه الترمذي.
وفي "صحيح مسلم" عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفرٍ كبَّر ثلاثًا، ثم قال: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهم إنَّا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا، وَاطْوِ عنا بُعْدَه، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر، وكآبة المنظر، وسُوء المُنْقَلَب في المال والأهل، وإذا رجع قالهنَّ، وزاد فيهنَّ: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون.
وفي وجهٍ آخر: كان رسول الله ﷺ وأصحابه إذا عَلَوا الثَّنايا كبَّروا، وإذا هبطوا سبَّحوا.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق بأذكار السفر، وعند ركوب الدابة، وعند الإياب.
يُستحب للمؤمن أن يقول مثلما كان النبي ﷺ يقول عند ركوب الدابة: يُسمِّي الله عند ركوبها، ويحمد الله، ويُكبر ثلاثًا، كما في حديث ابن عمر –الزيادة- ويقول: "سبحان الذي سخَّر لنا هذا، وما كنا له مُقرنين" يعني: مُطِيقين، "وإنَّا إلى ربنا لمنقلبون".
وإذا قال ما قال -كما جاء في حديث عليٍّ- حمد الله ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، وقال: "سبحانك، إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي"، فكله حسنٌ.
والظاهر -والله أعلم- أنه كان يقول هذا تارةً، وهذا تارةً عليه الصلاة والسلام؛ ما في حديث ابن عمر، وما في حديث عليٍّ، ويقول: "اللهم زَوِّدْنَا في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا، وَاطْوِ عنا بُعْدَه، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال".
كل هذا حسنٌ، يقوله الإنسان عند ركوب الدابة والسير إلى سفره.
ويقول: "آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، إذا رجع يقولهنَّ ويأتي بها.
"آيبون" يعني: راجعون، "تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
كل هذه من أذكار السفر.
فالمسلم يتأسَّى بالنبي ﷺ ويذكر الله بهذه الأذكار التي ذكرها ابن عمر، وذكرها عليٌّ ، ويشتغل أيضًا بالتَّكبير عند صعود الرَّوابي والثَّنايا، وبالتَّسبيح عند هبوط الأودية والأشياء السَّافلة؛ تأسيًا بالنبي ﷺ وأصحابه؛ كانوا يُكبرون عند الصعود على المُرتفعات من الجبال والثَّنايا والرَّوابي ونحو ذلك، وعند النزول في سهول الأرض وبطون الأودية يُكثرون من التَّسبيح.
وفَّق الله الجميع.
س: .......؟
ج: صلاة العصر وحدها، ما تُجْمَع مع الجمعة، إذا صلَّى مع الناس الجمعة يُؤجل العصر إلى وقتها.
س: أحسن الله إليك، هل نربط دعاء الركوب مع دعاء السفر مع بعضٍ؟
ج: دعاء الركوب هو دعاء السفر.
س: يعني: يربط مع بعضٍ؟
ج: المعروف أن هذا في السفر، يقوله في السفر عليه الصلاة والسلام.
طالب: حديث عليٍّ تحدث عنه الدَّارقطني في "العلل".
الشيخ: نعم.
الطالب: أقرأه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بسم الله.
وسُئل رحمه الله عن حديث علي بن ربيعة الوَالِبِيّ الأسدي، عن عليٍّ في ركوب الدابة وما يُقال عند ذلك، فقال: حدَّث به أبو إسحاق السَّبِيعِيُّ، عن علي بن ربيعة.
رواه عن أبي إسحاق كذلك منصور بن المُعْتَمِر، وعمرو بن قيسٍ المُلَائِيُّ، وسفيان الثَّوريُّ، وأبو الأحوص، وشَرِيكٌ، وأبو نَوْفَلٍ عليُّ بن سليمان، والأَجْلَحُ بن عبدالله، واختُلِفَ عنه؛ فقال مُصعب بن سَلَّامٍ: عن الأَجْلَح، وأبو يوسف القاضي: عن لَيْثٍ، جميعًا عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ.
وَوَهِمَا، والصواب ما رواه شيبان، عن الأَجْلَحِ، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة.
وكذلك قال أصحاب أبي إسحاق عنه.
وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة، يُبَيِّن ذلك ما رواه عبدالرحمن بن مهديٍّ، عن شعبة قال: قلتُ لأبي إسحاق: سمعتَه من علي بن ربيعة؟ فقال: حدَّثني يونس بن خَبَّابٍ عن رجلٍ عنه.
وروى هذا الحديث شعيبُ بن صفوان، عن يونس بن خَبَّابٍ، عن شقيق بن عقبة الأسديِّ، عن علي بن ربيعة.
ورواه المِنْهَالُ بن عمرٍو وإسماعيل بن عبدالملك بن أبي الصَّغِير، عن علي بن ربيعة.
فهو من رواية أبي إسحاق مُرسلًا، وأحسنها إسنادًا حديث المِنْهَال بن عمرٍو، عن علي بن ربيعة، والله أعلم.
ورواه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن الحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ، عن علي بن ربيعة.
قال الدارقطني: حدثنا القاضي حسين بن إسماعيل قال: حدثنا زكريا بن يحيى الباهلي قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا سفيان قال: حدثني أبو إسحاق، عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالبٍ، عن النبي ﷺ قال: يَتَعَجَّبُ الربُّ -أو ربُّنا- إذا قال العبد: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، ظلمتُ نفسي، فَاغْفِرْ لي، إنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت. انتهى.
الشيخ: أسانيد يشدّ بعضها بعضًا، لكن أصحّها حديث ابن عمر في "صحيح مسلم"، وهذا حديث عليٍّ يشدّ بعضه بعضًا، فالروايات يشهد بعضها لبعضٍ.
س: لو ركب المصعد يقول دعاء الركوب؟
ج: ما نعرف إلا هذا في السفر، وإذا ذكر الله في المصعد وفي غيره ما في بأس، لكن كونه يُقال: يُستحب، ما يُستحب إلا في السفر، لكن إذا فعل هذا طيبٌ، كله ذكرٌ لله، وثناءٌ على الله، وتسبيحه، لكن الوارد في السفر، وذكر الله مطلوبٌ في كل وقتٍ، ذكر الله، والثَّناء على الله.
