الفصل الحادي عشر: في ذكر الركوع والسجود والفصل بينهما وبين السَّجدتين
في السنن الأربعة عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مراتٍ، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مراتٍ.
وفي حديث عليٍّ : أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومُخِّي وعظمي وعَصَبي، وإذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد، وإذا سجد يقول في سجوده: اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.
وفي "صحيح مسلم" عنها رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، ربّ الملائكة والروح.
وفي "سنن أبي داود" عن عوف بن مالكٍ : أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
الشيخ: ..... وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث في بيان هدي النبي ﷺ في الركوع والسجود، وبين السَّجدتين، وعند الرفع من الركوع، ثبتت الأحاديث عنه ﷺ أنه كان يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى في الفرض والنَّفل.
هكذا يجب أن يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم ..... سبحان ربي الأعلى، والواجب مرة، وما زاد فهو تطوعٌ؛ لقوله ﷺ: صلُّوا كما رأيتُموني أُصلي.
وكان يقول بين السَّجدتين: ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، كما جاء في حديث حذيفة وغيره، ويقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وارزقني، كل هذا بين السَّجدتين، فهو محل دعاء.
وإذا رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد.
وجاء في حديثٍ آخر: أنه سمع رجلًا يقول: "حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه"، فقال: قد رأيتُ كذا وكذا من الملائكة كلهم يريد أن يكتبها.
فهذا هو الكمال: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد".
وفي رواية أبي سعيدٍ عند مسلمٍ زيادة: أهل الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجَدُّ.
هذا كله بعد الركوع، هذا هو الكمال: يقول: "ربنا ولك الحمد"، أو "اللهم ربنا لك الحمد مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد".
وإن زاد: "أهل الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ" كان أكمل.
هذا هو الكمال، مع زيادة: "حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه".
والواجب: "اللهم لك الحمد"، أو "ربنا ولك الحمد"، هذه الكلمة، والبقية سُنةٌ، يقول: "ربنا ولك الحمد" سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو مُنفردًا، ويُكمل: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد، أهل الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ"، هذا من كمال الصلاة.
وفي السجود يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" زيادة مع "سبحان ربي الأعلى"، "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي".
وفي الركوع كذلك مع "سبحان ربي العظيم" يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، "سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ الملائكة والروح"، "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" مُستحبَّةٌ في الركوع والسجود.
وكان يقول في سجوده مع "سبحان ربي الأعلى": اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقُوته، تبارك الله أحسن الخالقين، هذا أيضًا مُستحبٌّ في السجود.
وفَّق الله الجميع.
س: في السجود والركوع إذا لم يقل: "سبحان ربي العظيم"، ولا "سبحان ربي الأعلى"، واقتصر على "سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ" مثلًا، هل يُجزئ؟
ج: إذا كان جاهلًا لا بأس، إذا كان جاهلًا أو ناسيًا لا حرج، أما أن يتعمد لا، لا يجوز، لا بد أن يقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، و"سبحان ربي العظيم" في الركوع، لا بد منها، واجبةٌ من واجباتها على الصحيح، والأكثرون يرونها تُجزئ وتصح الصلاة، يرونها مُستحبةً، لكن الصحيح أن "سبحان ربي العظيم" في الركوع واجبٌ، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود واجبٌ؛ لأن الرسول ﷺ أمر بذلك وواظب عليه، وقال: صلُّوا كما رأيتُموني أُصلي عليه الصلاة والسلام.
س: ..... في سجود السَّهو، أحسن الله إليك؟
ج: إذا كان إمامًا وتركها أو مُنفردًا وتركها سهوًا يسجد للسهو، أما المأموم ما عليه شيءٌ، إذا كان دخل مع الإمام من أول الصلاة فليس عليه سجود سهوٍ؛ تبعًا لإمامه، أما إذا كان مسبوقًا فيُكمل ويسجد للسهو.
س: التَّسبيحات الأخرى لا تُجزئ عن "سبحان ربي الأعلى"؟
ج: ما تُجزئ، ما تُجزئ.
س: هل يُشرع للمأموم قول: "سمع الله لمن حمده" إذا قال الإمام: "سمع الله .."؛ لعموم الحديث: صلُّوا كما رأيتُموني أُصلي؟
ج: بعض أهل العلم قال هذا، ولكن الأصحَّ أنه يكفي "ربنا ولك الحمد"، ولا يحتاج "سمع الله .."؛ لأن الرسول ﷺ قال: إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، ما عليه "سمع الله لمن حمده".
إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده" قال: فقولوا: ربنا ولك الحمد، أو اللهم ربنا لك الحمد، هذا هو واجب المأموم: "ربنا ولك الحمد" أو "اللهم ربنا لك الحمد".
س: إذا تعارض عموم حديثٍ وفعل صحابي أو قوله، هل يُخصص فعل الصحابي؟
ج: لا، يجب الأخذ بالعموم.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي سعيدٍ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد، أهل الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ.
وفي "صحيح البخاري" عن رفاعة بن رافعٍ قال: كنا نُصلي يومًا وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجلٌ وراءه: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه"، فلما انصرف قال: مَن المُتكلم؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: لقد رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يَبْتَدِرونها أيّهم يكتبها أول.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء.
وعنه : أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسِرَّه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: افتقدتُ النبي ﷺ ذات ليلةٍ من الفراش، فالتمستُه، فوقعتْ يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمُعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك.
روى مسلمٌ هذه الأحاديث.
وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يقول بين السَّجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وعافني، وارزقني.
وفي السنن أيضًا عن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: أن رسول الله ﷺ كان يقول بين السَّجدتين: ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث كلها تُبين ما يُشرع للمؤمن بعد رفعه من الركوع، وما يُشرع له أن يقول في السجود، وهكذا في الركوع.
كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وربما يقول في بعض الأحيان: اللهم ربنا لك الحمد مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد، أهل الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ، وربما اقتصر على قوله: مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد.
