الفصل الخامس عشر: في ذكر الصلاة على النبي ﷺ
في الصحيحين عن كعب بن عُجْرَة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نُسلم عليك، فكيف نُصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي حُميدٍ السَّاعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نُصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى أزواجه وذُريته، كما صليتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى أزواجه وذُريته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعدٍ: أمرنا الله أن نُصلي عليك يا رسول الله، كيف نُصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله.
ثم قال رسول الله ﷺ: قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيدٌ، والسلام كما قد علمتم.
وذكر ابن ماجه في "سننه" عن عبدالله بن مسعودٍ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنَّكم لا تدرون لعل ذلك يُعْرَض عليه. قال: فقالوا له: فعلِّمنا. قال: قولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النَّبيين محمدٍ عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يَغْبِطُه به الأولون والآخرون.
اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم بارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث التي تتعلق بالصلاة على النبي ﷺ قد تقدم ذكرها في "رياض الصالحين" أيضًا، والنبي ﷺ علَّمها الأُمَّة لما سألوه: كيف يصلون عليه؟ علَّمهم؛ لأن الله جلَّ وعلا قال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، اللهم صلِّ عليه.
فسأله الصحابة: كيف الصلاة عليك؟ فذكر لهم أنواعًا إذا أتى الإنسان بواحدٍ منها فقد فعل المطلوب، وفسَّرها لهم تارةً بقوله: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
وفي حديثٍ آخر -حديث أبي حُميدٍ- فسَّرها لهم بقوله: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى أزواجه وذُريته، كما صليتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى أزواجه وذُريته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
والأزواج والذُّرية من الآل، فقوله في الحديث الأول: آل محمدٍ هم أزواجه وذُريته وأتباعه، فلا مُنافاة بين الحديثين، فآله هم أتباعه على دينه، ومنهم أزواجه، ومنهم ذُريته المتبعون له.
وفي حديث أبي مسعودٍ فسَّرها بقوله: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيدٌ.
فالمؤمن يُصلي عليه بنوعٍ من هذه الصلوات: تارةً كذا، وتارةً كذا، وتارةً كذا، حسبما صحَّ عنه عليه الصلاة والسلام.
والآل هم الأتباع، قال تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] يعني: أتباع فرعون، فآل النبي ﷺ هم أتباعه على دينه، ومنهم زوجاته، ومنهم ذُريته هم من الأتباع، زوجاته هم من آله، وذُريته من آله، وهكذا جميع أتباعه كلهم من آله.
الله يجعلنا وإياكم من أتباعه بإحسانٍ.
س: أحسن الله إليك، مَن أتى بالصلاة من عنده دون ..... جائز، أحسن الله إليك؟
ج: ما فيه إشكال، هذا الأفضل، الذي بَيَّنه النبيُّ ﷺ هو الأفضل، أما ..... اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، اللهم صلِّ على رسول الله، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، مُختصرٌ لا بأس، لكن الكمال لفظه عليه الصلاة والسلام.
س: أحسن الله إليك، تجب الصلاة على النبي ﷺ في التَّشهد الأخير؟
ج: فيه خلافٌ بين أهل العلم، لكن هذا هو الأحوط، منهم مَن يراها واجبةً، ومنهم مَن يراها سُنةً فقط، ومنهم مَن يراها ركنًا، فالمؤمن يحتاط ويأتي بها في التَّشهد الأخير، وإذا أتى بها في التَّشهد الأول أيضًا أفضل؛ لعموم الأحاديث، إذا أتى بها في التَّشهد الأول، وأتى بها في التَّشهد الأخير كان هذا هو الأكمل، ولكنه في الأخير آكد؛ لأنه محل الدعاء.
س: أحسن الله إليك، تحريك الإصبع؟
ج: عند الدعاء، جاء في أحاديث: "كان يُحَرِّكها عند الدعاء"، عند: "اللهم صلِّ"، وعند: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم"، وعند: "اللهم بارك"، عند الدعاء، وفي الباقي تكون واقفةً في التَّشهد؛ إشارةً للوحدانية.
س: أحسن الله إليك، يجب لمَن سمع مَن قال: "ﷺ" يجب عليه أن يقول: "اللهم صلِّ وسلم عليه" أو يُستحب؟
ج: ينبغي أن يأتي به؛ لأن ظاهر الأحاديث وجوب ذلك؛ لقوله ﷺ: رغم أنف امرئٍ ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عليَّ، "رغم أنف" هذا دعاءٌ عليه أن الله يُرْغِم أنفه، فهذا يظهر منه الوجوب، وأنه متى ذُكِرَ عندك تُصلي عليه عليه الصلاة والسلام، متى سمعتَ ذِكْرَه في خطبةٍ أو في مجلسٍ أو في التَّحادث بينكم تُصلي عليه، عليه الصلاة والسلام.
س: هل يُسبب ذلك انشراح الصدر -أحسن الله إليك- الصلاة على النبي ﷺ؟
ج: كل الذكر من أسباب ذلك، كل ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ كلها من أسباب صلاح القلب، وانشراح الصدر.
س: وصف الصلاة؟
ج: مثلما سمعتَ.
س: حديث: مَن صلى عليَّ حين يُصبح وحين يُمسي عشرًا أدركته شفاعتي؟
ج: ما راجعتُ سنده، لم أُراجع سنده، لكن ينبغي للمؤمن أن يُكثر من الصلاة عليه، يُكثر.
الطالب: سنده معي.
الشيخ: نعم.
الطالب: أقرأه؟
الشيخ: إيه.
الطالب: قال ابن القيم رحمه الله في "جلاء الأفهام": قال الطبراني في "المعجم الكبير": حدثنا محمد بن علي بن حبيب الطَّرائفي قال: حدثنا محمد بن علي بن ميمون قال: حدثنا سليمان بن عبدالله الرّقي قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن إبراهيم بن محمد بن زياد قال: سمعتُ خالد بن معدان يُحدث عن أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله ﷺ: مَن صلَّى عليَّ حين يُصبح عشرًا وحين يُمسي عشرًا أدركته شفاعتي.
عليه حاشيةٌ: بقية مُدلس، وقد عنعن، وقال السّخاوي: رواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيدٌ، لكن فيه انقطاعٌ؛ لأن خالدًا لم يسمع من أبي الدَّرداء.
وذكر ابن القيم -عفا الله عنك- له سندًا آخر في ..
الشيخ: هذا السند الذي ذكره هنا ضعيفٌ لأجل بقية.
الطالب: قال الطبراني: حدثنا حفص بن عمر الصَّبَّاح قال: حدثنا يزيد بن عبد ربه الجرجسي قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن زياد الأَلْهَاني قال: سمعتُ خالد بن معدان يُحدث عن أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله ﷺ: مَن صلى عليَّ حين يُصبح عشرًا وحين يُمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة.
الشيخ: هذا فيه تصريح بقية بالسماع، لكن يبقى سماع خالد بن معدان من أبي الدَّرداء، يقول: "يُحدث"، ما قال: حدثني، يقول: "يُحدث".
على كل حالٍ، يُستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، ما هو بعشرٍ، يُستحب الإكثار منها مئات؛ لأن الإكثار منها عملٌ صالحٌ.
س: ..... أذكار الصباح والمساء؟
ج: لا، يحتاج إلى سندٍ صحيحٍ، أقول: يحتاج إلى سندٍ صحيحٍ، لكن ينبغي الإكثار منها.
س: مَن حسَّنه على الطريقين، عفا الله عنك؟
ج: ما هو بظاهرٍ؛ لأن مداره على بقية، أقول: مداره على بقية أو على خالد.
س: زيادة: سيدنا؟
ج: ما في بأس.
س: ما في بأس؟
ج: نعم.
س: حتى داخل الصلاة، أحسن الله إليك؟
ج: نعم، لكن السُّنة عدمها؛ لأنها ما علَّمها النبي ﷺ لأصحابه، قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، هكذا علَّمهم عليه الصلاة والسلام.
