القارئ:
كتاب الإيمان وشرائعه
ذكر أفضل الأعمال
٤٩٨٥- حدثنا أبو عبدالرحمن أحمد بن شُعَيبٍ من لفظه قال: أنبأنا عمرو بن عليٍّ قال: حدثنا عبدالرحمن قال: حدثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله ورسوله.
٤٩٨٦- أخبرنا هارون بن عبدالله قال: حدثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قال: حدثنا عثمان بن أبي سليمان، عن عليٍّ الأزدي، عن عبيدالله بن عُمَيرٍ، عن عبدالله بن حُبْشِي الخَثْعَمي: أن النبي ﷺ سُئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمانٌ لا شكَّ فيه، وجهادٌ لا غُلُول فيه، وحَجَّةٌ مَبْرُورةٌ.
٤٩٨٧- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن طَلْق بن حبيبٍ، عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ في الله، وأن يُبْغِضَ في الله، وأن تُوقد نارٌ عظيمةٌ فيقع فيها أحبّ إليه من أن يُشْرِك بالله شيئًا.
الشيخ: وهذا خرَّجه الشيخان في الصحيحين، لكن فيه زيادة: وطعمه.
في الصحيحين: ثلاثٌ مَن كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرء لا يُحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقْذَف في النار.
فالمعنى مثلما ذكره المؤلف بزيادة: وطعمه.
وفي الحديث الآخر -حديث العباس بن عبدالمطلب عند مسلمٍ-: ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا عليه الصلاة والسلام.
القارئ:
حلاوة الإيمان
٤٩٨٨- أخبرنا سُويد بن نصرٍ قال: حدثنا عبدالله، عن شعبة، عن قتادة قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يُحدِّث عن النبي ﷺ أنه قال: ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: مَن أحبَّ المرء لا يُحبه إلا لله ، ومَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومَن كان أن يُقْذَف في النار أحبَّ إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه.
الشيخ: الله أكبر، الله أكبر.
القارئ:
حلاوة الإسلام
٤٩٨٩- أخبرنا علي بن حُجْرٍ قال: حدثنا إسماعيل، عن حُميدٍ، عن أنسٍ ، عن النبي ﷺ أنه قال: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإسلام: مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومَن أحبَّ المرء لا يُحبه إلا لله، ومَن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يُلْقَى في النار.
باب: نَعْت الإسلام
٤٩٩٠- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا النَّضر بن شُمَيْلٍ قال: أنبأنا كَهْمَسُ بن الحسن قال: حدثنا عبدالله بن بُريدة، عن يحيى بن يَعْمَر: أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى رسول الله ﷺ، فأسند رُكبتيه إلى رُكبتيه، ووضع كَفَّيه على فخذيه، ثم قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤْتِي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلًا، قال: صدقتَ، فَعَجِبْنَا إليه: يسأله ويُصدِّقه! ثم قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله؛ خيره وشرِّه، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأَمَةُ رَبَّتها، وأن ترى الحُفَاة العُرَاة العَالَة رعاء الشَّاء يتطاولون في البُنيان.
قال عمر : فَلَبِثْتُ ثلاثًا، ثم قال لي رسول الله ﷺ: يا عمر، هل تدري مَن السائل؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل عليه الصلاة والسلام أتاكم لِيُعَلِّمكم أمر دينكم.
الشيخ: عبَّر عن الإسلام بالأعمال الظاهرة، وعبَّر عن الإيمان بالأعمال الباطنة، وما ذاك إلا لأن الإسلام هو الخضوع لله والانقياد لشرعه؛ فلهذا سُمي: إسلامًا؛ لأنه خضوعٌ ظاهرٌ بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحجِّ، فالذي أدَّى هذه قد خضع لله، وانقاد لشرعه، وأظهر دينه، لكن هذا الانقياد لا بد معه من الإيمان الباطني؛ ولهذا جاءت أركان الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر، فلا يتم لك الإسلام إلا بهذا الإيمان.