وسمع رجلًا بعدما رفع رأسه من الركوع يقول: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه"، فقال: لقد رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يَبْتَدِرونها أيّهم يكتبها أول، دلَّ على أفضلية هذا الحمد بعد الرفع من الركوع، فالإمام يقول: "سمع الله لمن حمده"، والمُنفرد كذلك: "سمع الله لمن حمده"، ثم يقول الإمام والمُنفرد بعد ذلك: "ربنا ولك الحمد"، وهكذا المأموم إذا رفع يقول: "ربنا ولك الحمد"، أو "اللهم ربنا لك الحمد، حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، مِلْء السَّماوات، ومِلْء الأرض، ومِلْء ما بينهما، ومِلْء ما شئتَ من شيءٍ بعد".
وهذا كله سُنةٌ مُؤكدةٌ، مُستحبٌّ.
يقول: "يجوز أهلَ" يعني: أخصّ أهلَ، اسم مفعول لفعلٍ محذوفٍ، ويجوز الرفع "أهلُ" يعني: أنت أهل الثَّناء والمجد.
أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ يعني: جميع الثَّقلين كلهم عبيده ، بل جميع الخلائق.
لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ فما أعطاه الله لا أحد يمنعه، وما منعه الله لا يمكن لأحدٍ أن يأتي به، لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع ، ولا رادَّ لما قضى -كما في الرواية الأخرى- وهو سبحانه كلمته النَّافذة، فما قدَّره هو النَّافذ، فما أعطاه الله لأحدٍ لا يستطيع أحدٌ إبطاله، وما منعه لا يستطيع أحدٌ جلبه، كل شيءٍ بيده .
وكان يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.
وفي السجود يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى.
فالسُّنة أن يقول المؤمن مثلما قال الرسول ﷺ في الركوع: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم" يُكرر، "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رب الملائكة والروح"، وفي السجود: "سبحان ربي الأعلى"، يُكرر ذلك.
ويقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رب الملائكة والروح"، ويُكثر من الدعاء في السجود؛ يقول ﷺ: أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء، وفي اللفظ الآخر: وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم.
فالسُّنة العناية بالدعاء في السجود؛ لأنه من محالِّ الإجابة، فيُكثر من الدعاء والثَّناء على الله، مع حمد الله والصلاة على النبي ﷺ، بعد حمد الله والصلاة على النبي ﷺ يُكثر من الدعاء، ويُلِحُّ في الدُّعاء.
ومن دعاء النبي ﷺ في السجود: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسِرَّه، ويُكرر في السُّجود: "ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي"، وبين السَّجدتين كذلك: "ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي"، فيُكثر من الدعاء في السجود وبين السَّجدتين؛ في السجود يُكثر من الدعاء بأنواع الدعاء، ولا سيما الوارد، وبين السجدتين يُكثر من قوله: "ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وارزقني، وعافني"، يتحرى ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام وما فعله عليه الصلاة والسلام.
س: أيش معنى: ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ؟
ج: يعني: ذا الغِنَى، الجَدّ: الغِنَى والحظّ والمال، لا ينفع ذا المال والحظِّ والغِنَى جَدّه إذا لم يَتَّقِ الله.
س: في حديث أنسٍ -يا شيخ- في البخاري إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول: قد نسي؟
ج: هذا يدل على شرعية إطالة الوقفتين: الوقفة بعد الركوع، والوقفة بين السَّجدتين.
س: إذا انتهى الدعاء يُكرر الدعاء، يا شيخ؟
ج: لا، الدعاء المشروع يكفي، إذا أتى به حصلت الوقفة.
س: أحسن الله إليك، بين السجدتين الدعاء الثابت؟
ج: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسِرَّه، ويُكثر من قوله: "ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي"، وإذا دعا بزيادةٍ فلا بأس، محل دعاءٍ.
س: أحسن الله إليك، إذا قال الإمام بدلًا من "سمع الله لمن حمده": الله أكبر؟
ج: يسجد للسهو، إذا ما نَبَّهوه يسجد للسهو.
س: وإذا استدرك وقال: "سمع الله لمن حمده" بعد التَّكبير؟
ج: حصل المطلوب.
س: يسجد للسهو؟
ج: لا، ما يحتاج، حصل المطلوب.
س: إذا أقام المُقيم الذي يُقيم الصلاة، فردَّ المأمومون بقول: حقًّا لا إله إلا الله. هل هذا واردٌ؟ و"أقامها الله وأدامها"؟
ج: لا، زيادةٌ غير مشروعةٍ، النبي ﷺ يقول: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول فقط، لا زيادة، "حقًّا .." لا يأتي بها، و"أقامها الله وأدامها" روايةٌ ضعيفةٌ، والصواب أنه يقول: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" مثل قول المؤذن سواء؛ الرسول ﷺ قال: إذا سمعتُم المؤذن فقولوا مثلما يقول، فإذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة" يقول مثله، وإذا قال: "الصلاة خيرٌ من النوم" في صلاة الفجر يقول مثله، أما رواية: "أقامها الله وأدامها" فروايةٌ ضعيفةٌ.
وقول بعض الفقهاء أنه يقول: "صدقتَ وبررتَ" أو "صدق الله ورسوله" عند قوله: "الصلاة خيرٌ من النوم" فليس مشروعًا.
المشروع أن يقول مثل المؤذن: "الصلاة خيرٌ من النوم، الصلاة خيرٌ من النوم".
س: صدق الله ورسوله؟
ج: ما لها أصلٌ.
س: الصلاة على النبي ﷺ في التَّشهد الأول واجبةٌ؟
ج: لا، الجمهور على أنها لا تُستحب، الأكثرون لا يستحبونها، والاستحباب قولٌ قويٌّ في التَّشهد الأول؛ لعموم الأحاديث -أحاديث الصلاة على النبي ﷺ- أما الوجوب في التَّشهد الأخير .....
الفصل الثاني عشر: في أدعية الصلاة بعد التَّشهد
في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا فرغ أحدكم من التَّشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربعٍ: من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدَّجال.
وفيهما أيضًا عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمَغْرَم، فقال له قائلٌ: ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرَم! فقال: إن الرجل إذا غَرِمَ حدَّث فكذب، ووعد فأخلف.