س: أحسن الله إليك، أحيانًا تكون مجموعةٌ جالسين وكذا، يقول بينهم واحدٌ –مثلًا-: صلوا على النبي. فيقولون: "اللهم صلِّ وسلم عليه" بصوتٍ واحدٍ، هل فيه شيءٌ، أحسن الله إليك؟
ج: إذا ذكَّرهم وصلوا على النبي ﷺ بغير قصد الجماعية ما في شيء؛ لأنهم إذا صوَّتوا ما هو المقصود هذا، المقصود أنه ذكَّرهم فيُصلون على النبي ﷺ، ما في شيء.
س: وإذا كان الخطيب في كل مرةٍ يُرددها؟ إذا كان أحدٌ يخطب الناس، أو خطيب الجمعة، فكل مرةٍ يقول: صلوا على النبي، أو صلوا على محمدٍ، كل مرةٍ، يعني: تارةً وتارةً؟
ج: هذا من باب التعليم مثلما في الخطبة، قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ؛ لأن الله أمرهم بهذا، يُذكرهم أن الله أمرهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، الله أمر المؤمنين أن يُصلوا عليه، فإذا ذكَّرهم بهذا فهو طيبٌ، من باب التعاون على البرِّ والتقوى، مثلما يُذكرهم يقول: اذكروا الله، سبِّحوا الله، هللوا الله، اتَّقوا الله.
س: بعض الخطباء -أحسن الله إليكم يا شيخ- في خطبته خمس مراتٍ أو كذا يقول لهم: صلوا على النبي، يلفت انتباههم يا شيخ، مرات كثيرة في الخطبة الواحدة يا شيخ؟
ج: ما أعلم فيه شيئًا، أقول: ما أعلم فيه شيئًا، إذا أمرهم بالصلاة على النبي ﷺ ما أعلم فيه شيئًا، أو أمرهم بذكر الله، أو أمرهم بالتقوى وكرر ما نعلم فيه شيئًا.
س: الدعاء بين الأذان والإقامة، كل مَن سمع الأذان أو الوقت يعني؟
ج: الإقامة هي الأذان، مَن سمعها يُجيبه؛ لأن هذا من هذا.
س: لكن الدعاء المُستجاب الوقت يكون ..؟
ج: بين الأذان والإقامة.
س: لمن سمع النِّداء؟
ج: لمن سمع النِّداء، مَن سمعه يُجيبه ثم يدعو.
س: وأول الوقت .....؟
ج: لا، لا، لمَن سمع النِّداء، ما هو بالوقت، يُجيب المؤذن ثم يدعو.
س: أحسن الله إليك، لو سمع بالراديو الأذان؟
ج: إذا كان وقت الأذان ما يُخالف، إذا كان وقت الأذان، أما هذا الذي يُكرر في الضُّحى وفي الليل لا.
س: ما حكم سُترة المصلي، أحسن الله إليك؟
ج: سُنة، سنةٌ مُؤكدةٌ للإمام والمنفرد.
س: لكن إذا صلَّى في آخر المسجد، وكان الناس يمرون، فهل يقطعون صلاته؟
ج: لا، ما يقطعون صلاته، يأثمون، إذا كانوا رجالًا ما يقطعون، يأثمون إذا قطعوا، وينبغي له السُّترة، وإذا كانوا بعيدين أكثر من ثلاثة أذرعٍ ...
الفصل السادس عشر في ذكر الاستخارة
في "صحيح البخاري" عن جابرٍ قال: كان رسول الله ﷺ يُعلمنا الاستخارة في الأمر كما يُعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم لِيَقُل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأَسْتَقْدِرك بقُدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب.
اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر -ويُسمِّي حاجته- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فَاقْدُرْهُ لي، ويَسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، وَاقْدُر لي الخير حيث كان، ثم أَرْضِنِي به.
وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث سعد بن أبي وقاص ، عن النبي ﷺ أنه قال: من سعادة ابن آدم: استخارة الله، ومن سعادة ابن آدم: رضاه بما قضى الله، ومن شقوة ابن آدم: تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم: سخطه بما قضى الله.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ما ندم مَن استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتَثَبَّت في أمره.
وقد قال : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159].
وقال قتادة: ما تشاور قومٌ يبتغون وجه الله إلا هُدُوا إلى أرشد أمرهم.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذان الحديثان -حديث جابر وحديث سعد- فيما يتعلق بالاستخارة.
الاستخارة قُربةٌ وسُنةٌ في الأمور التي يشتبه على المسلم أمرها، ولا يطمئن إلى فعلها، فإنه يستخير، أما الأمور التي يعلم أنها صوابٌ، وأنها حقٌّ؛ فلا حاجة إلى الاستخارة، فلا يستخير: هل يصلي؟ أو هل يُزَكِّي؟ أو هل يصوم رمضان أو يحجّ؟ لا، هذه أمورٌ معلومةٌ، ليس فيها إلا إذا استخار في طريق الحجِّ: هل يسلك الطريق الفلاني، أو الطريق الفلاني؟ أو يحجّ هذا العام؛ لأن هناك خوفًا، هل يحجّ هذا العام أو ما يحجّ؟ إذا صارت لها أسبابٌ لا بأس.
المقصود أن الاستخارة في الأمر الذي يكون فيه اشتباهٌ فيستخير، أما الشيء الذي يعلم أنه صوابٌ، وأنه حقٌّ، وأنه ليس فيه اشتباهٌ؛ فإنه يُقْدِم عليه، ولا يحتاج إلى استخارةٍ.
وقوله ﷺ: إذا همَّ أحدكم بالأمر يعني: الأمر الذي قد أشكل عليه في غايته، أو الطريق إليه، أو نحو ذلك، فليركع ركعتين يعني: نافلة، ثم بعد صلاة الركعتين يدعو، يرفع يديه ويقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأَسْتَقْدِرُك بقُدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علَّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويُسميه باسمه، يعني: زواجي بفلانةٍ، أو سفري إلى البلد الفلانية، أو شرائي من المحل الفلاني، أو ما أشبه ذلك، خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فَاقْدُرْهُ لي، ويسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنتَ تعلم أن هذا الأمر –ويُسمِّيه- شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، وَاقْدُرْ لي الخير حيث كان، ثم أَرْضِني به، هكذا يقول المُستخير.
وإذا كان ما يفهم هذه الأشياء يتكلم بالكلمات التي يُحْسِنها، يقول: "اللهم إن كان هذا الأمر فيه خيرٌ لي يَسِّره لي، وإن كان فيه شرٌّ فاصرفه عني"، يأتي بالكلمات التي يفهمها، يعقلها، لكن إذا حفظ كلام النبي ﷺ يكون أفضل، حين يستخير بالألفاظ التي قالها النبي ﷺ يكون هذا أكمل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأَسْتَقْدِرُكَ بقُدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علَّام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر ويُسميه، مثل: زواجي بفلانة بنت فلان، ومثل: سفري إلى البلد الفلاني، ومثل: شرائي المزرعة الفلانية، أو الدار الفلانية، أو صُحْبَتي لآل فلانٍ، أو ما أشبه ذلك خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فَاقْدُرْهُ لي، ثم بارك لي فيه، وفي اللفظ الآخر: فَيَسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنتَ تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، وقدِّر لي الخير حيث كان، ثم أَرْضِني به.
وفي حديث سعدٍ: من سعادة العبد: استخارته الله، ورضاه بما قسمه الله، ومن شقاوته: عدم استخارته، وعدم رضاه بما قسمه الله له.
وتُستحب المشاورة، إذا استخار يُشاور أصحابه وأحبابه الذين يثق بهم؛ حتى يطمئن قلبه، والله يقول: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]، ويقول لنبيه ﷺ: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159]، فمن توفيق الله للعبد أن يستخير ويُشاور أهل الخير وأهل الصدق والصفاء والمحبة، هذا من أسباب التوفيق، فالعبد إذا استخار الله وشاور إخوانه الخواص المُحبين فهذا من علامات التوفيق.
وفَّق الله الجميع.