الفصل الخامس والثلاثون في ذكر الرجوع من السفر
قال عبدالله بن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا قَفَلَ من حجٍّ أو عمرةٍ أو غَزْوٍ يُكبر على كل شَرَفٍ من الأرض ثلاث تكبيراتٍ، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده رواه البخاري ومسلم.
الفصل السادس والثلاثون في الذكر على الدَّابة إذا استُصْعِبَتْ
قال يونس بن عبيد: ليس رجلٌ يكون على دابةٍ صعبةٍ فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83] إلا وَقَفَتْ بإذن الله تعالى.
قال شيخنا -قدَّس الله روحه-: وقد فعلنا ذلك فكان كذلك.
الفصل السابع والثلاثون في الدابة إذا انفلتت وما يُذْكَر عند ذلك
عن ابن مسعودٍ ، عن رسول الله ﷺ قال: إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاةٍ فَلْيُنَادِ: يا عباد الله، احبسوا، فإن لله حاضرًا سيحبسه.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث والآثار فيما يتعلق بالذكر عند الإياب من السفر، وعند استصعاب الدابة أو انفلاتها.
كان النبي ﷺ في السفر وأصحابه يشتغلون بذكر الله جلَّ وعلا، إذا عَلَوا شَرَفًا أو شيئًا من آكام الأرض أو جبالها كبَّروا وذكروا الله، وإذا نزلوا في بطون الأودية سبَّحوا في أسفارهم.
وكانوا ربما رفعوا أصواتهم رفعًا كثيرًا، فيقول لهم: يا عباد الله، ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يعني: ارفقوا، يرفع الصوت لكنه صوتٌ مُتوسطٌ، ما فيه تكلفٌ.
وكان إذا قَفَلَ فعل مثل ذلك، إذا قَفَلَ راجعًا من السفر كذلك يُكبر الله ويُهلله، كلما علا شَرَفًا كبَّر وذكر الله، وكلما نزلوا أوديةً أو مُنْهَبطات سبَّحوا، ويقول: آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده يعني: يُكرر هذا في طريقه راجعًا.
ومعنى "آيبون" يعني: راجعون.
"تائبون" يعني: من الذنوب.
"عابدون" يعني: لله بطاعته، وترك معصيته.
"حامدون" له ، "ساجدون" له .
هكذا المؤمن أينما كان يعبد ربه، يُنِيب إليه، ويسجد له، ويحمده، ويُثْنِي عليه أينما كان، في السفر والإقامة، لكن هذه من أذكار السفر.
"آيبون" يعني: راجعون إلى الحقِّ، راجعون إلى بلادنا، تائبون من الذنوب، عابدون لربنا، ساجدون كذلك لربنا حامدون.
"صدق الله وعده" تَحَدُّثٌ بنعم الله التي أنعم بها على عباده، فإنه صدق وعده، ونصر عبده في يوم بدر، وفي الأحزاب، وفي خيبر، ثم في الفتح، "وهزم الأحزاب وحده" ، فإنهم تحزَّبوا وتجمَّعوا وحاصروا المدينة، فهزمهم الله وحده بالرياح العظيمة التي أزعجتهم، وقلعتْ خيامهم، وأَكْفَأَتْ قدورهم، ولم تدع لهم قرارًا حتى انشَمَرُوا إلى بلادهم، فهذا من لُطْف الله جلَّ وعلا.
فالمؤمن عندما يُبتلى يفزع إلى ذكر الله وتكبيره وتعظيمه، كما قال ﷺ عند الكسوف: إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره.
وذكر بعض السلف عند استصعاب الدابة أنه يقرأ في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83]، وأنها -بإذن الله- تذل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد جربنا هذا فوجدناه كما قال بعض السلف"، فإنه يُؤثر، وهذا من لُطْف الله جلَّ وعلا.
والأسباب المُجربة يُعْمَل بها، فالله جعل كتابه شفاءً من كل داءٍ، وهذا من الأدواء، وهذا من شفائه: القراءة في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
وهكذا إذا انفلتت الدابة، يعني: شَرَدَتْ، يُنادي: "يا عباد الله، احبسوا"، فإن لله حاضرًا من الملائكة أو من الجنِّ يحبسون.
هذا إن صحَّ فَعِلَّتُه أن لله حاضرًا، أن الله جلَّ وعلا يمدّ عباده بحاضرين من الملائكة أو من الجنِّ، فَيَرُدُّون عليه دابته، وهذا شيءٌ خاصٌّ بهذا المعنى إن صحَّ الحديث، إن صحَّ الحديث بذلك فجوازه ظاهرٌ من قوله: فإن لله حاضرًا يعني: من الملائكة أو من الجنِّ يردُّون عليه الدابة؛ لأنه قال: "يا عباد الله"، يعني: من الجنِّ والإنس والملائكة.
أيش قال المُحشي على الأثر؟
القارئ: يقول: رواه ابن السُّني في "عمل اليوم والليلة"، وإسناده ضعيفٌ.
قال الحافظ في "تخريج الأذكار": حديثٌ غريبٌ، أخرجه ابن السُّني، وأخرجه الطبراني، وفي سنده انقطاعٌ، وقد جاء بمعناه حديثٌ آخر أخرجه الطبراني بسندٍ مُنقطعٍ عن عُتبة بن غَزْوَان، عن النبي ﷺ قال: إذا ضلَّ أحدكم أو أراد عَوْنًا وهو بأرضٍ ليس بها إنسٌ، فليقل: يا عباد الله، أعينوني. ثلاثًا، فإن لله عبادًا لا يراهم.
ثم قال: ولحديث عُتبة شاهدٌ من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي ﷺ قال: إن لله ملائكةً في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابتْ أحدَكم عَرْجَةٌ بأرض فلاةٍ فَلْيُنَادِ: يا عباد الله، أعينوني.
قال الحافظ: هذا حديثٌ حسن الإسناد، غريبٌ جدًّا، أخرجه البزار، وقال: لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
وقد أطال الكلام عليه الألباني في "الأحاديث الضعيفة"، رقم (655)، والزيادة منه.