وقد تقدم في الصحيحين: أن أبا بكر الصديق قال لرسول الله ﷺ: عَلِّمْنِي دعاءً أدعو به في صلاتي. فقال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم.
وفي "صحيح مسلم" من حديث عليٍّ في صفة صلاة رسول الله ﷺ أنه كان يقول من آخر ما يقول بين التَّشهد والتَّسليم: اللهم اغفر لي ما قدمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقدم، وأنت المُؤخر، لا إله إلا أنت.
الشيخ: ..... وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيها بيان بعض الأدعية التي كان يدعو بها ﷺ في آخر الصلاة، وقد ثبت في حديث ابن مسعودٍ في الصحيحين: أن النبي ﷺ لما علَّمهم التَّشهد قال بعدما علَّمهم الشهادتين: ثم لِيَخْتَرْ من الدعاء ما شاء، وفي اللفظ الآخر: ثم لِيَخْتَرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو يعني: بعد الصلاة على النبي ﷺ.
وقد علَّمهم ﷺ كيف يُصلون عليه عليه الصلاة والسلام، فقال: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، بعد التَّشهد يأتي بالصلاة على النبي ﷺ ثم يدعو؛ ولهذا قال ﷺ: إذا فرغ أحدكم من التَّشهد الأخير فليستعذ بالله من أربعٍ، فدلَّ على أن هذه الدعوات تكون في التَّشهد الأخير قبل أن يُسلم، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجال.
وكان يدعو أيضًا عليه الصلاة والسلام بقوله: اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقدم، وأنت المُؤخر، لا إله إلا أنت.
وكان يتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن المأثم والمَغْرَم، قيل: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرَم! قال: إن الرجل إذا غَرِمَ حدَّث فكذب، ووعد فأخلف يعني: إذا لحقه الدَّين يُبْتَلى بالكذب، إذا وعد الناس يُخلفهم، يقول: إن شاء الله أُوفيكم باكر، عقبه، ثالث، وهو ما عنده شيءٌ، يكذب ويُخلف؛ لعدم المال، والغارم هو الذي عليه الديون.
المقصود أنه يُستحب للمؤمن في آخر الصلاة بعدما يأتي بالتَّحيات وبعدما يُصلي على النبي ﷺ يُستحب له الدعاء، ومن آكد الدعاء: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، اللهم أَعِنِّي على ذِكْرك وشُكرك وحُسن عبادتك، كما علَّم النبي ﷺ ذلك مُعاذًا: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرك وشُكرك وحُسن عبادتك.
وهكذا في حديث الصديق لما سأله دعاءً يدعو به في صلاته قال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، هذا دعاءٌ عظيمٌ يُدْعَى به في السجود، وفي آخر الصلاة.
كذلك كما في حديث سعد بن أبي وقاص : أن النبي ﷺ كان يدعو في آخر صلاته قبل أن يُسلم: اللهم إني أعوذ بك من البخل والجُبن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، ومن عذاب القبر، هذا من الدعاء العظيم الوارد الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
والمؤمن يدعو بما يسَّر الله له، ولو بغير الدعاء المأثور، يدعو بما تيسر، يقول: "اللهم ارحمني، اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم توفني مسلمًا، اللهم ارزقني الثبات على الحقِّ، اللهم أحسن خاتمتي"، يدعو بالدعوات التي يراها مُناسبةً، فإذا لم يحفظ الدعوات المأثورة يدعو بالدعوات الطيبة التي يحفظها.
وفَّق الله الجميع.
س: الله يُحسن عملك، التَّوسع بالدعاء في أمر الدنيا، في شيءٍ من أمر الدنيا؟
ج: إذا احتاج إلى ذلك يدعو بقدر حاجته، هو أعلم بنفسه، إن احتاج زوجةً يسأل الله أن يُيَسِّر له الزوجة الصالحة، ما عنده مالٌ: اللهم ارزقني مالًا يكفيني، اللهم يَسِّر لي من الأسباب ما يقوم بحالي، وإن كان يطلب ولدًا، وهكذا.
س: لكن طلب المزيد -الله يُحسن عملك- ما ينبغي؟
ج: التوسع ما هو .. ينبغي له أن يطلب مثلما قال ﷺ: قد أفلح مَن أسلم ورُزِقَ كَفَافًا، وقنَّعه الله بما آتاه.
س: أحسن الله إليك، قوله ﷺ: فَلْيَسْتَعِذْ من أربعٍ ألا يدل على الوجوب؟
ج: بعض أهل العلم يرى ذلك، كان طاووس يأمر ولده إذا تركها أن يُعيد، والجمهور على أنها سُنةٌ؛ لأن الرسول ﷺ قال في حديث ابن مسعودٍ: ثم لِيَخْتَرْ من الدعاء ما شاء، ما ألزم بشيءٍ معينٍ، فهذا من باب بيان الدعاء المناسب.
س: أحسن الله إليك، ما يُقال: إن حديث ابن مسعودٍ كان مُتقدمًا؟
ج: لا، لا، الأصل أنه السُّنة، والحمد لله؛ لأن قوله: ثم لِيَخْتَرْ من الدعاء ما شاء، ثم لِيَخْتَرْ من الدعاء أعجبه إليه يدل على التوسعة، والحمد لله.
س: الدعاء بـ: "اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا"، في روايةٍ: "كثيرًا"، وفي روايةٍ: "كبيرًا"، هل يجمع بينهما؟
ج: المشهور "كثيرًا"، مشهور الرواية "كثيرًا"، ويكفي، وإن قال: "كبيرًا" بدل "كثيرًا"، أما الجمع بينهما فما له أصلٌ، ما جاء الجمع بينهما، إما هذا أو هذا، في الرواية المشهورة يقول: "كثيرًا" بالثاء، وهي أبلغ.