س: كيف يعرف أن الله اختار له هذا الأمر؟
ج: بانشراح الصدر، يعرف بانشراح صدره إلى أحد الأمرين.
س: وإن لم يكن؟
ج: يُعيد الاستخارة والتَّشاور حتى ينشرح صدره لأحد الأمرين.
س: الله يُحْسِن عملك، صلاة الاستخارة تكون من ذوات الأسباب؟
ج: في الغالب ما هي من ذوات الأسباب؛ لأن وقتها واسعٌ، يستطيع أن يفعلها في الضُّحى، وفي الظهر، وفي الليل، ما هو بمُضطرٍّ إلى وقت النَّهي.
س: تُفْعَل في وقت النَّهي؟
ج: لا، الأولى في غير وقت النَّهي؛ لأنها ما هي بضرورةٍ في وقت النَّهي، الوقت واسعٌ.
س: أحسن الله إليك، يُصلي صلاة الاستخارة صلاةً خاصةً أو ..؟
ج: ركعتان، خاصة، يصلي ركعتين بنية الاستخارة، ثم بعد السلام يرفع يديه ويدعو.
س: أحسن الله إليك، رواية: عاجل أمري وآجله؟
ج: في الروايات الأخرى كلها واحدٌ.
س: .......؟
ج: لا، لا، تكفي أحدهما: خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وفي الرواية الأخرى: أو قال: في عاجل أمري وآجله، لكن في ديني ومعاشي وعاقبة أمري تكفي.
س: أحسن الله إليك، إذا تردد بين أمرين كلاهما حقٌّ: كحجٍّ وفضلٍ آخر من الأعمال الصالحة؟
ج: يستخير، وإذا أراد شيئًا ماشٍ وإلا فكلها طيبٌ.
س: تكون الاستشارة لعددٍ معينٍ من الناس؟
ج: ما هو بلازمٍ، واحدٌ أو أكثر، الذي يتيسر.
س: .......؟
ج: عدم الطُّمأنينة، يعني: عدم الطُّمأنينة إلى هذا الأمر.
س: بالنسبة لإعادة الاستخارة، هل يلزم أنها في يومٍ واحدٍ أو يومٍ بعد يومٍ؟
ج: ما هو بلازمٍ، متى شاء.
س: يجوز أنه يستخير فترةً طويلةً، يعني: مدة أسبوعٍ مثلًا؟
ج: حتى ينشرح صدره.
س: إذا كان -مثلًا- قد خطط أنه يُسافر، يستخير حتى يُسافر؟
ج: حتى ينشرح صدره للسفر أو عدمه.
س: يجوز أن يدعو بدعاء الاستخارة -مثلًا- بعد السنن الرواتب؟
ج: في أي وقتٍ، لا بأس، لكن كونه يخصّها بصلاةٍ أفضل.
س: الذي ما يحفظ الصيغة يمكن أن يأتي بأي صيغةٍ؟
ج: يأتي بالمعنى ويكفي.
س: الاستخارة أولًا قبل الاستشارة، أو يستشير ثم يستخير؟
ج: يستشير بعد الاستخارة.
س: الدعاء بعد التَّسليم يا شيخ؟
ج: بعد التَّسليم، نعم، إذا صلَّى ركعتين.
س: الذي يستخير في دُبُر الصلوات؟
ج: لا، السُّنة يقول: فليركع ركعتين .. ثم، النبي ﷺ جعل الدعاء بعد الصلاة.
س: الله يُحسن عملك، هل يستخير في أمرين باستخارةٍ واحدةٍ لو كان عنده أمران؟
ج: لا، يُبيِّن: اللهم إن هذا الأمر وهذا الأمر .....
س: كل أمرٍ؟
ج: كل أمرٍ، ما في بأس، إن جمعهما، وإن أفردهما، الأمر واسعٌ.
س: اللهم خِرْ لي، واختر لي، هذا حديث؟
ج: ما أُخبر بشيءٍ.
س: أحسن الله إليك، مثلًا: إذا تشاور مجموعةٌ مع بعضٍ في أمرٍ؟
ج: إذا انشرح صدره يمشي، شاور أنه يُسافر، أو يتزوج في مكة، أو في المدينة، أو يشتري دارًا في مكة أو في المدينة أو في الرياض، أو يشتري سيارةً ..... عنده فيها طمأنينة.
س: الله يُحسن عملك، العقيقة هل ورد في كيفية توزيعها وقسمتها شيءٌ معينٌ؟
ج: ما نعلم فيها شيئًا، افعل ما تيسر، يأكل ويُطْعِم ويتصدق، أو يجمع عليها مَن أحبَّ، ما فيها شيءٌ محدودٌ.
س: ما يُثَلِّثُها، الله يُحسن عملك؟
ج: ما فيها شيءٌ محدودٌ، وبعض أهل العلم قال: إنها تُقاس على الضحية، يُثَلِّثها، ولكن ما عليه دليلٌ.
س: يعني: لو طبخها كلها لا بأس؟
ج: لو طبخها كلها وأكلها هو وأهل بيته أو جيرانه أو أحبابه ما في شيء، ما دام الرسول ﷺ أطلق فالحمد لله.
س: أحسن الله إليك، إذا كان الأمر جماعيًّا، مجموعةٌ ستقوم بأمرٍ، هل يستخير أحدهم أم يستخير كل أحدٍ؟
ج: كل واحدٍ يستخير هل يدخل في هذه الجماعة أو ما يدخل في الجماعة؟ هل يكون من ضمنها أم لا؟ إذا كانت عنده أشياء، أو إذا كان ما هو بمطمئنٍّ.
الفصل السابع عشر في أذكار الكَرْب والغَمِّ والحزن والهَمِّ
في الصحيحين عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السماوات، وربّ الأرض، ربّ العرش الكريم.
وفي الترمذي عن أنسٍ : أن النبي ﷺ كان إذا حَزَبَه أمرٌ قال: يا حيّ، يا قيوم، برحمتك أستغيث.
وفيه أيضًا عن أبي هريرة : أن النبي ﷺ كان إذا أَهَمَّه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حيّ، يا قيوم.
وفي "سنن أبي داود" عن أبي بكرة : أن رسول الله ﷺ قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفة عينٍ، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
وفي السنن أيضًا عن أسماء بنت عُمَيسٍ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: ألا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقولينهنَّ عند الكرب -أو في الكرب-: الله، الله، ربي، لا أُشرك به شيئًا.
وفي روايةٍ: أنها تُقال سبع مراتٍ.
وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاصٍ قال: قال رسول الله ﷺ: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قط إلا استجاب الله له.
وفي روايةٍ: إني لأعلم كلمةً لا يقولها مكروبٌ إلا فرَّج الله عنه، كلمة أخي يونس عليه السلام.
وفي "مسند الإمام أحمد" و"صحيح ابن حبان" عن عبدالله بن مسعودٍ ، عن النبي ﷺ قال: ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث العديدة كلها تدل على فضل الذكر واللَّجَئِ إلى الله عند الشَّدائد، وأنه سبحانه مُفرج الكُرُبات، مُيَسِّر الأمور.
فالواجب على المؤمن أن يفزع إليه سبحانه عند كل كُرْبَةٍ: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50]، الفرار إليه، والملجأ إليه في كل شيءٍ: عند الشدائد، عند الحروب، عند المرض، عند الهَمِّ والحزن، عند المصائب، في كل شيءٍ المشروع الفرار إلى الله باللَّجَئِ إلى ذكره واستغفاره ودعائه .
ومن ذلك دعاء المكروب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السماوات، وربّ الأرض، ربّ العرش الكريم، هذا دعاء الكرب، يَلْهَج به المؤمن ويدعو ربه.
وهذا من أثبت الأحاديث كما جاء في الصحيحين: كان يقول عليه الصلاة والسلام عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السماوات والأرض، وربّ العرش الكريم.
فالإنسان عند الشدائد والكروب ..... إلى تعظيم الله، وتسبيحه، وتكبيره، ودعائه، والضراعة إليه، ومنها: اللهم رحمتك أرجو، فلا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفة عينٍ، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت، يا حيّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، برحمتك أستغيث، سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربي، لا أُشرك به شيئًا.