فمَن أتى بهما فهو مسلمٌ مؤمنٌ، ومَن لم يأتِ إلا بالأول فهو المنافق، فالمنافق يتظاهر بالإسلام، ولكن قلبه مريضٌ، ليس بمؤمنٍ، فهذا يكون كافرًا، وكفره أشدُّ من الكافر المُعْلِن، ولا يتم إسلام العبد حتى يأتي بالإيمان والإسلام جميعًا، الإيمان الباطن؛ الإيمان بالله، وأنه ربه ومعبوده الحقّ، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وبالقدر: خيره وشرِّه.
وإذا أتى بالإحسان كَمُلَ، صار إيمانًا ظاهرًا وباطنًا، ثم أحسن مع هذا بأن عَبَدَ الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، يكون هذا أكمل، يكون عمله حينئذٍ أكمل وأتمَّ باستحضاره أنه يرى الله، أو باستحضاره أن الله يراه ويُشاهده.
القارئ:
صفة الإيمان والإسلام
٤٩٩١- أخبرنا محمد بن قُدامة، عن جريرٍ، عن أبي فَرْوَة، عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة وأبي ذَرٍّ رضي الله عنهما قالا: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فَبَنَيْنَا له دُكَّانًا من طينٍ كان يجلس عليه.
وإنَّا لجلوسٌ ورسول الله ﷺ في مجلسه، إذ أقبل رجلٌ أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسّها دنسٌ، حتى سلَّم في طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فردَّ عليه السلامَ، قال: أَدْنُو يا محمد؟ قال: ادْنُهْ، فما زال يقول: أَدْنُو مِرَارًا، ويقول له: ادْنُ، حتى وضع يده على رُكبتي رسول الله ﷺ.
قال: يا محمد، أخبرني ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تُشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتحجَّ البيت، وتصوم رمضان، قال: إذا فعلتُ ذلك فقد أسلمتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ، فلما سمعنا قول الرجل: صدقتَ أنكرناه.
قال: يا محمد، أخبرني ما الإيمان؟ قال: الإيمان بالله وملائكته والكتاب والنَّبيين، وتُؤمن بالقدر، قال: فإذا فعلتُ ذلك فقد آمنتُ؟ قال رسول الله ﷺ: نعم، قال: صدقتَ.
قال: يا محمد، أخبرني ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقتَ.
قال: يا محمد، أخبرني متى الساعة؟ قال: فَنَكَسَ، فلم يُجِبْهُ شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجِبْهُ شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجِبْهُ شيئًا، ورفع رأسه فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علاماتٌ تُعْرَف بها؛ إذا رأيتَ الرِّعاء البُهْمَ يتطاولون في البُنْيَان، ورأيتَ الحُفَاة العُرَاة ملوك الأرض، ورأيتَ المرأة تلد ربَّها، خمسٌ لا يعلمها إلا الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].
ثم قال: لا، والذي بعث محمدًا بالحقِّ هدًى وبشيرًا، ما كنتُ بأعلم به من رجلٍ منكم، وإنه لجبريل عليه الصلاة والسلام نزل في صورة دحية الكلبي.
الشيخ: الحديث في الصحيحين؛ في "صحيح مسلم" عن عمر ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ، وله طرقٌ أخرى، حديثٌ عظيمٌ، مشهورٌ في سؤال جبرائيل عليه السلام، لكن هذا الطريق من طريق أبي فَرْوَة يقول المؤلف؟
القارئ: نعم.
الشيخ: والله بعث جبرائيل ليستفيد الناس، لما جلس بين أصحابه ولم يسألوا أرسل الله جبرائيل لهذه الفائدة العظيمة: بيان مرتبة الإسلام والإيمان والإحسان.
فالإسلام: الأعمال الظاهرة؛ لأنها تتضمن الخضوع لله والانقياد لأمره، فَسُميت: إسلامًا؛ لما فيها من الانقياد بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحجِّ، وسائر الأعمال الظاهرة كلها يُقال لها: إسلام، وسَمَّى ما يتعلق بالباطن: إيمانًا، ما يتعلق بالقلوب، ثم ذكر أشراط الساعة.
فما كان من الأعمال الظاهرة صار ألصق بالإسلام، وما كان أخصَّ بالقلوب صار ألصق بالإيمان، من خوف الله ومحبته وتعظيمه والإخلاص له، ونحو ذلك.