س: حديث: مَن مَسَّ ذَكَرَه فليتوضأ، وحديث: إنما هو بَضْعَةٌ منك كيف الجمع؟
ج: حديث: إنما هو بَضْعَةٌ منك شاذٌّ أو ضعيفٌ، شاذٌّ مُخالفٌ للأحاديث الصحيحة، يُروى أنه قاله النبي ﷺ في أول قدومه المدينة، أما أحاديث مَسّ الذَّكَر فأحاديث صحيحةٌ كثيرةٌ: مَن مَسَّ ذَكَرَه فليتوضأ من عدة أحاديث؛ من حديث بُسْرَة بنت صفوان، ومن حديث زيد بن خالد، ومن أحاديث أخرى، حديث عبدالله بن عمرو.
فالمقصود أن الأحاديث التي فيها مَسّ الذكر أحاديث صحيحةٌ كثيرةٌ، أما حديث: إنما هو بَضْعَةٌ منك فهو ضعيفٌ من جهة شذوذه ومُخالفته للأحاديث الصحيحة.
س: أحسن الله إليك يا شيخ، عبارة: طيَّب الله ثَرَاك يا شيخ، أيش معناها؟
ج: جعله روضةً من رياض الجنة، جعل الله قبره روضةً من رياض الجنة.
س: الله يُحسن عملك، مَن قال يُحْمَل على إذا كان بشهوةٍ؟
ج: لا، لا، مَسّ بشهوةٍ أو بغير شهوةٍ: مَن مَسَّ ذَكَرَه فليتوضأ.
س: يقول: ما يُفرق بين باطن اليد ..؟
ج: لا، باليد، باطن أو ظاهر، بيده يعمّ باطنها وظاهرها.
س: ولو يسيرًا؟
ج: إذا مَسَّ اللحمُ اللحمَ، أما من وراء الثياب ما يضرّ، من وراء السراويل أو الإزار أو القميص ما يضرّ.
س: أما اليد ولو يسيرًا؟
ج: نعم، ظاهر الحديث ولو يسيرًا.
س: قول: "اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ" في لفظٍ لمسلمٍ: أنه في التَّشهد وبعد الصلاة؟
ج: لا، المحفوظ أنه قبل السلام؛ لأن الدعاء الذي شرعه وندب إليه قبل أن يُسلم، وإذا قاله بينه وبين نفسه بعد السلام ما يضرّ، بعد الذكر ما يضرّ، لكن الأفضل أن يكون قبل السلام، ما دام في العبادة قبل أن ينصرف منها.
وفي سنن أبي داود: أن النبي ﷺ قال لرجلٍ: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أُحْسِن دَنْدَنَتَك ولا دَنْدَنَة مُعاذٍ. فقال النبي ﷺ: حولها نُدَنْدِنُ.
وفي "المسند" والسنن عن شداد بن أوسٍ : أن رسول الله ﷺ كان يقول في صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شُكر نعمتك، وحُسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علَّام الغيوب.
وفي سنن النَّسائي: أن عمار بن ياسر صلَّى صلاةً، ودعا فيها بدعواتٍ، وقال: سمعتُهنَّ من رسول الله ﷺ: اللهم بعلمك الغيب، وقُدرتك على الخلق، أحيني إذا علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وأسألك قُرَّة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضَرَّاء مُضِرَّةٍ، ولا فتنةٍ مُضلةٍ، اللهم زَيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتدين.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه جملةٌ من الأدعية التي كان يدعو بها النبي ﷺ، فالنبي كان يدعو بدعواتٍ كثيرةٍ عليه الصلاة والسلام، كانت تقول عائشة: "كان عليه الصلاة والسلام يستحب جوامع الدعاء"، يعني: الدعوات الجامعة، ومن ذلك: أنه قال له رجلٌ لما سأله النبي ﷺ: كيف تدعو؟ قال: إني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أُحْسِن دَنْدَنَتَك ولا دَنْدَنَة مُعاذٍ.
الدَّنْدَنَة تعني: كثرة الدعوات، ما أُحْسِنها، يقول الرجل: يا رسول الله، ما أُحْسِن دَنْدَنَتَك، ولا دَنْدَنَة مُعاذٍ. يعني: كثرة الدعوات، ولكني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار. قال الرسول ﷺ: حولها نُدَنْدِن، قال النبي ﷺ: حولها يعني: حول هذه المسألة نُدَنْدِن يعني: حولها الاجتهاد، وحولها الطلب، وحولها الجِدُّ: سؤال الله الجنة، والتَّعوذ به من النار.
وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شُكر نعمتك، وأسألك حُسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، فإنك أنت علَّام الغيوب.
وفي الرواية الأخرى يقول ﷺ: إذا كَنَزَ الناسُ الذهبَ والفضةَ فاكنزوا هذه الدعوات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر يعني: في الدين والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حُسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، فإنك أنت علَّام الغيوب.
وكان من دعائه ﷺ: اللهم بعلمك الغيب، وقُدرتك على الخلق، أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في السرِّ والعلانية، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وقُرَّة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضَرَّاء مُضرَّةٍ، ولا فتنةٍ مُضلةٍ، اللهم زَيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتدين.
ومن دعائه ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء، أعوذ بالله من جَهْد البلاء، ومن دَرَك الشَّقاء، ومن سُوء القضاء، ومن شماتة الأعداء.
وله دعواتٌ كثيرةٌ، ومنها: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموت راحةً لي من كل شرٍّ.
ومنها دعاؤه: اللهم إني أسألك الهدى، والتُّقى، والعفاف، والغنى، اللهم إني أسألك الهدى والسَّداد.
فالمؤمن يجتهد في الدعوات الطيبة في آخر الصلاة، وفي السجود، وفي جميع الأوقات، في وسط الليل، وفي آخر الليل، وفي مجلسه، في أي وقتٍ يُكثر من الدعاء؛ لأن الله يقول جلَّ وعلا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، ويقول سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
وقال عليه الصلاة والسلام: ما من عبدٍ يدعو الله بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ: إما أن تُعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تُدَّخَر له في الآخرة، وإما أن يُصْرَف عنه من الشر مثل ذلك، قالوا: يا رسول الله، إذن نُكثر. قال: الله أكثر.