وهكذا يجتهد في أنواع الذكر، وأهمّها وأعظمها: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ"، فالله جعل ذكره فرجًا للكروب، وتيسيرًا للأمور.
وهكذا الضراعة إليه ودعاؤه، ولا سيما بدعوة ذي النون، وهو يونس عليه الصلاة والسلام، لما كان في بطن الحوت قال: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، هذه دعوةٌ عظيمةٌ، ما دعا بها مكروبٌ إلا أجاب الله دعوته: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
والإنسان لا ييأس، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي. يدعو بما جاء، ويَلْهَج بالدعوات، ويذكر الله، ويعمل الصالحات، ويرجو فضل ربه، فإن هناك أسبابًا للمنع قد لا يحسّ بها العبد، قد لا يفطن لها من ذنوبه وسيئاته، ومن غير ذلك، فالله سبحانه هو الحكيم العليم.
فلا ينبغي للمؤمن أن يضعف عند الدعاء، أو يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي. بل ينبغي أن يلزم الدعاء والعمل الصالح والذكر، وإن لم يحصل مطلوبه الذي طلب؛ ولهذا جاء في الحديث يقول ﷺ: ما من عبدٍ يدعو الله بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ: إما أن تُعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تُدَّخر له في الآخرة، وإما أن يُصْرَف عنه من الشر مثل ذلك، قالوا: يا رسول الله، إذن نُكثر. قال: الله أكثر.
فالله حكيمٌ، عليمٌ، قد لا يُعجل دعوتك، قد تكون عندك ذنوبٌ ومعاصٍ تمنع الإجابة، الكسب الحرام يمنع الإجابة، وقد يكون دعاؤك فيه إثمٌ، أو فيه قطيعة رحمٍ، وقد يصرف الله عنك ما طلبتَ، ويُعطيك خيرًا منه ، أو يُؤجله لك في الآخرة.
فأنت عليك الجدّ في الدعاء والذكر والعمل الصالح، واعرف أن ربك حكيمٌ، عليمٌ، وأنه جوادٌ، كريمٌ، وأنه له الحكمة البالغة في تعجيل الدعوة، أو إعطائك خيرًا منها، أو تأجيلها إلى وقتٍ آخر.
ومن هذا حديث ابن مسعودٍ في دعاء الكرب أيضًا والهَمّ والحزن: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، هكذا الإنسان يدعو، ويرجو ربَّه الإجابة، ويُكثر من الدعاء في كل شيءٍ.
وكذلك: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
ويقول ﷺ: أحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ويقول ﷺ: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويقول ﷺ لأبي موسى في الصحيح: ألا أدلك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ قلتُ: بلى يا رسول الله. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فالإنسان يُكثر من الدعاء والذكر والاستغفار والعمل الصالح، ولا يقول: هذا ما حصل، أو هذا ما حصل، هو عند ربٍّ كريمٍ، جوادٍ، لا يضيع عليه شيءٌ، لكن له الحكمة البالغة في تعجيل طلبتك أو تأخيرها أو تأجيلها.
س: أحسن الله إليك، الله أكبر دعاء أم .....؟
ج: ذكر، وإلا هو دعاءٌ في المعنى، فالإنسان يذكر الله يطلب الثواب، في المعنى يطلب الثواب.
س: كلمة الله أكثر لما سُئل النبي ﷺ؟
ج: يعني: أكثر جُودًا وكرمًا في كل وقتٍ، في كل وقتٍ تُقال.
س: هل يلزم أن يكون ..؟
ج: في كل وقتٍ ينبغي الإكثار منها.
س: رجلٌ يريد الزواج من امرأةٍ، واشترط مدةً معينةً بعد زواجه بها ثم يُطلقها، والمدة قد تكون ثلاثة شهورٍ أو خمسة شهورٍ، وسبب ذلك: أن هذا الزوج خارج هذه البلاد، وحيث إنه مُبْتَعَثٌ إلى بلدٍ عربيٍّ، ويودّ أن يُحَصِّن نفسه من الوقوع في الحرام، وهو رجلٌ عزبٌ، فَيَودّ الزواج مُؤقتًا، وإذا عاد إلى البلاد طلَّقها، وهذا هو الشرط المتفق عليه بينهما، فما الحكم في ذلك؟
جزاكم الله خيرًا.
ج: هذا نكاح المتعة، ما يجوز، اشتراط مدةٍ معلومةٍ بين الزوجين هذا كان مُباحًا في أول الإسلام ثم نُسِخَ ..... في عام الفتح أو في حجة الوداع، مُنِعَ، وهو النكاح المُؤقت: شهر أو شهران أو سنة أو سنتان، يُسمى: نكاح المتعة، نُسِخَ، حرَّمه الله إلى يوم القيامة.
أما إذا كان في قلبه –نيته- وإلا ما في شرط، نيته أنه إذا انتقل من البلد طلَّق، أو إذا عُزِلَ من السفارة طلَّق، أو إذا انتهت الدراسة طلَّق، هذا بينه وبين ربه، لا بأس، ما يُسمى: متعة، هذه نيةٌ، لكن إذا كان شرط بينه وبينهم سنةً، سنتين، شهرًا، شهرين، هذا هو الذي نُسِخَ، هذا ممنوعٌ.
س: جزاكم الله خيرًا، هناك سؤالٌ آخر: يسأل السائل عن حكم التَّحنيط للحيوانات؟
ج: ينبغي تركه؛ لأنه إتلاف مالٍ في غير حقٍّ، إضاعة مالٍ، وقد يظن بعض الناس أنها صورةٌ مُعلقةٌ، وقد يُتوصل به إلى التصوير، وقد يُعتقد فيه، فتحنيط الصور كونه يحطّ ذئبًا مُحَنَّطًا أو أرنبًا أو صقرًا أو كذا ويُعلقه، هذا قد يُظَنّ فيه شيء، قد يُعتقد فيه السُّوء، فلا ينبغي فعله، الواجب عدم فعله؛ ولأنه إضاعة مالٍ، لا فائدة من ورائه.
س: إن كان لحاجةٍ في المدارس؟
ج: ما يصلح.
س: هل ورد عن السلف الصالح هذا الدعاء: اللهم إن كنتَ كتبتني شقيًّا فَامْحُنِي بقُدرتك، واكتبني عندك من السُّعداء؟
ج: هذا ورد عن ابن عمر، كان ابن عمر يدعو به، ولكن المشهور عند العلماء: أن هذا ما هو بدعاء؛ لأن الشقاء والسعادة مكتوبةٌ، ما تُغير، ولكن يقول: اللهم اهدني، اللهم أصلح قلبي، اللهم وفّقني لكل خيرٍ، اللهم أعذني من الشيطان. من دون أن يتعرض لهذه الكتابة، يسأل ربه الهداية فقط والتوفيق.
س: الصلاة في جوف الكعبة هل يُفرَّق فيها بين الفرض والنَّفل؟
ج: فيها خلافٌ بين العلماء، بعض أهل العلم يرى أنها ما تصح صلاة الفرض في الكعبة، ولا في الحِجْر، والصحيح أنها لا حرج فيها، فلو صلى في الحِجْر لا حرج، لكن الأفضل خارج الحِجْر وخارج الكعبة؛ خروجًا من الخلاف، والنبي ﷺ صلَّى فيها النَّفل فقط، ما صلَّى فيها الفرض، لما أراد الفرض خرج وصلى أمام الكعبة عليه الصلاة والسلام.
س: واستقبال القبلة يا شيخ؟ مَن صلى الفرض داخل الكعبة؟
ج: كل جزءٍ منها قبلة، الكعبة، أينما استدرتَ فأنت في القبلة، صليتَ من هنا، أو من هنا، أو من هنا، أنت في القبلة.
س: لكن ما هو في الحِجْر، الله يُحسن عملك؟
ج: الحِجْر الذي أمامك، غالب الحِجْر كله من الكعبة، غالبه، عند المنحنى، حوالي سبعة أذرعٍ.