ولا إسلام إلا بإيمانٍ، ولا إيمان إلا بإسلامٍ، لا يُقْبَل هذا إلا بهذا، فمَن فقد الإيمان صار مُنافقًا، ومَن فقد الإسلام ما صار مسلمًا حتى يُظهر الإسلام، فلا بدَّ منهما، لا بدَّ من الإسلام الظَّاهر والإيمان الباطن؛ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ، مع الإسلام الظاهر الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وسائر الأعمال الظاهرة من الجهاد وغيره، كله داخلٌ في الإسلام والإيمان.
ولهذا إذا أُطْلِقَ أحدهما دخل فيه الآخر: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19] يدخل فيه الإيمان، والإيمان بضعٌ وسبعون شعبةً يدخل فيه الإسلام، فإذا أُطْلِقَ أحدهما دخل فيه الآخر.
القارئ:
تأويل قوله : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14].
٤٩٩٢- أخبرنا محمد بن عبدالأعلى قال: حدثنا محمدٌ -وهو ابن ثورٍ-: قال معمرٌ: وأخبرني الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى النبي ﷺ رجالًا، ولم يُعْطِ رجلًا منهم شيئًا، قال سعدٌ: يا رسول الله، أعطيتَ فلانًا وفلانًا، ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا وهو مؤمنٌ! فقال النبي ﷺ: أو مسلم، حتى أعادها سعدٌ ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: أو مسلم، ثم قال النبي ﷺ: إني لأُعطي رجالًا، وأدع مَن هو أحبُّ إليَّ منهم، لا أُعطيه شيئًا؛ مخافة أن يُكَبُّوا في النار على وجوههم.
الشيخ: يتألفهم، ناسٌ أعطاهم الله الغنى في قلوبهم والإيمان والتقوى، ما تهمُّهم الدنيا، وناسٌ يهمُّهم هذا الأمر؛ فيُعطيهم ﷺ تأليفًا لقلوبهم؛ مخافةً عليهم من الردة والكفر.
اللهم صلِّ عليه وسلم.
القارئ:
٤٩٩٣- أخبرنا عمرو بن منصورٍ قال: حدثنا هشام بن عبدالملك قال: حدثنا سَلَّام بن أبي مُطِيعٍ قال: سمعتُ مَعْمَرًا، عن الزهري، عن عامر بن سعدٍ، عن سعدٍ : أن رسول الله ﷺ قسم قسمًا، فأعطى ناسًا، ومنع آخرين، فقلتُ: يا رسول الله، أعطيتَ فلانًا، ومنعتَ فلانًا وهو مؤمنٌ! قال: لا تقل: مؤمن، وقل: مسلم، قال ابن شهابٍ: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا.
الشيخ: وهذا يدل على التَّفرقة بين الإسلام والإيمان عند الاقتران، والنبي ﷺ عرف من حاله أنه مسلمٌ، وليس بمؤمنٍ، يعني: ضعيف الإيمان.
مَن أظهر الإسلام وعنده ضعف الإيمان يُسمَّى: مسلمًا، فإذا استكمل الإيمان صار مسلمًا مؤمنًا، وإذا أُطلق أحدهما دخل فيه الآخر: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] عندهم نقصٌ؛ ولهذا كرر عليه النبي ﷺ لما قال: مؤمن، قال: أو مسلم، أو مسلم، ثم بيَّن أنه يُعطي العطايا يتألف الناس، يتألف مَن كان مسلمًا ليس بكامل الإيمان؛ مخافة أن يرتدَّ عن دينه، مخافة أن يقع في شرٍّ من بُخْلِه وشُحِّه وحرصه.
القارئ:
٤٩٩٤- أخبرنا قُتيبة قال: حدثنا حمادٌ، عن عمرٍو، عن نافع بن جُبير بن مُطْعِمٍ، عن بشر بن سُحَيْمٍ: أن النبي ﷺ أمره أن يُنادي أيام التَّشريق: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمنٌ، وهي أيام أكلٍ وشُرْبٍ.
الشيخ: الله أكبر، يعني: أيام التَّشريق أيام أكلٍ وشُرْبٍ ونحرٍ كذلك: "أنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مُؤمنةٌ".
المسلم قد تكون عنده معاصٍ، وقد يُحبس عن الجنة وقتًا، ثم يدخل الجنة.