ومن جوامع الدعاء الذي علَّمه النبيُّ ﷺ لعائشة: اللهم إنك عفوٌّ، تُحب العفو، فَاعْفُ عني، هذا من جوامع الدعاء.
وفَّق الله الجميع.
س: أحسن الله عملك، حديث شداد بن أوسٍ صحيحٌ؟
ج: ما أعلم له عِلةً، أقول: ما أعلم فيه عِلةً.
س: ضعَّفه المُحقق، الله يُحْسِن عملك؟
ج: ما أعلم له عِلةً، ذكره ابن كثيرٍ على آية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34]، بعضهم يُعِلّه بأن في إسناده رجلًا مُبْهَمًا، ولكن لا بأس به، له طرقٌ.
طالب: .......
الشيخ: نعم.
طالب: يقول: رواه أحمد في "المسند"، والنسائي في "السهو" باب "نوعٌ آخر من الدعاء"، والترمذي في "الدعوات"، وإسناده ضعيفٌ، ورواه أيضًا ابن حبان في "صحيحه".
الشيخ: يعني: له طرقٌ، هو أُعِلَّ بأن فيه رجلًا مُبْهَمًا، لكن له طرقٌ أخرى.
س: الله يُحسن عملك، قوله: وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد في الآخرة أم في الدنيا؟
ج: المقصود نعيم الجنة، هو الذي ما يَنْفَد، نعيم الجنة.
س: الله يُحسن عملك، حديث عمار بن ياسر ألا يدخل في النَّهي عن تمني الموت؟
ج: لا، هذا مُعلَّقٌ، جعله إلى الله سبحانه، مثلما في رواية أنسٍ في الصحيحين: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، هذا في الصحيح من حديث أنسٍ.
س: ..... سبع مرات .....؟
ج: في سنده بعض اللِّين؛ لأن التَّابعي ما هو بمشهورٍ، لكن إذا استعمله الإنسان فحسنٌ، إن شاء الله.
طالب: حديث عمار بن ياسر ..... يقول: رواه النَّسائي في "السهو"، وأحمد في "المسند"، وصححه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، وهو حديث .....
الشيخ: نعم، لا بأس به، حديث عمارٍ لا بأس به.
س: الله يُحسن عملك، لعن الكافر المُعين؟
ج: تركه أولى إلا إذا كان له أثرٌ في الشر، يعني: مثلما لعن الرسول ﷺ جماعةً من أهل مكة: اللهم الْعَنْ عتبة بن ربيعة وشيبة .. لأجل شدة أذاهم.
أما الإنسان المُسالم فترك الدعاء عليه أولى إلا بالهداية، يُدْعَى له بالهداية، مثلما قيل: يا رسول الله، إن دوسًا قد تأخرتْ وطَغَتْ وبَغَتْ ولم تُسلم. قال: اللهم اهْدِ دوسًا وَائْتِ بهم، فالدعاء لهم بالهداية إلا إنسانٌ قد أدخل الشرَّ والأذى على المسلمين فَيُدْعَى عليه أن الله ينتقم منه، وأن الله .....
س: ورد حديث: أيّما قبر مُشركٍ مررتَ به فَبَشِّرْهُ بالنار؟
ج: هذا في سنده نظر، في صحته نظر، أقول: في صحته نظر، الرسول ﷺ قال: لا تَسُبُّوا الأموات، فإنهم قد أَفْضَوا إلى ما قدَّموا، رواه البخاري في "الصحيح"، فسبّ الأموات لا يجوز.
س: .......؟
ج: نعم.
س: صحح الشيخ ناصر حديث: إذا مررتَ بقبر كافرٍ فَبَشِّرْهُ بالنار؟
ج: والله محل نظرٍ؛ لأنه يُخالف الأحاديث الصحيحة: لا تَسُبُّوا الأموات، فإنهم قد أَفْضَوا إلى ما قدَّموا، والشيخ ناصر قد يتساهل -الله يعفو عنا وعنه- في التَّصحيح والتَّضعيف بعض الشيء، فلا يكفي تصحيحه وتضعيفه، لا بد من امتحانٍ.
س: كيف نُوجه لعن ابن عمر لابنه عندما قال: والله لأمنعهنَّ؟
ج: من باب الغضب لله، سبًّا شديدًا، لما قال: "والله لأمنعهنَّ"، يعني: النساء؛ غضبًا لله، وهذا يدل على زجر مَن فارق السُّنة، يُزْجَر.
س: شيخنا، الله يُحسن عملك، العاصي الفاسق لا يُلْعَن.
ج: ..... ولما لعن بعض الصحابة عبدالله حمار، كان يُؤْتَى به يشرب الخمر، قال: لا تلعنوه، فإنه يُحب الله ورسوله، وقال: لا تُعينوا عليه الشيطان.
على كل حالٍ، ترك اللعن أولى إلا عند الحاجة من شدة الأذى.
س: يا شيخ، ..... إذا كان الرجل هل الأخفّ أنه يُصبح ظاهريًّا، أو أنه على المذهب إذا كان الرجل .....؟
ج: يتبع الكتاب والسُّنة، لا ظاهري، ولا غير ظاهري، يتحرى الكتاب والسُّنة، ويسأل أهل العلم عما أشكل عليه، هذا الواجب .....
الفصل الثالث عشر: في الأذكار المشروعة بعد السلام وهو إِدْبَار السجود
في "صحيح مسلم" عن ثوبان قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام.
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة : أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ.
وفي "صحيح مسلم" عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ كان يُهلل دُبُر كل صلاةٍ حين يُسلم بهؤلاء الكلمات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مُخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ، عن رسول الله ﷺ قال: مَن سبَّح الله في دُبُر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ؛ غُفِرَتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر.