س: أحسن الله إليك، الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ يجوز أن تُقال بالمعنى؟ أحسن الله إليك.
ج: إذا حفظ المعنى لا بأس، إذا كان جيدًا يفهم المعنى لا بأس.
س: لا، لا يفهم، جاهلٌ، أحسن الله إليك.
ج: لا، الأحسن أن يضبط اللفظ، يُمسك اللفظ .....
س: أحسن الله إليك، ما حكم الحجامة؟ وهل يُشترط الاستمرار فيها لمَن عملها أول مرةٍ؟
ج: الحجامة جيدةٌ إذا احتاجها الإنسان، لكن ما كلٌّ يفهمها، فلا بد أن يستعين بالأطباء الذين يفهمونها، إذا تبيغ الدم وكثر الدم عليه تنفع، وفي الحديث الصحيح: إن خير ما تداويتم به الحجامة، فالعمل بها ..... جيدة، وكان النبي يتداوى بها ﷺ، لكن بعض الناس ما يفهمها، ما يعرفها.
س: هل التَّبرع بالدم يُجزئ عنها؟
ج: ما هو على كل حالٍ، هذا يعرفه الأطباء الخواص.
س: لها أيامٌ معينةٌ -الله يُحسن عملك- في الشهر؟
ج: ورد في بعض ..... لكن في سندها مقال، وإلا ورد في أوتار الشهر: سبعة عشر، تسعة عشر، ولكن محل نظرٍ.
الأحوط والأفضل أن يعرض نفسه على الطبيب المختص الذي يعرف –يعني- تبيغ الدم والحاجة إلى الحِجَامة، يعرف حاجته إلى الحِجَامة؛ لأن بعض الناس ما تُناسبه الحجامة.
س: بعض الأطباء يُقلل من أهميتها؟
ج: المقصود المُختص.
الفصل الثامن عشر في الأذكار الجالبة للرزق الدَّافعة للضيق والأذى
قال الله عن نبيه نوح ﷺ: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10- 12].
وفي بعض المسانيد عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: مَن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هَمٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مَخْرَجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب.
وذكر أبو عمر بن عبدالبر في "التمهيد" له حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ: مَن قرأ سورة الواقعة كل يومٍ لم تُصِبْه فاقةٌ أبدًا.
الفصل التاسع عشر في الذكر عند لقاء العدو ومَن يخاف سلطانًا وغيره
في سنن أبي داود والنَّسائي عن أبي موسى : أن النبي ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: اللهم إنَّا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
ويُذكر عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند لقاء العدو: اللهم أنت عَضُدِي، وأنت ناصري، وبك أُقاتل.
وعنه ﷺ أنه كان في غزوةٍ فقال: يا مالك يوم الدين، إياك أعبد، وإياك أستعين، قال أنسٌ: فلقد رأيتُ الرجال تصرعها الملائكة من بين يديها ومن خلفها.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: إذا خِفْتَ سلطانًا أو غيره فَقُلْ: لا إله إلا الله، الحليم، الكريم، سبحان الله ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم، لا إله إلا أنت، عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله غيرك.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين أُلْقِيَ في النار، وقالها محمدٌ ﷺ حين قال له الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173].
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث والآثار فيما يتعلق بجلب الرزق ودفع الشَّر والضَّرر.
ذكر المؤلف رحمه الله ما دعا به نوح وما علَّمه قومه من أمره لهم بالاستغفار، وأن الله جلَّ وعلا يجعل ذلك سببًا لرزقهم، وإنزال المطر عليهم، وهذه الجنات والأنهار: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10- 12].
فالله جلَّ وعلا جعل طاعته واستقامته على أمره من أسباب الرزق، ومن أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، كما قال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3]، وقال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، فالتقوى -وهي طاعة الله ورسوله ﷺ والاستقامة على دين الله- هي سبب كل خيرٍ في الدنيا والآخرة، فمن أسباب تفريج الكروب، وتيسير الأمور، ودفع الشر والظلم عن الإنسان، وأن يَقِيَه الله شرَّ الظلمة والأذى: اللَّجَؤ إلى الله، والاستقامة على دينه، والاتِّكال عليه، والأخذ بالأسباب.
هذه هي الطرق التي شرعها الله لعباده، مثلما قال جلَّ وعلا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71].
فالمؤمن مأمورٌ بالأسباب، ومأمورٌ بالتقوى، فعليه أن يتَّقي الله، ويستقيم على دين الله، ويُحافظ على ما شرع الله له.
وعليه مع ذلك أن يأخذ بالأسباب التي جعلها الله سببًا للوقاية، كما شرع للمسلم الجهاد والإعداد للعدو بأنواع السلاح والطعام والكسوة وغير هذا مما يحتاجه الناس، فهكذا في المسائل الأخرى: في طلب الرزق، في الزواج، في غير ذلك يأخذ بالأسباب، مع سؤال الله الإعانة والتوفيق والتَّسديد، ويلجأ إلى الله ويضرع إليه ، وهو سبحانه الحكيم، العليم، القادر على كل شيءٍ.
ومن ذلك دعاء الكرب الثابت في الصحيحين، عندما يخاف شيئًا يقول: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السماوات والأرض وربّ العرش الكريم".
ويقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله.
ويقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله غيرك.
يأخذ بالأسباب المتنوعة، يرجو ثواب ربه ، ويحرص على ما شرعه الله جلَّ وعلا.
كذلك لزوم الاستغفار من أسباب تفريج الكروب وتيسير الأمور: مَن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هَمٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مَخْرَجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومصداقه في كلام الله جلَّ وعلا.
فأنت يا عبدالله عليك أن تجتهد في طاعة الله ورسوله ﷺ، والاستقامة على دين الله، وأبشر بالخير، وعليك بالثقة بالله والأخذ بالأسباب: أسباب الدين، وأسباب الدنيا.
فالأسباب الدينية: تقوى الله، والاستقامة على دينه، والضراعة إليه وسؤاله.
والأسباب الدنيوية: تعاطي الأسباب التي شرعها الله لطلب الرزق؛ من بيعٍ وشراء وزراعة، وسائر الأعمال التي يترتب عليها طلب الرزق.
وفَّق الله الجميع.
س: الله يُحسن عملك، حديث أبي موسى: اللهم إنَّا نجعلك في نحورهم؟
ج: هذا جاء، مشهورٌ هذا.
س: يعني: الكفار والمسلمين أو الكفار؟
ج: العدو مطلقًا، كذلك كان يقول: اللهم أنت عَضُدِي وناصري، بك أحول، وبك أَصُول، وبك أُقاتل، المقصود شيءٌ واحدٌ وهو: اللَّجَؤ إلى الله، والاعتصام به، والاستقامة على دينه، والضراعة إليه، والافتقار إليه.
س: صحة الحديث الذي ذكره ابن عبدالبر: مَن قرأ سورة الواقعة كل يومٍ؟
ج: لا، ليس بصحيحٍ، ضعيفٌ، حديث الواقعة ضعيفٌ، وابن عبدالبر يذكر في "التمييز" وغيره ما تيسر، ما هَبَّ ودَبَّ.
س: هل تجوز غيبة العُصاة؟
ج: إذا أظهر المعصية، الذي يشرب الخمر عند الناس أو ما يُصلي يجوز أن يُقال: إنه ..
س: المُجاهر يا شيخ؟
ج: هذا مُجاهرٌ، مثلما في الحديث الصحيح: أنه مُرَّ على النبي ﷺ بجنازةٍ، فَأَثْنَوا عليها شرًّا، فقال: وجبتْ لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض، ومُرَّ بأخرى فَأَثْنَوا عليها خيرًا، فقال: وجبتْ لها الجنة، أنتم شهداء الله في الأرض.
فالذي يُظهر الشرَّ يُشهد عليه بالشر، كما أن الذي يُظهر الخير يُشهد عليه بالخير.
أما الغيبة فهي: ذكرك أخاك بما يكره مما هو مستورٌ، المستور لا تفضحه، فعليك بالستر على أخيك: مَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، أما مَن فضح نفسه وأعلن فجوره فلا غيبة له، نسأل الله العافية.