الشيخ: أنا لا أعلم له سندًا صحيحًا، لكن لو صحَّ فالعلة في ذلك قوله: «فإن لله حاضرًا»، ليس يدعو غائبًا، يدعو حاضرًا، لو صحَّ، لكن ما دام الضعف قد اكْتَنَفَهُ من جميع الطرق فلا حاجة إليه، بل يقول: "اللهم يَسِّرْ أمري، اللهم احبسها عليَّ"، فهو أقرب من كل قريبٍ ، "اللهم احبسها عليَّ، اللهم رُدَّ عليَّ ضالتي، اللهم يَسِّرْ لي مَن يردّها، اللهم احفظها عليَّ"، ويكفي، دعاء الله أفضل، فإن هذا الحديث ما نعلم له طريقًا يُعتمد عليه.
فالحاصل أنه في مثل هذا الواجب أن يقول: "اللهم احبسها عليَّ، اللهم ردّها عليَّ، اللهم يَسِّر .." يعني: يدعو دعواتٍ إلى الله جلَّ وعلا، وهو الذي بيده تصريف الملائكة، وتصريف الجنِّ، وتصريف غيرهم، هو سبحانه يأمر ما يشاء، ويردّها إذا شاء .
والقاعدة الشرعية: لا يُعْمَل في هذه الأمور العظيمة إلا بالأحاديث الصحيحة الثابتة، أما الأشياء التي فيها جهالات أو انقطاع فلا يُعْمَل بها في هذا المقام العظيم؛ لأن هذا قد يتعلق به عُبَّاد القبور وعُبَّاد الجنِّ، ويقولون: إنهم يحضرون الجنّ، وإنهم يسمعون كلامنا. وهذا يُفْضِي إلى شرٍّ عظيمٍ، وفسادٍ كبيرٍ.
فالحاصل أن دعاء الغائب مثل: دعاء الميت، ومثل: دعاء الجمادات؛ لا يجوز، بل هو من الشرك، هذا هو الأصل، دعاء الغائبين، ودعاء الجمادات، ودعاء الأموات، كل هذا من الشرك الأكبر، فلا يجوز استعمال شيءٍ من هذا إلا بدليلٍ صحيحٍ مقطوعٍ به، لا شُبهة فيه.
وفَّق الله الجميع.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، في ذكر دعاء الرجوع من السفر متى يبدأ: يبدأ حين يُشاهد المدينة، أو لو وصل إلى مكانه، أحسن الله إليك؟
ج: ..... من حيث ..... إذا انصرف من مكة راجعًا، أو من المدينة راجعًا، أو من الأحساء، أو من القصيم، أو من أي جهةٍ، إذا انصرف ورجع يبدأ بالدعاء.
س: من حين يرى المدينة، أحسن الله إليك؟
ج: من حين يخرج من البلاد التي انصرف منها.
س: من حين يخرج؟
ج: يخرج مُنصرفًا، من حين يخرج من مكة مُنصرفًا، من المدينة، من بُريدة، من حائل، إلى غير ذلك، يدعو بهذا الدعاء في طريقه، يُكرر الدعاء والذكر.
س: ما هو بشرط -أحسن الله إليك- إذا وصل إلى الرياض؟
ج: عند وصوله الرياض ..... يُكَمِّل.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا رجع إلى بلده، هل من السُّنة أن يُصلي ركعتين في المسجد ثم يروح إلى بيته؟
ج: هذا السُّنة.
س: طيب، إذا كان المسجد مُغلقًا؟
ج: الحمد لله، ما هو بلازمٍ، سُنة، مُستحبة.
س: طيب، هذا خاصٌّ بمسجد الرسول ﷺ؟
ج: لا، ليس خاصًّا، مُستحبةٌ في جميع الأرض، جميع الدنيا.
س: أحسن الله إليكم، حديث: «يا عباد الله» إذا صحَّ هل يُقال: إنه خاصٌّ بالملائكة فقط؟
ج: خاصٌّ، أو أناسٌ يُسَخِّرهم الله من الجنِّ، قال: «فإن لله حاضرًا»، لو صحَّ، «لله حاضرًا» يعني: من الملائكة أو غيرهم، لكن الحديث معلولٌ، ما نعلم له على طول المدة الكثيرة ما وجدنا له طريقًا صحيحًا.
س: .......؟
ج: .......
س: لكن لو كان مُسافرًا يُصلي قصرًا؟
ج: على ابتداء السفر، إذا كان مُسافرًا من جهةٍ أخرى فابتداؤه ..... من حين إذا غادر البلد، مثلما كان النبي يبتدئ السفر من ذي الحُلَيفة يقصر فيها عليه الصلاة والسلام، إذا غادر البلد.
الفصل الثامن والثلاثون في الذكر عند القرية أو البلدة إذا أراد دخولها
عن صهيبٍ : أن النبي ﷺ لم يَرَ قريةً يريد دخولها إلا قال حين يراها: اللهم ربَّ السماوات السبع وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين السبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها رواه النَّسائي.
الفصل التاسع والثلاثون في ذكر المنزل يريد نزوله
قالت خَولة بنت حكيمٍ رضي الله عنها: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، لم يضرّه شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك رواه مسلمٌ.
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي وربكِ الله، أعوذ بالله من شَرِّكِ، وشَرِّ ما فيكِ، وشَرِّ ما خُلِقَ فيكِ، وشَرِّ ما يَدُبُّ عليكِ، وأعوذ بالله من أسدٍ وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والدٍ وما ولد رواه أبو داود.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: سبق أنه ﷺ شرع لأُمته كل ما فيه خيرها وصلاحها من عباداتٍ ودعواتٍ وأذكارٍ مُطلقةٍ، وفي أوقاتٍ أخرى مُحددةٍ، كل ذلك لما فيه صلاح الأمة ونجاتها؛ لأن الله أرسله رحمةً للعالمين، وعلَّمه ما فيه صلاح الأمة، فهو يدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما قال الله جلَّ وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، قالت عائشة: "كان خُلُقُه القرآن" يعني: يدعو إلى ما يدعو إليه القرآن، ويُرَغِّب فيما يُرَغِّب فيه القرآن، ويُحَذِّر مما ينهى عنه القرآن، ومن ذلك: كثرة الأذكار في ليله ونهاره، وفي منزله ورحيله، في جميع الأوقات يُكثر من ذكر الله سبحانه.
وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: سبق المُفَرِّدون، قالوا: يا رسول الله، ما المُفَرِّدون؟ قال: الذَّاكرون الله كثيرًا والذَّاكرات خرَّجه مسلمٌ في "الصحيح".
فالذكر له شأنٌ عظيمٌ في صلاح القلوب، وإزالة قسوتها وتطهيرها من دَرَنها، وفيما يتعلق بمرضاة الله جلَّ وعلا والتَّقرب لديه، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:41- 43] .
وفي هذا أنه ﷺ إذا أقبل على قريةٍ يريد دخولها قال: اللهم ربَّ السماوات وما أَظَلَّتْ من الظل –بالظاء- وربَّ الأرضين وما أَقَلَّتْ يعني: ما حملتْ وربَّ الشياطين وما أَضَلَّتْ بالضاد من الإضلال، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ أهلها، وشرِّ ما فيها.
هذا دعاءٌ عظيمٌ عند دخول القرية والبلد التي يريد، هذا من أنفع الدعاء.
كذلك كونه يقول عند إقبال الليل، وإذا أراد النزول في الأرض: يا أرض، ربي وربكِ الله، أسأل الله خيركِ، وخير ما فيكِ، وخير ما خُلِقَ فيكِ، وخير ما يَدُبُّ عليكِ، وأعوذ بالله من شرِّكِ، وشرِّ ما فيكِ، وأعوذ بالله من شرِّ أسدٍ وأسود، وحيةٍ وعقربٍ، ومن ساكن البلد، ومن والدٍ وما ولد.
هذا دعاءٌ عامٌّ في طلب الخير والسلامة من الشر، وهذا أيضًا من الدعوات العظيمة.
وهكذا ما في حديث خولة إذا نزل منزلًا يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق"؛ لقوله ﷺ: مَن نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، لم يضرّه شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك.
فالمؤمن يتأدب بالآداب الشرعية، ويحرص على الدعوات الشرعية والأوراد الشرعية أينما كان.
وفَّق الله الجميع.
س: أحسن الله إليك، في الذكر عند دخول القرية يبدأ الدعاء من حين يدخل البلد؟
ج: أو إذا أقبل عليها.
س: إذا أقبل عليها؟
ج: نعم، نعم، وإذا دخلها، كله واحدٌ، إذا أقبل أو دخلها.
س: الله يُحسن عملك، إذا نزل منزلًا ونسي أن يقول هذا الدعاء، ثم تذكر بعد؟
ج: يقوله متى ذكر، يقوله متى ذكر.
س: أحسن الله إليك، المنزل سواءٌ كان جديدًا أو مُستأجرًا؟
ج: كله واحدٌ، في البرِّ أو في البحر، كله واحدٌ.
س: خاصٌّ بالسفر، الله يُحسن عملك؟
ج: ..... يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق"، هذا يعمُّ جميع المنازل.
س: أحسن الله إليك، ورد هنا بالنون، والصحيح ..؟
ج: أيش؟
س: "اللهم ربَّ السماوات السبع وما أَظَلَّتْ، وربَّ الأرضين وما أَقَلَّتْ، وربَّ الرياح وما أَذَرَّتْ، وربَّ الشياطين وما أَضَلَّتْ"، هذا الصحيح أم بالنون: "وما أَظْلَلْنَ"؟
ج: المعروف بالنون، المعروف: ربَّ السماوات وما أَظْلَلْنَ، يعني: من الظلِّ، وربَّ الأرضين وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطين وما أَضْلَلْنَ، يصح، الظاهر أنه جاء بالتاء أيضًا، هذا وهذا، المعنى مُستقيم، أقول: المعنى مُستقيمٌ بالتاء وبالنون.
س: أحسن الله إليك، ما يفعله بعض الناس إذا أراد أن يسكن منزلًا أتى بقارئٍ يقرأ القرآن فيه؟
ج: ما أعلم له أصلًا، لكن القرآن كله خيرٌ، النبي ﷺ أخبر أن قراءة البقرة في المنزل تطرد الشيطان، كونها إذا قُرِأَتْ في المنزل خرج الشيطان، والقرآن فيه خيرٌ كثيرٌ، فإذا قرأ في منزله أو أهله أو جيرانه ما أعلم فيه شيئًا.
س: أحسن الله إليك، يأتون بقارئٍ، يعني: فيه شيءٌ؟
ج: أقول: ما أعلم فيه شيئًا.
س: في تسمية النبي ﷺ شهيدًا -يا شيخ- وجدتُ أثرًا ..؟
ج: الله أعلم، الله أعلم.
س: في أثرٍ -يا شيخ- لعبدالله ..؟
ج: الله أعلم، في قصة أكله من الشَّاة المسمومة: إن هذا أوان انقطاع أَبْهَرِي، يُرجى أن تكون له الشهادة بهذا، ولكنه أفضل من الشهداء عليه الصلاة والسلام، أقول: هو أفضل من الشهداء، فوق منزلة الشهداء، النبيون والصِّدِّيقون والشهداء، الشهداء بعد النَّبيين، وبعد الصديقين.
طالب: يا شيخ، أقرأه عليكم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: قال الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده": حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن عبدالله بن مُرَّة، عن أبي الأحوص، عن عبدالله قال: لأن أحلف بالله تسعًا أن رسول الله ﷺ قُتِلَ قتلًا أحبّ إليَّ من أن أحلف واحدةً، وذلك بأن الله اتَّخذه نبيًّا، وجعله شهيدًا.
الشيخ: هذا ضعيفٌ، فيه الأعمش، والأعمش مُدلس، وقد عنعن، ولكن الشاهد: هذا أوان انقطاع أَبْهَرِي من جهة الأكلة التي أكلها في خيبر، يشهد لهذا المعنى، لكن هو مات موتةً معروفةً بإجماع المسلمين، مرض، وكان في مرضه نحو اثني عشر يومًا في مرضه، وتُوفي مريضًا عليه الصلاة والسلام، هذا ثابتٌ في الصحيحين، أثبت من هذا.