وفي السنن عن عبدالله بن عمرٍو، عن النبي ﷺ قال: خصلتان -أو خَلَّتَان- لا يُحافظ عليهما عبدٌ مسلمٌ إلا دخل الجنة، هما يسيرٌ، ومَن يعمل بهما قليلٌ: يُسبح الله في دُبُر كل صلاةٍ عشرًا، ويحمده عشرًا، ويُكبره عشرًا، فذلك خمسون ومئةٌ باللسان، وألفٌ وخمسمئةٍ في الميزان، ويُكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويُسبح ثلاثًا وثلاثين، فذلك مئةٌ باللسان، وألفٌ في الميزان، قال: ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله، كيف هما يسيرٌ ومَن يعمل بهما قليلٌ؟ قال: يأتي أحدَكم يعني: الشيطان في منامه فَيُنَوِّمه قبل أن يقوله، ويأتيه في صلاته فَيُذَكِّره حاجته قبل أن يقوله.
وفي السنن عن عقبة بن عامرٍ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمُعوذتين دُبُر كل صلاةٍ.
وفي "النسائي الكبير" عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: مَن قرأ آية الكرسي عقب كل صلاةٍ لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت، يعني: لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت.
وبلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ما تركته عُقَيب كل صلاةٍ إلا نسيانًا أو نحوه.
قلتُ: وقد بالغ أبو الفرج ابن الجوزي في إدخاله هذا الحديث في "الموضوعات".
وقال شيخنا أبو الحجاج المزي رحمه الله: "إسناده على شرط البخاري".
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأذكار بعد الصلوات الفرائض، يُستحب للمؤمن أن يأتي بهذه الأذكار، وتقدم حديث ثوبان أنه كان يقول إذا سلَّم: أستغفر الله ثلاثًا، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام من كل فريضةٍ: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام.
وفي الصحيح من حديث ابن الزبير عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما: أنه سمع النبي ﷺ يقول إذا سلَّم من صلاته: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مُخلصين له الدين، ولو كره الكافرون.
وفي حديث المغيرة بن شعبة يقول ﷺ مع "لا إله إلا الله": اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ.
هذا ذِكْرٌ مُختصرٌ بعد كل صلاةٍ، كما في رواية ابن الزبير والمغيرة وثوبان، يُستحب لكل مُصلٍّ من ذكرٍ أو أنثى بعد كل فريضةٍ أن يقول: "أستغفر الله" ثلاثًا، "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام".
ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مُخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ".
ثم يُسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكبر الله ثلاثًا وثلاثين، ويقول تمام المئة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ"، غُفِرَتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر، يعني: غُفِرَتْ خطاياه التي اقترفها إذا أتى بهذه الأذكار عن صدقٍ، وعن إخلاصٍ، وعن توبةٍ وندمٍ وإقلاعٍ، غفر الله بها خطاياه.
وفي روايةٍ: أن التَّكبير أربعٌ وثلاثون، يُسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويُكبر أربعًا وثلاثين، وهكذا عند النوم يُسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكبر أربعًا وثلاثين عند النوم.
ومن أنواع الذكر عشر تسبيحاتٍ، وعشر تحميداتٍ، وعشر تكبيراتٍ، هذا نوعٌ، بعد كل صلاةٍ يُسبح عشرًا، ويحمد عشرًا، ويُكبر عشرًا، لكن أفضل من ذلك -وهو الأكمل- أن يُسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكبره ثلاثًا وثلاثين، هذا هو الأكمل، الجميع تسعٌ وتسعون، ثم يقول تمام المئة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ"، هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد.
ثم يأتي بآية الكرسي، فيها فضلٌ عظيمٌ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255].
هذا سُنةٌ بعد كل صلاةٍ، وهذا مما كان يفعله عليه الصلاة والسلام، والله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].
ويُستحب أيضًا أن يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] والمعوذتين بعد كل صلاةٍ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس] مرةً واحدةً بعد الظهر والعصر والعشاء، أما في المغرب والفجر فيُكررها ثلاثًا: الإمام والمأموم والمنفرد، هذا أفضل.
نسأل الله للجميع التوفيق.
س: الله يُحسن عملك، حديث عقبة بن عامر ما ذكر سورة الإخلاص إلا المعوذتين فقط؟
ج: جاء في روايةٍ أخرى، في روايةٍ أخرى جاء فيها ذكر قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
س: أحسن الله إليك، صحة حديث أبي أمامة؟
ج: أيش عندك على حديث أبي أمامة؟
طالب: رواه أيضًا ابن السُّني في "عمل اليوم والليلة" من طبعتنا، وأورده الهيثمي في "المجمع" وقال: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بأسانيد، واحدها جيدٌ، والحديث صحيحٌ كما قال الألباني.
الشيخ: أَعِدْ حديث أبي أمامة.
الطالب: يقول: وفي "النسائي الكبير" عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: مَن قرأ آية الكرسي عقب كل صلاةٍ لم يمنعه ...
الشيخ: هذا له طرقٌ مثلما قال المُحشي، له طرقٌ بعضها جيدٌ.
كذلك بعد المغرب والفجر يزيد عشر تهليلاتٍ، بعد المغرب وبعد الفجر زيادة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يُحيي ويُميت، وهو على كل شيءٍ قديرٌ"، عشر مراتٍ زيادةً في المغرب، وزيادةً في الفجر.
س: تُقرأ بعد كل صلاةٍ؟
ج: بعد كل صلاةٍ، نعم.
س: يجوز تركها أحيانًا؟
ج: مُستحبٌّ، نافلة، كلها نافلة، بعد العشاء تارةً يصلي ثنتين، وتارةً يصلي أربعًا عليه الصلاة والسلام بعد العشاء، أما ستّ -حديث الست- فهذا يرونه فيما بين العشاء والمغرب ..... يُسمونها: المُؤنسات.
الفصل الرابع عشر: في ذكر التَّشهد
ثبت في الصحيحين عن عبدالله بن مسعودٍ قال: علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهد وكَفِّي بين كَفَّيه كما يُعلِّمني سورةً من القرآن: التَّحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يُعلِّمنا التَّشهد كما يُعلِّمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التَّحيات المُباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي موسى : أن النبي ﷺ علَّمهم التَّشهد: التَّحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وروى أبو داود عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ في التَّشهد: التَّحيات لله الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، قال ابن عمر: وزدتُ فيها: "وحده لا شريك له"، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وروى أبو داود عن سَمُرَة بن جُنْدُبٍ: أما بعد، أمرنا رسول الله ﷺ إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدؤوا قبل السلام فقولوا: التَّحيات الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلِّموا على اليمين، ثم على قارئكم، وعلى أنفسكم.