س: الله يُحسن عملك، لكن مَن اغتاب هل يكفي أن يستغفر لأخيه الذي اغتابه؟
ج: لا، ما يكفي، يتحلله إلا إذا ما تيسر، يستغفر له ويذكره بالخير الذي يعلمه منه؛ لأن الرسول ﷺ يقول: مَن كان عنده لأخيه مظلمةٌ من عِرْضٍ أو شيءٍ فليتحلله اليوم قبل ألا يكون درهمٌ ولا دينارٌ، لكن إذا ما تيسر التَّحلل، أو خاف أن يترتب شرٌّ على التَّحلل منه؛ يدعو له، ويستغفر له، ويذكره بالخير الذي يعلمه منه، يذكره بالخصال الحميدة التي يعرفها منه في المواضع التي ذمَّه فيها وعابه فيها؛ حتى تكون هذه بهذه.
س: الراجح في لعب الأطفال؟
ج: الأحوط تركها، المُصورة الأحوط تركها، وبعض أهل العلم أجازها؛ لأنها مُمتهنةٌ، والنبي ﷺ أقرَّ الألعاب التي عند عائشة، وظاهرها أن فيها صورًا؛ لأنها مُمتهنةٌ، ولكن الأحوط ترك ذلك، يُعطون شيئًا ما هو بمُصورٍ، شيءٌ من جنس الصور، شيءٌ له يدٌ، وله رِجْلٌ، لكن ما له رأسٌ؛ حتى تكون فيه شغلةٌ للصبيان، وليس فيه صورٌ.
س: كلام شيخ الإسلام يا شيخ: يُرَخَّص للصغار دون الكبار؟
ج: هذا محل نظرٍ، مَن أجاز قال: لأنها مُمتهنةٌ، واحتجُّوا بقصة عائشة، حديث عائشة: أنها كانت عندها بنات، ومَن منع قال: لعل قصة عائشة كانت قبل التَّحريم.
س: أحسن الله إليك، الصيغة المناسبة للاستغفار؟
ج: ربِّ اغفر لي، وأستغفر الله وأتوب إليه، اللهم اغفر لي، كلها طيبةٌ .....: ربِّ اغفر لي وارحمني، اللهم اغفر لي، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه، أنواع الاستغفار، المقصود طلب المغفرة بأي نوعٍ.
س: الله يُحسن عملك، الأخرس إذا أشَّر في الصلاة إشارةً تُفهم عنه، هل تبطل صلاته؟
ج: لا، ما تبطل صلاته، النبي كان يُشير في الصلاة عليه الصلاة والسلام، فالإشارة ما تُبطل الصلاة، لو أَشَرْتَ لإنسانٍ قائمٍ أن يجلس، أو أَشَرْتَ له أن يقوم، أو أَشَرْتَ له أن يُراجع التليفون؛ لأنه يضرب –التليفون- ما في شيء، كان النبي ﷺ إذا سلَّموا عليه سلَّم عليهم بالإشارة، ولو أخرس.
س: يُقال: إن الإشارة تحلّ محل اللسان؟
ج: لا، لا، هذا تكلفٌ، هذا تكلفٌ.
الفصل العشرون في الأذكار التي تطرد الشيطان
قد تقدم أن مَن قرأ آية الكرسي عند نومه لم يقربه شيطانٌ، وأن مَن قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كَفَتَاه، ومَن قال في يومٍ مئة مرةٍ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ؛ كانت له حِرْزًا من الشيطان يومه كله.
وقد قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97- 98].
وكان النبي ﷺ يقول: أعوذ بالله السَّميع العليم من الشيطان الرجيم: من هَمْزِه، ونَفْخِه، ونَفْثِه.
وقال : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36]، والأذان يطرد الشيطان كما تقدم.
وعن زيد بن أسلم: أنه وَلِيَ معادن، فذكروا كثرة الجنِّ بها، فأمرهم أن يُؤَذِّنوا كل وقتٍ، ويُكثروا من ذلك، فلم يكونوا يرون بعد ذلك شيئًا.
وفي "صحيح مسلم" عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: يا رسول الله، إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يَلْبِسُها عليَّ. فقال رسول الله ﷺ: ذاك شيطانٌ يُقال له: خِنْزَب، فإذا أحسستَه فتعوذ بالله منه، وَاتْفُلْ عن يسارك ثلاثًا، ففعلتُ ذلك، فأذهبه الله عني.
وأمر ابن عباسٍ رضي الله عنهما رجلًا وجد في نفسه شيئًا من الوسوسة والشَّك أن يقرأ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3].
ومن أعظم ما يندفع به شرّه بقراءة المعوذتين وأول الصافات وآخر الحشر.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذه الأحاديث والآثار فيما يتعلق بطرد الشيطان والسلامة من مكايده وشرِّه، والله جلَّ وعلا أرشد إلى هذا سبحانه في كتابه العظيم فقال سبحانه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وقال جلَّ وعلا: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36].
فالسُّنة للمؤمن أن يلزم ذكر الله ، وأن يجتهد في ذلك، فإن هذا حِرْزٌ له من عدو الله، فكثرة الذكر والتَّعوذ بالله من الشيطان من أسباب السلامة، ولا سيما مع الصدق والإخلاص لله ؛ لأن الله قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وقال جلَّ وعلا: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:36- 37].
وآية الكرسي من أعظم الحِرْز، قال ﷺ لأبي هريرة عندما جاءه أحد الشياطين يأخذ من تمر الصدقة، قال له في المرة الثالثة لما جاء يَحْثُو، وأمسكه أبو هريرة، وكان أبو هريرة يرصد تمر الصدقة أيام العيد لرمضان، فقال: دعني وأُعلمك كلماتٍ ينفعك الله بها. قال: وما هي؟ قال: آية الكرسي، إذا قرأتها لا يزال معك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تُصبح. فقال النبي ﷺ: صدقك، وهو كذوبٌ يعني: صدق في هذا الكلام، فآية الكرسي من أسباب العافية أيضًا والحِرْز من الشيطان عند النوم.
وكذلك قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] والمعوذتين عند النوم ثلاث مراتٍ، يقول النبي ﷺ في المعوذتين: لم يتعوذ مُتعوذٌ بمثلهما، لم ينزل مثلها، المقصود أنها عُوذةٌ من شرِّ الشيطان، ومن شرِّ ما ذُكِرَ فيها: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مع قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وهي تعدل ثلث القرآن.
كذلك آخر البقرة، آيتان من آخر سورة البقرة مَن قرأها في ليلةٍ كَفَتَاه، كما قاله النبي ﷺ، وهما: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ .. إلى آخر السورة [البقرة:285].
كذلك "أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق"، وتكرارها ثلاثًا من أعظم أسباب السلامة، "أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق".
وهكذا: "بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" ثلاث مراتٍ أيضًا حِرْزٌ من الشيطان.
وهكذا قراءة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ" مئة مرةٍ كل يومٍ تكون له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، يقول النبي ﷺ: مَن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ في يومٍ مئة مرةٍ كانت له عدل عشر رقابٍ، وكتب الله له مئة حسنةٍ، ومحا عنه مئة سيئةٍ، وكانت حِرْزه من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل عملًا أكثر من عمله.
وثبت عن عثمان بن أبي العاص أنه قال للنبي ﷺ: "إن الشيطان قد لبَّس عليَّ صلاتي" بالوسوسة، فقال له النبي ﷺ: انْفُثْ عن يسارك ثلاث مراتٍ، وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مراتٍ، فقال عثمان: ففعلتُ ذلك فأذهب الله عني ما أجد.
قال: ذاك شيطانٌ يُقال له: خِنْزَب قد أفسد عليَّ صلاتي وقراءتي.
فالمقصود أن العناية بذكر الله، والتَّعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والتَّعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، كل هذه حِرْزٌ من الشيطان، فالمؤمن يعتني بها، ولا ييأس، ويُكثر من ذلك، ويُخلص لله ، وله البُشْرَى بالسلامة.