س: حديث: يا أرض، ربي وربكِ الله؟
ج: لا بأس بإسناده، ذكره ..... لا بأس به.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، المسح على الجوارب لا بد في آنٍ واحدٍ أو يجوز أن يمسح اليمين ثم اليسار؟
ج: اليمين ثم اليسار أفضل، يَمِّنُوا، التَّيمن، مثل: الوضوء، تبدأ باليُمنى ثم اليُسرى.
الفصل الأربعون في ذكر الطعام والشراب
قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172].
وقال عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما: قال لي رسول الله ﷺ: يا بُنَيَّ، سَمِّ الله تعالى، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك متفقٌ عليه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله ﷺ: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى في أوله، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقال أُمية بن مَخْشِي : كان رسول الله ﷺ جالسًا، ورجلٌ يأكل، فلم يُسَمِّ حتى لم يَبْقَ من طعامه إلا لُقْمَة، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره، فضحك النبي ﷺ، ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله تعالى استقاء ما في بطنه رواه أبو داود.
وقال رسول الله ﷺ: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها رواه مسلمٌ في "صحيحه" من حديث أنسٍ .
وقال أبو هريرة : ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قطّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه. متفقٌ عليه.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث والآية الكريمة فيما يتعلق بأذكار الطعام والشراب.
يُشرع للمؤمن، بل يجب عليه أن يشكر الله على نعمه؛ لأنه سبحانه هو المُنْعِم على عباده في وجودهم، وما أعطاهم من الحواس، وما أعطاهم من النعم، فالواجب على العبد أن يشكر الله جلَّ وعلا على جميع نعمه وإحسانه؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]، وقال جلَّ وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]، وقال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، وقال جلَّ وعلا: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، وقال سبحانه: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]، فهو سبحانه يرضى من عباده الشكر، ويأمرهم به، ويزيدهم من فضله بأسباب ذلك.
وحقيقة الشكر: الثَّناء على الله بما هو أهله، والإيمان بأن هذا من فضله وإحسانه، ثم العمل بطاعته، وترك معصيته، فالشكر يكون باللسان، وبالقلب، وبالعمل، كما قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، فالشكر باللسان: الثناء على الله سبحانه بما هو أهله، وحمده جلَّ وعلا، والاعتراف بنعمه، ومحبته على ذلك، وخوفه، ورجاؤه، والشوق إليه، وبالعمل: أداء فرائضه، وترك محارمه، هذا هو الشاكر، ومن هذا قول الشاعر:
| أفادتكم النَّعماء مني ثلاثةً | يدي ولساني والضَّمير المُحَجَّبا |
يعني: أن الشكر يكون بالضمير –بالقلب- وباللسان وبالعمل، هكذا يكون الشاكر.
وفي هذا حديث عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ.
عمر أُمه أم سلمة، وأبوه أبو سلمة، والنبي ﷺ تزوجها بعد أبي سلمة؛ قُتِلَ يوم أُحُدٍ، أصابه جرحٌ وانتقض عليه، ومات في السنة الرابعة، وتزوجها النبي ﷺ.
كان عمر هذا تطيش يده في الصَّحْفَة، فقال له النبي ﷺ: يا غلام، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك.
هذه السُّنة: أن يُسمِّي الله عند الأكل، يقول: بسم الله، وإذا كمَّلها: بسم الله الرحمن الرحيم، كان أكمل، ويأكل بيمينه، ويأكل مما يليه، لا يأكل من جهة الناس، بل يأكل مما يليه، هذا هو السُّنة، إلا إذا كانت أطعمةً مُتعددةً فلا بأس أن يتناول من النوع الثاني الذي ما هو عنده، أما إذا كان طعامًا واحدًا فكل واحدٍ يأكل مما يليه، ويُسمِّي الله جلَّ وعلا.
وفي حديث عائشة شرعية التَّسمية في أوله، فإن نسي سمَّى في أثنائه، إذا نسي أن يُسمِّي في أوله فليقل: "بسم الله أوله وآخره"، وبذلك يحصل المطلوب من التَّسمية.
وفي حديث أبي هريرة يقول: "ما عاب الرسول طعامًا قطّ، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه".
هذا يدل على أن الأفضل عدم عيب الطعام، يكون الإنسان كريمًا، طيبًا، إن اشتهاه أكل وإلا تركه، ما يقول: طعامكم فيه كذا وفيه كذا، لكن إذا كان أهل بيته يُوجههم على الذي يريد حتى يتوجَّهوا.
وفي هذا حديث مَخْشِي: أن الشيطان يُشارك الإنسان في أكله إذا لم يُسَمِّ.
ومن هذا الحديث الصحيح: أن الرسول ﷺ كان يأكل ذات يومٍ، فجاء أعرابيٌّ كأنه يُدْفَع ليأكل، فأمسك النبي ﷺ بيده، ثم جاءت جاريةٌ كأنها تُدْفَع، فأمسك بيدها، فقال: إن الشيطان أتى بهما ليستحلَّ بهما الطعام، فَسَمُّوا الله، يعني: إذا جاء إنسانٌ لم يُسَمِّ شاركه، فالتَّسمية تطرد الشيطان وتمنع مُشاركته.
أيش قال عندك على حديث مَخْشِي؟
القارئ: رواه أبو داود في "الأطعمة"، باب "التسمية على الطعام"، وابن السُّني، والحاكم، وأحمد في "المسند"، وفي إسناده المثنى بن عبدالرحمن الخزاعي، وهو مستورٌ، كما قال الحافظ في "التقريب"، انظر: "الإرواء".
الشيخ: المقصود أن الأحاديث الصحيحة تكفي، حديث أنه جاء بالجارية وجاء بالأعرابي ليستحلّ بهما الطعام، والحديث الصحيح: إذا دخل الإنسان بيته فسمَّى قال الشيطان: مُنِعْتُم المَبِيت، وإذا سمَّى على الأكل قال: مُنِعْتُم العشاء.