وذكر مالكٌ في "الموطأ": أن عمر كان يُعلم الناس التَّشهد وهو على المنبر، يقول: قولوا: التَّحيات لله، الزَّاكيات لله، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
فأيّ تشهدٍ أتى به من هذه التَّشهدات أجزأه.
وذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة إلى تشهد ابن مسعودٍ، وذهب الشافعي إلى تشهد ابن عباسٍ، وذهب مالكٌ إلى تشهد عمر ، والكل كافٍ يُجزئ.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث الأربعة وما جاء في معناها كلها تتعلق بالتَّشهد، وأصحها وأثبتها حديث ابن مسعودٍ في الصحيحين: أن النبي ﷺ علَّمهم التَّشهد.
وهذا التَّشهد يُقال بعد الثنتين من الرباعية والثلاثية، ويُقال بعد الركعة الأخيرة من المغرب والعشاء والظهر والعصر، ويُقال بعد الركعة الثانية من الفجر والجمعة والنوافل.
التَّحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
هذا هو الثابت من حديث ابن مسعودٍ في الصحيحين، ومثله حديث ابن عباسٍ فيه زيادة: "المُباركات"، وحديث عمر فيه زيادة: "الزَّاكيات"، والمعنى صحيحٌ، لكن أصحّها رواية ابن مسعودٍ.
علَّمهم هذا ثم قال: ثم لِيَخْتَرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو، بعد هذا يكون الدعاء بعد ذلك.
ثم علَّمهم الصلاة على النبي ﷺ، قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ هذا بعد التَّحيات، وهو واجبٌ في التَّشهد الأخير عند جمعٍ من أهل العلم.
ثم يدعو بعد ذلك، يستعيذ بالله من أربعٍ: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجال" في آخر الصلاة قبل أن يُسلم، ثم يدعو بما يسَّر الله له من الدعوات، مثل: "اللهم أَعِنِّي على ذِكْرك وشُكرك وحُسن عبادتك، اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم"، هذا من الدعاء الثابت.
وهكذا: "اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقدم، وأنت المُؤخر، لا إله إلا أنت، اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أَرْذَل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر".
كل هذه ثابتةٌ، يقولها في التَّشهد الأخير.
ومعنى التَّحيات يعني: التَّعظيمات، التحية: التَّعظيم لله والتَّقديس له بالركوع والسجود، بالدعاء، بالخوف والرجاء، كلها لله وحده .
والصلوات جميع الصلوات: نافلة وفريضة، وجميع الدعاء كله لله وحده.
والطيبات الطيب من الأقوال والأعمال، من أعمال العبد وأقواله التي شرعها الله من صلاةٍ وغيرها، كلها لله وحده .
ومعنى السلام عليك أيها النبي الدعاء له بالسلامة، تدعو للنبي ﷺ بالسلامة من كل سُوءٍ، وتدعو له بالرحمة والبركة: أن الله يُعطيه الرحمة، ويُعطيه البركة في جميع ما يتولاه من أعمالٍ، وفي الآخرة يُعطيه البركة بدخوله الجنة، والنَّجاة من النار، وفي رفيع منزلته عليه الصلاة والسلام.
والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كذلك دعاءٌ لعباد الله الصالحين بالسلامة، فهو دعاءٌ لعباد الله الصالحين ولنفسك، يعمُّ أهل السماء وأهل الأرض، كما قال ﷺ: إذا قلتَ ذلك عَمَّت أهل السماء والأرض.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين يعمُّ الملائكة، ويعمُّ الصالحين من الإنس والجنِّ.
ثم تقول بعد هذا كله: أشهد أن لا إله إلا الله، يعني: أُقِرُّ وأعترف أنه لا معبود حقّ إلا الله، "لا إله إلا الله" معناها: لا معبود حقّ إلا الله، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62]، فتشهد يقينًا أن الله سبحانه هو المعبود الحقّ، لا إله غيره، وأن جميع الآلهة التي يعبدها الناس من دون الله كلها باطلةٌ، من أصنامٍ وأشجارٍ وأحجارٍ، وغير ذلك.
وهكذا عُبَّاد الملائكة، عُبَّاد الرسل، عُبَّاد الجنِّ، كل هذه عبادات باطلة، والرسل بُرَآء منهم، الرسل والملائكة بُرَآء ممن عبدهم، وهكذا كل صالحٍ بريءٌ ممن عبده، فالعبادة حقّ الله وحده، لا تجوز لغيره.
وبعد هذا التَّشهد مثلما قال ﷺ تختار الدعاء، تُصلي على النبي ﷺ وتدعو، ثم قال ﷺ: وَلْيَخْتَرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو.
أما التَّشهد الأول إذا فرغ من الشهادتين قام إلى الثالثة، والأفضل أن يُصلي على النبي ﷺ، ثم يقوم إلى الثالثة؛ لأن حديث الصلاة عامٌّ، يعمُّ التَّشهد الأول والآخر، فالأفضل والأحوط أن يُصلي على النبي ﷺ في التَّشهد الأول، ثم يقوم إلى الثالثة، وإن ترك ذلك فلا حرج.
أما في التَّشهد الأخير فهو واجبٌ عند قومٍ، وركنٌ عند آخرين، فلا يترك ذلك، في التَّشهد الأخير يأتي بالصلاة على النبي ﷺ، ثم يأتي بالدعاء بعد ذلك؛ لأن تقديم الثناء على الله ثم الصلاة على النبي ﷺ من أسباب الإجابة؛ من أسباب إجابة الدعاء.
وفَّق الله الجميع، وتقبل من الجميع.
س: يا شيخ، حديث: مَن غسَّل ميتًا فليغتسل، ومَن حمله فليتوضأ؟
ج: حديثٌ ضعيفٌ.