يعني: المؤمن الذي كمل إيمانه يدخل الجنة من أول وهلةٍ، أما المسلم فقد تكون عنده معاصٍ فيُوقَف، كما قال تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فقد يُعْفَى عنه ويدخل الجنة، وقد يُعَذَّب على قدر معاصيه.
س: يعني: مقصوده في الترجمة الإطلاق، يعني: إطلاق الإيمان؟
ج: نعم.
س: في الحجِّ هذا ولا ...؟
ج: في الحجِّ، هذا في حَجَّة أبي بكرٍ أمرهم أن يُنادوا.
القارئ:
صفة المؤمن
٤٩٩٥- أخبرنا قُتيبة قال: حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: المسلم مَن سَلِمَ الناسُ من لسانه ويده، والمؤمن مَن أَمِنَهُ الناسُ على دمائهم وأموالهم.
الشيخ: المؤمن الكامل –يعني- المؤمن الكامل، الله المستعان، في سنده الليث.
س: أحسن الله إليك، يدل على أن الإسلام قد يكون ناقصًا وكاملًا، وكذلك الإيمان؟
ج: ما في شكّ.
القارئ:
صفة المسلم
٤٩٩٦- أخبرنا عمرو بن عليٍّ قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل، عن عامرٍ، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمُهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه.
الشيخ: يعني: المسلم الكامل، والمُهاجر الكامل.
الله أكبر، الله أكبر.
وجاء في الحديث الآخر: أي الإسلام أفضل؟ قال: أن تُطْعِمَ الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف.
القارئ:
٤٩٩٧- أخبرنا حفص بن عمر قال: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، عن منصور بن سعد، عن ميمون بن سِيَاه، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: مَن صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلكم المسلم.
الشيخ: كما جاء معناه في حديث أنسٍ عند البخاري.
القارئ:
حُسن إسلام المرء
٤٩٩٨- أخبرني أحمد بن المُعَلَّى بن يزيد قال: حدثنا صفوان بن صالحٍ قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مالكٌ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أسلم العبد فَحَسُنَ إسلامه كتب الله له كل حسنةٍ كان أَزْلَفَها، ومُحِيَتْ عنه كل سيئةٍ كان أَزْلَفَها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعفٍ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها.
الشيخ: ومعنى: حسن إسلامه يعني: تاب من كل شيءٍ، أسلم وتاب من كل شيءٍ، أسلم من الشرك، وتَرَكَ الخمر إن كان يشربه، وترك الربا إن كان يعمله، وهكذا، يعني: أسلم إسلامًا كاملًا؛ فإنه يُغْفَر له ما قد سلف.
أما إن كان أسلم من الشرك، ولكن بقي على أعماله السيئة؛ فيُؤخذ بالأول والآخر.
القارئ:
أيّ الإسلام أفضل؟
٤٩٩٩- أخبرنا سعيد بن يحيى بن سعيدٍ الأموي، عن أبيه قال: حدثنا أبو بُرْدَة -وهو بُريد بن عبدالله بن أبي بُرْدَة- عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى قال: قلنا: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: مَن سلم المسلمون من لسانه ويده.
س: مَن أحسن في الإسلام ألا يدخل في: الإسلام يَجُبُّ ما قبله؟
ج: نعم.
س: أو يُزاد على هذا تبديل السيئات حسنات؟
ج: الإسلام يهدم ما قبله من الشرك، والمعاصي التي ما تاب منها تبقى، وإذا تاب من كل شيءٍ، وأسلم من كل شيءٍ؛ عفا الله عن الجميع .
القارئ:
أيّ الإسلام خيرٌ؟
٥٠٠٠- أخبرنا قُتيبة قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخير، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أيّ الإسلام خيرٌ؟ قال: تُطْعِم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف.
الشيخ: وهذا في الصحيحين، الله أكبر، الله أكبر.
س: أحسن الله إليك، عامٌّ السلام أم على المسلمين فقط؟
ج: نعم؟
س: في بعض الألفاظ يقول: من المسلمين، فعامٌّ أم على المسلمين فقط السلام؟
ج: يعني: على المسلمين، البدء على المسلمين: على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف يعني: من المسلمين، أما الكفَّار فلا يُبْدَؤُون.