س: أحسن الله إليك، هل يُقال: التَّثاؤب نزغٌ من الشيطان، فيتعوذ إذا تثاءب؟
ج: ما هناك مانعٌ، ما جاء فيه شيءٌ، لكن أخذًا بالآية ما فيه شيءٌ؛ لأنه نزغٌ من الشيطان؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: التَّثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع؛ ولهذا اعتاد الناس أن يقولوا: أعوذ بالله من الشيطان؛ لأنهم يعلمون أنه من الشيطان.
س: ولا بأس بذلك؟
ج: ما أعلم فيه بأسًا، لكن ما يُقال: "إنه سُنةٌ" إلا بدليلٍ، بالعموم يقتضي هذا، عموم الآية يقتضي ذلك.
س: .......؟
ج: كذلك الأذان من أسباب السلامة؛ لأن الأذان يطرد الشيطان؛ ولهذا كان كثيرٌ من السلف إذا أحسّوا بوحشةٍ أذَّنوا في البراري والمحلات القَفرة والمحلات المُوحِشَة، فالأذان يطرد الشيطان؛ ولهذا إذا سمع الأذان أدبر وله ضُرَاطٌ، ولو في غير الوقت، إذا مرَّ بطريقٍ فيه وحشةٌ يقول: الله أكبر، الله أكبر، إذا استوحش يطرد الشيطان؛ لأنه من الذكر.
س: قوله عليه الصلاة والسلام: إذا تثاءب أحدكم فَلْيَضَعْ يده على فِيهِ؛ فإنَّ الشيطان يدخل صحيحٌ؟
ج: ثابتٌ، ومعناه ظاهرٌ: يكظم ما استطاع، يضع يده على فيه، ولا يقول: "هاه"؛ فإن الشيطان يضحك منه.
وقوله: يدخل يعني: يدخل في فيه، يدخل مع فيه.
فالحاصل أنها سُنةٌ؛ كونه يكظم، وكونه لا يقول: "هاه"، وكونه يضع يده على فمه، كل هذه سنةٌ.
س: الله يُحسن عملك، قول الفقهاء: وإن كان الميت غائبًا عن البلد صلَّى عليه بالنية؟
ج: هذه صلاة الغائب –يعني- من أهل العلم مَن يرى أنها مُستحبةٌ، ومنهم مَن يخصّها بالنَّجاشي؛ لأنه صلَّى على النَّجاشي فقط، وبعض أهل العلم يُلْحِق بالنَّجاشي مَن كان له شأنٌ في الإسلام من أُمراء الحقِّ وعلماء الحقِّ الذين لهم شأنٌ في الإسلام تُصلَّى عليهم صلاة الغائب، وما سوى ذلك لا يُصلَّى عليهم؛ لأن الرسول ﷺ ما صلَّى على كل غائبٍ، إنما صلَّى على النَّجاشي فقط.
س: ضابط الغياب، الله يُحسن عملك.
ج: بعيدٌ عن البلد –يعني- بعيدٌ عن البلد، يشقُّ عليه الحضور –يعني- وبعضهم قال: فَرْسَخ. وبعضهم قال أكثر.
فالحاصل أنه يكون بعيدًا يشقّ عليه الحضور، ولكن الأرجح -والله أعلم- أنه لا يُصلَّى إلا على مَن له شأنٌ، إما أميرٌ له شأنٌ في الإسلام، أو عالِمٌ له شأنٌ في الإسلام؛ لأن الرسول ﷺ ما صلَّى على كل غائبٍ، مات في زمانه أممٌ في مكة، وفي غير مكة، وفي البادية، ما صلَّى عليهم، ما صلَّى إلا على النَّجاشي، وهكذا الخلفاء الراشدون، لو كان سُنةً لفعلوا، مات من الصحابة أممٌ في العراق، وفي الشام، وفي غيرها، ولم يُحْفَظ أن الصديق أو عمر أو عثمان صلوا عليهم.
س: خاصٌّ بالنَّجاشي؟
ج: هذا قول كثيرٍ من أهل العلم، كثيرٌ من أهل العلم يرونه خاصًّا بالنَّجاشي.
س: الله يُحْسِن عملك، هل يُعقل أن مَلِكًا يُسلم، ولا يُسلم معه أحدٌ من الحاشية؟
ج: لا، لا، ما هو بشرطٍ، الظاهر أن من أُمته كثيرًا صلوا عليه؛ لأن الملك له أتباعٌ، لا بد أن يكون تبعه في الإسلام ناسٌ كثيرٌ، فالعلة ما هي بعدم الصلاة عليه، العلة: الدعاء له بالخير، وإظهار فضله وعمله الطيب في الإسلام، يدعو له المسلمون كمُكافأةٍ وشكرٍ على عمله الجيد في الإسلام؛ لأنه آوى الصحابة ونصرهم وحماهم من كيد الكفرة؛ فلهذا شَكَرَ له النبي ﷺ هذا العمل، وكان من شُكره له أن صلَّى عليه ودعا له والمسلمون.
س: أحسن الله إليك، أنا عمي توفي اليوم، وهو من يوم السبت ما يحضر الصلاة؛ لأن فيه جلطةً، وتُوفي ظهر اليوم؟
ج: ما عليه شيءٌ، يُصلى عليه صلاة الجنازة.
س: ابنه مُسافرٌ في أمريكا، واتَّصلوا عليه، ويأتي غدًا، فهل يمكن أن نُؤجله إلى أن يأتي؟
ج: نعم؟
س: هل يمكن أن نُؤجله؟ ما في شيء؟ على أساس أن يأتي ويراه، توفي .....
ج: ما هو بلازمٍ، صلوا عليه، وهو يُصلي على القبر، السُّنة التَّعجيل: أسرعوا بالجنازة، هكذا أمر النبي ﷺ، وإذا جاء يُصلي على القبر.
الفصل الحادي والعشرون في الذكر الذي تُحْفَظ به النعم وما يُقال عند تجددها
قال الله في قصة الرجلين: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، فينبغي لمَن دخل بُستانه أو داره أو رأى في ماله وأهله ما يُعجبه أن يُبادر إلى هذه الكلمة، فإنه لا يرى فيه سُوءًا.
وعن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً في أهلٍ ومالٍ وولدٍ فقال: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فيرى فيها آفةً دون الموت.
وعنه ﷺ أنه كان إذا رأى ما يَسُرُّه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يَسُوؤه قال: الحمد لله على كل حالٍ.
الشيخ: .....
القارئ: يقول: ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ونسبه للطبراني في "الصغير" و"الأوسط" وقال: وفيه عبدالملك بن زُرارة، وهو ضعيفٌ.
والثاني رواه بمعناه ابن ماجه في "الأدب" باب "فضل الحامدين"، وزاد في آخره: "ربِّ أعوذ بك من حال أهل النار".
ورواه أيضًا ابن السُّني والحاكم، وهو حديثٌ صحيحٌ كما قال الألباني في "الأحاديث الصحيحة" رقم (265).
وعن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً في أهلٍ ومالٍ وولدٍ فقال: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فيرى فيها آفةً دون الموت.
وعنه ﷺ أنه كان إذا رأى ما يَسُرُّه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يَسُوؤه قال: الحمد لله على كل حالٍ.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الآية الكريمة والأحاديث فيها الدلالة على شرعية الثناء على الله عند وجود النعم، وهذا بِنَصِّ القرآن، فالله جلَّ وعلا حثَّ عباده على حمده والثناء عليه، والإكثار من ذلك، فالحمد لله وتسبيحه وتعظيمه من أفضل القُربات، والله جلَّ وعلا أنزل على عبده أعظم سورةٍ وأفضل سورةٍ وهي الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وقال تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء:111]، فالمؤمن يُكثر من حمد الله.
ويقول النبي ﷺ: أحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي حديث أبي مالكٍ الأشعري: والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض.
