01 من حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.

قال الإمام النَّووي رحمه الله تعالى في كتابه "الأربعون النووية":

الحديث الأول

عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. متفقٌ عليه.

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فهذه "الأربعون النووية" أحاديث عظيمةٌ من جوامع الكلم، وهي اثنان وأربعون حديثًا، وكمَّلها ابن رجب رحمه الله -الحافظ- بثمانيةٍ فصارت خمسين من جوامع الكلم، جمع أحاديث عظيمةً مهمةً من جوامع الكلم، جديرٌ بأن تُحفظ، جديرٌ بحقِّ الطلبة أن يحفظوها؛ لأنها مهمةٌ ومفيدةٌ جدًّا.

أولها وأعظمها من جهة المعنى هذا الحديث: الأعمال بالنيات حديث عمر بن الخطاب الفاروق ، الخليفة الراشد الثاني ..... المتوفى سنة 23 من الهجرة -في ذي الحجة سنة 23- شهيدًا ، وهو أفضل الصحابة بعد الصِّدِّيق .

يقول: إنه سمع النبي ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، هذا حديثٌ عظيمٌ.

قال بعض أهل العلم: إنه نصف الدِّين؛ لأن الشرع نصفان: نصفٌ يتعلق بالقلوب، ونصفٌ يتعلق بالظاهر.

وهذا يتعلق بالقلوب، والشرائع الأخرى تتعلق بالظاهر: الصلاة، والزكاة، والصيام، وغير ذلك تتعلق بالظاهر، مع ما في القلوب، فهذا يتعلق بالقلوب، وأنه هو الأساس، ما في القلب هو الأساس.

فلو صلَّى وهو ما نوى الصلاة، أو صام وما نوى الصيام، أو زكَّى وما نوى الزكاة، أو حجَّ وما نوى الحجَّ، أو فعل أعمالًا بغير نيةٍ ..... فلا تصير عبادةً، لا بد من النية: إنما الأعمال هذا حصرٌ إنما الأعمال بالنيات، وله شواهد.

هذا حديثٌ فردٌ، لكن له شواهد، مثل: حديث: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ ..... ومثل: قوله ﷺ: إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وأدلةٌ كثيرةٌ تدل على عظم شأن القلب وما يتعلق بالقلب، لكن هذا الحديث خُصَّ بهذا: إنما الأعمال بالنيات يعني: صحةً وفسادًا وقبولًا وردًّا.

وعظم الثواب وقِلة الثواب حسبما في القلوب من الإخلاص لله، والصدق، والرغبة فيما عند الله، مع ما يترتب على ذلك.

وإنما لكل امرئٍ ما نوى ليس له إلا ما نوى، إن نوى بعبادته وجه الله فله ما نوى، وإن نوى رياء الناس فله ما نوى، وهذا يُوجب الإخلاص في الأعمال، وأن المؤمن يُلاحظ قلبه في كل أعماله: إذا صلَّى، إذا صام، إذا اتَّبع جنازةً، إذا عاد مريضًا، إذا باع واشترى، إلى غير ذلك، تكون له نيةٌ صالحةٌ في تصرفاته وأعماله، يريد وجه الله والدار الآخرة، يريد ما أحلَّ الله، وترك ما حرَّم الله، يريد الأجر في كذا وكذا، وهكذا، يتبع الجنازة يريد الأجر، لا رياء، ولا سمعة، يُصلي يريد وجه الله، يصوم يريد وجه الله، يُؤدِّي الزكاة يريد وجه الله، إلى غير ذلك.

قال بعضهم: إنه شطر الدين. كما تقدم.

والشطر الآخر حديث عائشة: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ، ومَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ، هذا يتعلق بالأمر الظاهر والحكم الظاهر، وأنه لا بدَّ من مُوافقة الشرع.

فالدين ينقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالنية، وهو في حديث عمر.

وقسم يتعلق بالظاهر، وهو حديث عائشة رضي الله عنها ..... مما يتعلق بتحريم البدع، وأنه لا بد أن تكون الأعمال على وَفْق الشرع.

شرط العمل أمران: أن يكون لله، وأن يكون مُوافقًا للشرع.

فالذي لله داخلٌ في قوله: شهادة أن لا إله إلا الله.

والذي يُوافق الشرع داخلٌ في شهادة: أن محمدًا رسول الله.

فلا بد أن يكون العمل مُوافقًا لـ: لا إله إلا الله، ومُوافقًا لشهادة: أن محمدًا رسول الله، يكون فيه الإخلاص، ويكون فيه المُوافقة للشرع.

هكذا جميع أعمال العبادة، جميع التَّعبدات إن كانت لغير الله كانت شركًا، وإن كانت على غير الشريعة صارت بدعةً.

فلا بد في العمل الذي يتقرب به الإنسان ويتعبد به لا بد أن يكون لله، ولا بد أن يكون مُوافقًا للشريعة، كما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا هذا مُوافقة الشرع، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] هذا الإخلاص، لا بد من مُوافقة الشرع، ولا بد أن يكون لله وحده.

ولا تكون الأعمال صالحةً ولا ..... ولا مقبولةً إلا بالشرطين: أن تكون لله، وأن تكون مُوافقةً للشريعة.

ثمَّ مثَّل النبي ﷺ بمثالٍ فقال: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه هذا مثلٌ.

الناس يُهاجرون إلى بلاد التوحيد مثلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وبعد ذلك من بلاد الشرك إلى بلاد التوحيد.

فمَن كانت هجرته من أجل الله –يعني: فارًّا بدينه من الشرك والكفار- فهذا هجرته إلى الله، هذا صادقٌ مع الله، هجرته صحيحةٌ إلى الله ورسوله ﷺ.

ومَن كانت هجرته لدنيا يُصيبها؛ انتقل من بريطانيا أو من أمريكا أو كذا إلى بلاد الإسلام الأخرى لدنيا؛ لأجل الدنيا، ما هو لأجل سلامة دينه، ولأجل الدِّين، أو يريد أن يتزوج امرأةً في بلدٍ انتقل إليها، أو لمقاصد أخرى غير الدِّين، فهذا هجرته لما هاجر إليه، لا يكون مُهاجرًا؛ لأنه إنما هاجر لهذا القصد الذي حمله على الانتقال؛ ليبيع ويشتري، لِيَتَّجِرَ، ليتزوج، ليُقابل إنسانًا، هذا ما هاجر، هذه ما هي بهجرةٍ.

الهجرة: أن ينتقل من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام بنيةٍ صالحةٍ، بنية الفرار بدينه، والسلامة لدينه.

وهكذا بقية الأمور: كونه يحجّ يريد وجه الله، يعتمر يريد وجه الله، يتبع جنازةً يريد وجه الله، يُصلي عليها يريد وجه الله، يُخْرِج المال ويُعطيه الفقراء يريد وجه الله، لا رياء، ولا سُمعة، يترك الطعام والشراب بنية الصوم لوجه الله، إلى غير ذلك.

وفَّق الله الجميع.