فالتَّسمية تطرد الشيطان، وتركها من أسباب مُشاركته.
فالمشروع للمؤمن أن يتحرى هذا عند أكله وشُربه: يُسمِّي الله جلَّ وعلا، ويُعلِّم الأطفال الذين لا يعرفون، يُعلِّم الولد الصغير يقول: سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك؛ حتى يتعلم السُّنة.
طالب: هنا عبارةٌ أشكلتْ عليَّ في كتاب "السُّنة".
الشيخ: نعم.
الطالب: قال عبدالله ابن الإمام أحمد: حدثني عباس العَنْبَرِي قال: حدثني شاد بن يحيى قال: سمعتُ يزيد بن هارون وقيل له: مَن الجهمية؟ فقال: مَن زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقرّ في قلوب العامة فهو جهميٌّ.
الشيخ: يعني: مَن زعم خلاف ما عرفه أهل السُّنة بأن فسَّرها بـ"استولى"، وفسَّرها بأشياء غير ذلك، والذي عليه أهل السُّنة أن "استوى" يعني: علا وارتفع فوق العرش، وأن هذا هو الحقّ الذي لا ريب فيه، ومَن فسَّرها بغير هذا فهو جهميٌّ.
الطالب: يقول: "خلاف ما يقرّ في قلوب العامة"، أحسن الله إليك؟
الشيخ: عامة أهل السُّنة والجماعة .....
س: "دُبُر كل صلاةٍ" نفس الصلاة أو ..؟
ج: الأصل ما كان فيها، دُبُر الشيء، أصل الدُّبر المتصل، دُبر الحيوان مُتَّصلٌ به، فالأصل فيها ما قبل السلام، ويُطلق على ما بعد السلام، يُطلق على ما بعد السلام دُبُرٌ أيضًا، فالدعاء الذي جاء في السُّنة هذا قبل السلام، والذكر الذي جاء بعد الصلاة "دُبُر الصلاة" يعني: بعد السلام؛ لأنه جاء في الروايات الأخرى: بعدما سلَّم، فالأذكار التي جاءتْ في النصوص دُبُر الصلاة، يعني: بعد السلام، والدعاء الذي جاء دُبُر الصلاة، يعني: قبل السلام؛ لأنه محل الدُّعاء.
س: اللهم أَعِنِّي على ذكرك وشُكرك؟
ج: يُقال قبل السلام أفضل؛ لأنه دعاء.
وعن وحشيٍّ أن أناسًا قالوا: يا رسول الله، إنَّا نأكل ولا نشبع. قال: فلعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله تعالى؛ يُبارك لكم فيه رواه أبو داود.
وعن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: مَن أكل أو شرب فقال: الحمد لله الذي أَطْعَمَني هذا الطعام ورَزَقَنِيهِ من غير حولٍ مني ولا قوةٍ، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
وعن أبي سعيدٍ : أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا من المسلمين رواه أبو داود والترمذي.
وذكر النَّسائي عن رجلٍ خدم النبيَّ ﷺ أنه كان يسمع النبيَّ ﷺ إذا قُرِّبَ إليه طعامه يقول: بسم الله، وإذا فرغ من طعامه قال: اللهم أطعمتَ وسقيتَ، وأَغْنَيْتَ وأَقْنَيْتَ، وهديتَ وأحييتَ، فلك الحمد على ما أعطيتَ.
وفي "صحيح البخاري" عن أبي أُمامة : أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، غير مَكْفِيٍّ، ولا مُودَّعٍ، ولا مُسْتَغْنًى عنه ربنا.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيها الحثُّ على حمد الله وشكره بعد الفراغ من الطعام، والله جلَّ وعلا أنعم على عباده بنعمٍ كثيرةٍ، وشرع لهم الشكر والحمد والثناء، فينبغي للمؤمن أن يكون شكورًا، كثير الحمد لربه على ما أعطى من النعم: نعمة الإسلام، نعمة الصحة، نعمة الأرزاق، الغداء، والعشاء، والملابس، والسكن، إلى غير ذلك.
كان النبي ﷺ إذا فرغ من طعامه يقول: الحمد لله حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، غير مَكْفِيٍّ، ولا مَكْفُورٍ، ولا مُودَّعٍ، ولا مُسْتَغْنًى عنه ربنا.
هذا من أفضل الحمد بعد الطعام: الحمد لله حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، غير مَكْفِيٍّ، ولا مَكْفُورٍ، ولا مُودَّعٍ، ولا مُسْتَغْنًى عنه ربنا، الحمد لله الذي أطعمني هذا ورَزَقَنِيهِ من غير حولٍ مني ولا قوةٍ، الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، الحمد لله الذي أطعم وسقى وسَوَّغَ، وجعل له مَخْرَجًا.
وكان عند المبيت يقول: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مُؤْوِي.
المهم أن المشروع للمؤمن عند فراغه من الأكل أن يحمد ربه، وهكذا عند الشراب يحمد ربه، يقول ﷺ: إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشَّرْبَة فيحمده عليها رواه مسلمٌ.
فربنا يرضى عنك أن تحمده، وأن تشكره على ما مَنَّ به من طعامٍ وشرابٍ، سواء كان ليلًا أو نهارًا، قليلًا أو كثيرًا، تحمده سبحانه، فهو المُنْعِم، وهو المُحْسِن جلَّ وعلا، تُسمِّي الله عند ابتداء الطعام، وتحمده عند النهاية.
وتقدم حديث عمر بن أبي سلمة قال له ﷺ: يا غلام، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك.
وكان إذا أكل طعامًا بدأ بالبسملة، وانتهى بالحمدلة عليه الصلاة والسلام.
فالمؤمن يتأسَّى به ﷺ في أقواله وأعماله، وفي شرابه، وفي طعامه، وفي لباسه، وفي كل شيءٍ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، اللهم صلِّ عليه وسلم.
وفَّق الله الجميع.
س: الله يُحسن عملك، إذا كان الأكل أصنافًا متنوعةً على المائدة، هل له أن يأكل مما أمام غيره؟
ج: يأكل مما يليه إن كان صنفًا واحدًا، أما إن كانت أنواع فله أن يتناول من الأنواع الأخرى.