فالسُّنة إذا رأى ما يَسُرُّه في أهله أو ماله أو ولده أن يقول: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، كما قال الله جلَّ وعلا عن صاحب الجنتين: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ يعني: هَلَّا إذ دخلتَ قلتَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
فالإنسان إذا رأى ما يَسُرُّه في أهلٍ أو مالٍ يقول: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، الحمد لله، يحمد ربَّه الذي أنعم عليه، ويقول: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، هذه من أسباب البركة والحماية من السُّوء.
وكذلك يقول: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"، "الحمد لله على كل حالٍ"، ويُكثر من الثناء على ربه جلَّ وعلا.
هذه من أسباب حفظ النعم، ومن أسباب المزيد، والله جلَّ وعلا يُحب من عباده أن يُثْنُوا عليه، وأن يحمدوه، وأن يُكْثِروا تسبيحه وذكره جلَّ وعلا، قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41- 42]، والحمد من الذكر، والتَّسبيح من الذكر.
وقال ﷺ: سبق المُفَرِّدون، قيل: يا رسول الله، ما المُفَرِّدون؟ قال: الذَّاكرون الله كثيرًا والذَّاكرات.
فَقَيْد النِّعَم شُكرها بالقول والعمل، فإذا وفَّق الله العبد لشُكرها قولًا وعملًا صار من أسباب ثباتها وزيادتها، وإذا غفل عنها أو قابل نِعَم الله بالمعاصي كان من أسباب زوالها ونزع بركتها، نسأل الله العافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س: الله يُحسن عملك، أعظم صيغ الحمد؟
ج: "الحمد لله"، هذه الكلمة: "الحمد لله"، أفضل صيغةٍ: "الحمد لله"، لكن كلمة التوحيد هي أفضل الكلام بعد القرآن، كما في الحديث الصحيح: الإيمان بضعٌ وسبعون شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، لكنها مع التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير يكون الجميع هو أفضل الكلام، كما في رواية مسلمٍ في "الصحيح" عن سَمُرَة يقول ﷺ: أحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وفي الحديث الآخر: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولما ذكر النبي ﷺ حمد الله بعد الركوع قال: أحقُّ ما قال العبد يعني: أحقّ ما قال أن يحمد ربه ويُثْنِي عليه .
س: أحسن الله إليك، بالنسبة للأول حديثٌ صحيحٌ؟
ج: يقول: سنده ضعيفٌ، ذكره الهيثمي، أما حديث: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات فهذا لا بأس به.
س: الله يُحْسِن عملك، رجلٌ يُشرف على بناء مسجدٍ لبعض فاعلي الخير، وهذا الرجل اتَّفق مع مقاولٍ على عمل بعض الإصلاحات في هذا المسجد، فقام هذا المقاول وأحضر هديةً لهذا الرجل، علمًا بأنه ما في مُحاباة من ناحية السعر أو من ناحية تنفيذ العمل، فهذا المقاول جيدٌ في تنفيذ العمل، وأيضًا من غير طلبٍ، ومن غير قصدٍ منه، كان قد ذهب إلى بلده لإجازةٍ ورجع من الإجازة.
ج: هذا الوكيل يعني؟
س: لا، هذا المقاول ذهب إلى بلده في إجازةٍ، ثم رجع وأحضر هذه الهدية.
ج: هذا منه؟
س: أهداها للمُشرف على بناء المسجد، للوكيل.
ج: المشرف؟
س: نعم.
ج: لا، ما ينبغي قبولها؛ لأنه يُخْشَى أن تكون رشوةً حتى يتسامح عنه، حتى لا يُدقق عليه، أقول: ينبغي له عدم قبولها.
س: ولو بعد انتهاء العمل؟
ج: لا، بعد انتهاء العمل أسهل، بعد انتهاء العمل ما بقيتْ شُبهةٌ.
س: هذا الرجل سافر، والهدية ما زالت عند الوكيل، عند المُشرف، يبيعها أو يتصدق بها؟
ج: وهو أعطاه إياها قبل تمام العمل أو بعد تمام العمل؟
س: بعد تمام العمل.
ج: إن كان أعطاه إياها بعد تمام العمل ما فيها شيءٌ، وإن كانت قبل العمل كونه يتصدق بها أحوط له، أبعد له عن الشُّبهة.
س: .......؟
ج: ما فيها شيءٌ، لا.
س: الله يُحسن عملك، امرأةٌ ترى في المنام أن الشيطان يتلبس بها ويُجامعها؟
ج: تتعوذ بالله من الشيطان.
س: وبعد أن تستيقظ لا ترى شيئًا؟
ج: تتعوذ بالله من الشيطان، الاحتلام كله من الشيطان.
س: لكن .....؟
ج: إذا استيقظتْ وما رأتْ مَنِيًّا ما عليها شيءٌ، فقط تتعوذ بالله من الشيطان فيما تخشى منه، تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إذا كانت وقعتْ عليها وساوس، أما مجرد الاحتلام فالاحتلام ما أحد يسلم من الاحتلام، لكن إن رأتْ مَنِيًّا مثل الرجل تغتسل، مثلما قالت أم سُلَيم: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحقِّ.
س: لو غيَّروا البيت، الله يُحسن عملك؟
ج: لا، ما في شيء، ما يحتاج إلى تغيير بيتٍ ولا شيء، كلٌّ يحتلم، هي وغيرها.
س: لا -الله يُحْسن عملك- هذا الجني يقول: ما دُمْتِ في هذا البيت لن أبرح من فعل هذا الشيء؟
ج: عليها مُخالفته، تقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق" عند النوم، وتقرأ آية الكرسي والمعوذتين ولا يأتيها أبدًا، تَسْلَم.
س: شيخ، قبول هدايا البنوك: قلم أو ..؟
ج: تركها أحوط، ترك هداياهم أحوط، وإلا قد يكون عندهم مالٌ ما هو من الربا، لكن تركها أحوط؛ من باب الإنكار عليهم، ومن باب كراهة عملهم.
س: هدايا العمال غُلُولٌ هذا صحيحٌ الحديث؟
ج: معناه صحيحٌ، وإلا فالحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: مَن وَلَّيْنَاه شيئًا من أعمالنا فليأتِ بقليله وكثيره، ولما جاءه رجلٌ قال: "هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي" غضب عليه الصلاة والسلام، وقال: مَن وَلَّيْنَاهُ عملًا فليأتِ بقليله وكثيره، اللهم صلِّ عليه، لكن عندك الحديث ..... في سنده نظر، حديث: هدايا العمال غُلُولٌ، لكن معناه صحيحٌ.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، يعني مثلًا: يضعون قماشًا "ما شاء الله" للداخل، يعني: يقرأها، يخشون أنه ينظر لصاحب المحل أو للمحل ويخسر وكذا، فهم يُذَكِّرون الداخل، ما أدري هل المقصود التَّذكير، أو المقصود أنه يخشى –مثلًا- على المحل من العين؟
ج: أما كتابة: "ما شاء الله، لا قوة إلا بالله" فلا بأس بها من باب التَّذكير، "ما شاء الله، لا قوة إلا بالله".
س: وإذا كان –أحسن الله إليك- يخشى من العين؟
ج: هي ضد العين، "ما شاء الله، لا قوة إلا بالله" ضد العين.
س: ما فيها شيءٌ، أحسن الله إليك؟
ج: ما أعلم فيها شيئًا، إذا كتبها في الجدار، في قرطاسٍ في الجدار يُذَكِّر بها مَن دخل ما نعلم فيها شيئًا، من باب التَّذكير، ما هو من باب أنها حِرْزٌ، من باب التَّذكير، مثلما يكتب الإنسان بعض الآيات في الجدار، أو في المكتب، أو ما أشبه ذلك.
س: يا شيخ، بعض محاريب المساجد مكتوبٌ عليها: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ [آل عمران:37]؟
ج: لا، ما ينبغي هذا، ينبغي أن يُمْحَى، المساجد ما تنبغي الكتابة فيها؛ لأنها تُشوش على المصلين، ما يُكتب في الجدران شيءٌ، لا قرآن، ولا غيره، ينبغي أن تكون جدران المساجد خاليةً من الكتابة.