س: زيادة: "وحده لا شريك له"؟
ج: هذه من زيادة ابن عمر، موقوفةٌ، السُّنة أن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ولو زادها ما تضرّ؛ لأن معناها صحيحٌ كما فعل ابن عمر.
س: .......؟
ج: يُستحب الغُسل لمَن غسَّل الميت من أدلةٍ أخرى، ما هو منها هذا الحديث، من حديث عائشة وغيره: أن النبي ﷺ كان يغتسل من غسل الميت، وقصة أسماء بنت عُميس لما غسلت الصديق، كان في يومٍ شَاتٍ –بارد- فسألت الصحابة عن الغُسل فقالوا: لا؛ لأجل البرد، من أجل الخوف عليها.
فالحاصل: إذا غسل الميت يُستحب له الغسل؛ لحديث عائشة: أنه كان يغتسل من غسل الميت، أما حديث: مَن غسَّل ميتًا فليغتسل بهذا الأمر، ومَن حمله فليتوضأ فهذا لا يثبت.
س: أحسن الله إليكم يا شيخ، قول ابن عمر: وزدتُ فيها: وحده لا شريك له؟
ج: لأنها تبعها، جاءت في أحاديث كثيرةٍ، في أحاديث كثيرةٍ كان النبي ﷺ إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: وحده لا شريك له، يعني: في غير التَّشهد، فمعناها صحيحٌ.
س: قول: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري؟
ج: هذا دعاءٌ عامٌّ، إذا دعا به فلا بأس، إذا دعا به في التَّشهد الأخير: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري"، أي دعاءٍ يدعو به، يقول النبي ﷺ: أما الركوع فَعَظِّمُوا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم، ويقول ﷺ: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء، يُستحب الإكثار من الدعاء في السجود؛ لأنه من مواطن الإجابة، وقت خضوعٍ، السجود خضوعٌ لله وانكسارٌ، فصاحبه حريٌّ بالإجابة.
س: هل يجب على الكافر أن يغتسل إذا أسلم؟
ج: أفضل، أفضل، بعض أهل العلم يُوجبه، لكنه سُنةٌ؛ لأن الرسول ﷺ أمر به بعض الناس، ولم يأمر به بعض الناس، فدلَّ على عدم الوجوب.
س: يا شيخ، زيادة عمر للتَّشهد يكون لها حكم الرفع؟
ج: زيادة كلمة: الزَّاكيات.
س: يكون لها حكم الرفع؟
ج: ما هو بظاهرٍ، قد يكون من اجتهاده ، ما قال: عن النبي ﷺ، أما ابن عباسٍ فقال: عن النبي ﷺ، رواه عن النبي ﷺ: المُباركات، أما هو فما رواه عن النبي ﷺ.
س: أحسن الله إليك ..... هل يكون فضل الجهاد إذا كان فرض عينٍ يختلف عن ..؟
ج: لا، فضل الجهاد النافلة و.....، جهاد التطوع وجهاد الفرض فيه الفضل العظيم.
س: فضلهما واحدٌ، أحسن الله إليك؟
ج: الواجب غير النافلة، الواجب أكثر فضلًا.
س: كيف جهاد الواجب؟ وكيف جهاد النافلة؟
ج: الأصل أن جهاد النافلة فرض كفايةٍ إلا إذا نزل العدو في البلد، أو استَنْفَره الإمام، أو حضر بين الصفين وجب عليه.
س: حتى ولو الحاكم غير ..؟
ج: ولو عنده، ما دام جهادًا في سبيل الله.
س: شيخ، السفر للخارج ما دام أنه مُحرمٌ هل يُقاس عليه بعض البلاد العربية إن كان ظاهرها الكفر؟
ج: يُخْشَى منه، بعض أهل العلم يقيس عليه، يجعلها مثلها، إذا ظهر الكفر، وظهرت المعاصي لم يَجُزِ السفر؛ لأنه خطرٌ على دينه، مَن سافر إلى بلادٍ يرى فيها الكفر والمعاصي، وإن كان فيها مسلمون كثيرون.
س: أحسن الله إليكم يا شيخ، مَن أصبح من الصحابة يقول في التَّشهد: "السلام على النبي" أي معنًى قصده يا شيخ؟
ج: المعنى واحدٌ، بعض الناس .. يُرْوَى عن ابن مسعودٍ أنه بعد موت النبي ﷺ كان يقول: "السلام على النبي"، والمعنى صحيحٌ، لكن الثابت عن النبي ﷺ في تعليمه الصحابة: السلام عليك أيها النبي، ما قال: إذا متُّ غَيِّروا، أو غِبْتُ، دلَّ على أنه يُقال مطلقًا ولو بعد وفاته؛ لأن معنى: عليك أيها النبي استحضاره في قلبك، كأنك تُخاطبه، كأنه حاضرٌ؛ لأنه أبلغ في السلام عليه، عليه الصلاة والسلام.
س: شيخ، أحسن الله عملك، القول في النشيد الوطني: عاش الملك للعلم والوطن؟
ج: لا، ما .....
س: يقولونه في ابتداء المدارس؟
ج: ما ..... لو قال: عاش للجهاد في سبيل الله، عاش لنصر الدين؛ يكون أطيب.
س: لكنه حرامٌ هذا؟
ج: هذه عادةٌ ما لها وجهٌ، كلمةٌ ما هي بشرعيةٍ، لكن معناها مثل: طوَّل اللهُ عمرَك، يعني: "عاش الملك" دعاءٌ بطول العمر.
س: تكون من ألفاظ الكراهة، أحسن الله إليك؟
ج: أقلّ أحوالها الكراهة.
س: قول: للعلم والوطن؟
ج: يعني: للجهاد، عاش للجهاد وحفظ الوطن، هذا مُرادهم، صالح الوطن، لكن لو قال: "عاش لنصر دين الله" يكون أوضح، أَبْيَن، عاش لحفظ الدين، عاش لنصر الله، عاش للجهاد في سبيل الله.
س: يعني: ما يُنْكَر عليه، أحسن الله إليك؟
ج: لا، ينبغي أن تُغير العبارة، ينبغي للمسؤولين أن يُغيروا العبارة؛ يكون أوضح.