س: أحسن الله إليكم، هذا سؤالٌ، يقول السائل: البعض يُجاهر بفطره في رمضان وهو على سفرٍ، وقد تحدث فتنةٌ من فعله هذا، ويحتجّ بحديث النبي ﷺ عندما دعا بقدحٍ من ماءٍ فرفعه حتى نظر الناس إليه فشربه، فهل فعل النبي ﷺ للتَّشريع أم سُنة؟
أفيدونا، جزاكم الله خيرًا.
ج: إذا دعت الحاجة للإفطار عند الناس يُفطر عند الناس، النبي ﷺ حين رفع يريد أن يُفْطِر، ويأمرهم بأن يُفْطِروا؛ لأنهم مُقبلون على العدو للجهاد، وهذا في طريقهم إلى مكة يوم الفتح، والصائم بين الناس -إن كان بينهم صُوَّام- لا يُفطر إلا إذا كانوا يعرفون أنه مُسافرٌ؛ حتى لا يتَّهمونه، ولا يُسيئون به الظنَّ، فإذا كان بين جماعةٍ مُسافرين وأفطر وهو صائمٌ فلا بأس، يعرفونه، أو بين ناسٍ يعرفون أنه صائمٌ وأنه مُسافرٌ وأفطر عندهم ويعرفونه؛ حتى لا يتَّهمونه، لا بأس، أما بين ناسٍ لا يعرفونه ويأكل عندهم يُمْنَع، المسافر يُمْنَع أن يأكل بين الناس الذين لا يعرفون حاله؛ لأن هذا معناه التَّساهل والجُرْأَة على الأكل في نهار الصيام، كما يُمْنَع الكافر أن يأكل بين الناس وهم صيامٌ، إذا كان بين المسلمين يُمْنَع، إذا أراد أن يأكل يأكل داخل بيته، لا يأكل بين الصُّوَّام، يُشجع الناس على مُخالفة أمر الله جلَّ وعلا، أما إذا كان المسافر بين أناسٍ يعرفونه وأكل بينهم فلا بأس.
س: جزاكم الله خيرًا، هذا سؤالٌ آخر، يقول أحد الطلبة: سماحة الشيخ، أحضر من مكانٍ بعيدٍ لمتابعة دروس سماحتكم، ولظروفٍ اقتصاديةٍ صعبةٍ اضطر لاستخدام سيارةٍ خاصةٍ، وفي غالب الأمر أجد صاحب السيارة مُدَخِّنًا ويستمع الأغاني الخليعة، وأشعر بالعجز عن النَّهي عن المنكر للظروف السابقة، وإذا نهيتُه عن ذلك لم أجد استجابةً، وربما أنزل في نصف الطريق، فهل عليَّ شيءٌ إذا التزمتُ الصبر حتى الوصول، مع الاستغفار وقراءة القرآن في السر أثناء تشغيل هذه الأغاني في السيارة؟
ج: لا حرج -إن شاء الله- لا حرج -إن شاء الله- راكب السيارة إن تيسر له تركها -فالحمد لله- يتركها، وإن ما تيسر واضطر إليها يكفي الإنكار حتى يُفرج الله الأمر، حتى يصل إلى محلٍّ يستغني عنه إذا بُلِيَ به، لكن لا يدع الإنكار، يقول: اتَّقِ الله يا فلان، هذا لا يجوز، هذا حرامٌ عليك، فيه مضرةٌ عليك، فيه كذا، يُبين له الأضرار، أما إذا تيسرت فرصةٌ ينتقل ويتركه، وإذا عرف أنه مُدَخِّنٌ، وأنه لا يستحيي؛ يبحث عن سيارةٍ أخرى، لكن إذا بُلِيَ به ولم يعلم يُنْكِر عليه والحمد لله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].
س: عند الأكل في نهار رمضان –مثلًا- بعض البلدان توجد فيها أحكامٌ غير إسلاميةٍ، وهناك توجد أيضًا مطاعم تكون مفتوحةً في نهار رمضان، في مثل هذه الحالة إذا كان الإنسان وجد فرصةً أو له سلطةٌ، هل بإمكانه أن يأمر بإقفال هذه المطاعم؟
ج: إذا كانوا في بلادٍ إسلاميةٍ يجب عليهم إقفالها؛ حتى لا يتساهل الفُسَّاق بإظهار فسقهم، أما إذا كان ما له قُدرة ..
س: ولو وُجِدَ فيها -مثلًا- عددٌ من المسيحيين؟
ج: ولو، ولو، المسيحيون يأكلون في بيوتهم، غير المسلم يُقال له: كُلْ في بيتك.
س: الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ: الحمد لله الذي أذاقني لذَّته؟
ج: ضعيفٌ، لكن لو قاله الإنسان على غير ..... ما في بأس: الحمد لله الذي أذاقني لذَّته، وأبقى فيَّ منفعته، وأخرج عني أذاه، المعروف أنه ضعيفٌ، لكن لو قاله من باب أنه ..... ما يضرّ.
الإنسان مشروعٌ له الحمد مطلقًا بأنواع الحمد بعد الأكل وبعد الشُّرب، ما هو بشرط: أن يكون مرويًّا، يحمد الله ولو بألفاظٍ ما رُوِيَتْ، من باب الدعاء، ومن باب الثناء على الله.
الفصل الحادي والأربعون في ذكر الضيف إذا نزل بقومٍ
عن عبدالله بن بُسْرٍ قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي، فَقَرَّبْنَا إليه طعامًا وَوَطْبَةً فأكل منها، ثم أُتِيَ بتمرٍ، فكان يأكله ويُلْقِي النَّوى بين أصبعيه، ويجمع السَّبابة والوسطى.
قال شعبة: هو ظنِّي، وهو فيه -إن شاء الله- إلقاء النَّوى بين الإصبعين.
ثم أُتِيَ بشرابٍ فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه.
قال: فقال أبي -وأخذ بِلِجَام دابَّته-: ادعُ الله لنا. فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم رواه مسلمٌ.
وعن أنسٍ : أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عُبادة، فجاء بخبزٍ وزيتٍ فأكل، ثم قال النبي ﷺ: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصَلَّتْ عليكم الملائكة رواه أبو داود.
وعن جابرٍ قال: صنع أبو الهيثم بن التَّيِّهان للنبي ﷺ طعامًا، فدعا النبيَّ ﷺ وأصحابه، فلما فرغوا قال: أَثِيبُوا أخاكم، قالوا: يا رسول الله، وما إثابته؟ قال: إن الرجل إذا دُخِلَ بيتُه فَأُكِلَ طعامه وشرابه فادعوا له، فذلك إثابته رواه أبو داود.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث تدل على أنه ينبغي للضيف أن يدعو للمُضَيِّف بما يُناسب من الدعوات الطيبة؛ لقوله ﷺ: مَن صنع إليكم معروفًا فكافؤوه، فإن لم تجدوا ما تُكافؤونه فادعوا له حتى تَرَوا أنكم قد كافأتُموه.
فالدعاء من المُكافأة، ولا سيما في المقامات التي ليس فيها إلا الدعاء: كأكل الطعام عند المُضَيِّف.
وفيه عدم التَّكلف، وأن المَزُور لا يتكلف، بل يصنع ما جرتْ به العادة، ويُقدم ما تيسر من الطعام، كما قدَّم أبو عبدالله بن بُسْرٍ ما تيسر له من التمر وما ذُكِرَ معه، ففيه عدم التَّكلف، وأن السُّنة لمَن قُدِّمَ له الطعام أن يقول بعد ذلك: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم"، هذا من إثابتهم: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم".
وهكذا لما استضاف عليه الصلاة والسلام سعدُ بن عبادة، وأكل عندهم ما قدَّموا له، قال: أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصَلَّتْ عليكم الملائكة، وإذا دعا بغير ذلك من الدعوات فهذا من إثابة المُضَيِّف أنه يُدْعَى له، كما في الحديث الثالث: أن من حقِّ المؤمن على إخوانه إذا استضافهم وأكرمهم الدعاء له، فيدعون بما تيسر، ومن أحسن الدعاء ما دعا به النبي ﷺ: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم، أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصَلَّتْ عليكم الملائكة.
ومن هذا: كثَّر الله خيركم، أثابكم الله، أنعم الله عليكم، زادكم الله من فضله. دعوات مناسبة تُناسب المقام من باب المُكافأة على إكرامه والضيافة.
والمُضيِّف لا يتكلف، حسب التيسير، وما جرتْ به العادة من غير تكلفٍ؛ لأن التَّكلف يُنَفِّر من الزيارات، ويُنَفِّر من تقارب الإخوان، فإذا كان من دون تكلفٍ زار بعضهم بعضًا، واتَّصل بعضهم ببعضٍ، فيُقدم ما تيسر من تمرٍ أو طعامٍ آخر أو لبنٍ، أو غير ذلك مما يتيسر.
وفَّق الله الجميع.
س: مَن نزل بقومٍ ولم يُضَيِّفوه، هل يطلب منهم ضيافةً؟
ج: له أن يُطالبهم مثلما جاء في الحديث، له أن يُطالبهم بالضيافة، وإذا سمح كان من مكارم الأخلاق، ولما نزل قومٌ عند جماعةٍ من الأعراب ولم يُضيفوهم ولُدِغَ سيدهم طلبوا منهم أن يقرؤوا على السيد، فقالوا: إنكم لم تُضيفونا، فلا بد من أجرةٍ. فاتَّفقوا معهم على قطيعٍ من الغنم، فقرؤوا على الملدوغ، فعافاه الله، وأعطاهم الأجرة على القطيع من الغنم.
س: لكن -أحسن الله عملك- لو طالبهم يُطالبهم بثلاثة أيامٍ؟
ج: الواجب يومٌ وليلةٌ، والثانية والثالثة مُستحبةٌ الضيافة، فالواجب يومٌ وليلةٌ، غداؤه وعشاؤه، وإذا سمح فهو من مكارم الأخلاق، إذا سمح وعفا فمن مكارم الأخلاق.
س: هل يُفَرَّق في الوجوب بين أهل القُرى والمدن؟
ج: ما أعرف دليلًا، ما في دليل.
س: أحسن الله إليك، الدعاء: "أفطر عندكم الصائمون، وصَلَّتْ عليكم الملائكة"، هل هو من خصائص شهر رمضان أو ..؟
ج: عامّ، عامّ.
س: هل يُقال: إن الصحابة يدخلون في السبعين الذين وردوا في الحديث أم أنهم أرفع منزلةً من هؤلاء؟
ج: الصحابة هم خير الناس، الصحابة هم خير الناس وأفضل الناس بعد الأنبياء: خير أُمتي قرني، خير الناس قرني مثلما قال ﷺ: لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفه، هم أفضل الناس.
س: أحسن الله إليك، لو كانوا عوامّ وقال لهم: أنعم الله عليكم، وزادكم الله من فضله، لو قال لهم: أفطر عندكم الصائمون ..؟
ج: كله طيبٌ، يُعلمهم السُّنة، يُعلمهم السُّنة.
س: الدعاء بعد الإطعام سُنة؟
ج: سُنة.
س: بعضهم يزيد: وذكركم الله فيمَن عنده؟
ج: هذه وردتْ في الذين يجتمعون على القرآن وعلى الذكر: نزلتْ عليهم السَّكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمَن عنده، المُجتمعون على القرآن وعلى الذكر.
أما في مسألة الطعام ما أعرف أنه ورد شيءٌ من الروايات، أقول: ما أعرف، ولو قالها ما يضرّ، دعاءٌ طيبٌ، لكن ما ورد في الحديث فيما أعلم.
س: الله يجزيكم الجنة يا شيخ، إلقاء النَّوى من النبي ﷺ هل هذا سُنة؟ إلقاء النَّوى بين السَّبابة والوسطى.
ج: إذا تيسر حسنٌ، أقول: إذا تيسر حسنٌ.
س: لكن هل يُقال: إنه من السُّنة؟
ج: إذا تيسر، الله أعلم.