س: الفرق -أحسن الله إليك- بين: أيّ الإسلام أفضل؟ وأيّ الإسلام خيرٌ؟
ج: المعنى واحدٌ، لكن مقصود المؤلف بيان الروايات، بيان اختلاف الروايات.
س: الأولى: أيّ الإسلام خيرٌ؟ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والثانية: تُطْعِم الطعام، وتقرأ السلام؟
ج: المعنى واحدٌ: أيّ الإسلام خيرٌ؟ أو أيّ الإسلام أفضل؟ كله.
القارئ:
على كم بُنِيَ الإسلام
٥٠٠١- أخبرنا محمد بن عبدالله بن عمار قال: حدثنا المُعافى -يعني: ابن عمران- عن حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا قال له: ألا تغزو؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصيام رمضان.
الشيخ: يعني: ليس الجهاد ركنًا من أركان الإسلام، لكن فيه الفضل العظيم، والخير الكثير.
القارئ:
البيعة على الإسلام
٥٠٠٢- أخبرنا قتيبة قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصَّامت قال: كنا عند النبي ﷺ في مجلسٍ، فقال: تُبايعوني على ألا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا قرأ عليهم الآية فمَن وَفَّى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فَسَتَرَهُ الله فهو إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له.
الشيخ: وإن أدركه الله في الدنيا كان كفَّارةً له، فالحدود كفَّارةٌ لأهلها، ومَن ستره الله فأمره إلى الله.
القارئ:
على ما يُقَاتَل الناس
٥٠٠٣- أخبرنا محمد بن حاتم بن نعيمٍ قال: أنبأنا حبان قال: أنبأنا عبدالله، عن حُميدٍ الطَّويل، عن أنس بن مالكٍ : أن رسول الله ﷺ قال: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلّوا صلاتنا؛ فقد حَرُمَتْ علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقِّها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
الشيخ: والأحاديث يُفسر بعضُها بعضًا، المقصود –يعني- إذا دخل في الإسلام والتزمه؛ ولهذا في حديث ابن عمر في الصحيحين: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام.
وفي حديث أبي هريرة وجماعةٍ: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، فالمعنى واحدٌ، لكن في بعض الروايات زيادة تفسيرٍ وإيضاحٍ، وفي بعضها اختصارٌ.
وحقوق الإسلام داخلةٌ في: إلا بحقِّ الإسلام، إلا بحقِّها، فإذا قال: "لا إله إلا الله" لا بد من أن يأتي بحقِّها من صلاةٍ وغيرها، فإذا لم يأتِ بحقِّها من الواجبات أُخِذَ بما ترك، وإن مات على ذلك فأمره إلى الله.
فإذا شهد الشهادتين قيل: صَلِّ، وإذا صلَّى قيل له: أَدِّ الزكاة، وإذا أدَّى الزكاة قيل له: أَدِّ الصيام، وهكذا، يُؤْمَر بحقوق الإسلام كلها من حقِّ "لا إله إلا الله"؛ ولهذا قال الصديقُ لعمر رضي الله عنهما: أليست الزكاة من حقِّها؟
س: أحسن الله إليك، بعض الناس يريد إفشاء السلام، لكن يرى بعض الناس مظاهرهم وألبستهم كألبسة الكفار، فهل يُسلم عليهم وهو ما يدري هل هم مسلمون أو غير مسلمين؟
ج: الرسول ﷺ قال: مَن عرفتَ ومَن لم تعرف ..... قال: أن تقرأ السلام على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف، ما دام لم يعرفه يُسلم -والحمد لله- لعل الله يهديه بذلك.
القارئ:
ذِكْر شُعَب الإيمان
٥٠٠٤- أخبرنا محمد بن عبدالله بن المبارك قال: حدثنا أبو عامرٍ قال: حدثنا سليمان -وهو ابن بلالٍ- عن عبدالله بن دينارٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: الإيمان بضعٌ وسبعون شُعبةً، والحياء شُعبةٌ من الإيمان.
٥٠٠٥- أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا أبو داود، عن سفيان قال: وحدثنا أبو نُعيمٍ قال: حدثنا سفيان، عن سُهيلٍ، عن عبدالله بن دينارٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الإيمان بضعٌ وسبعون شُعبةً، أفضلها: لا إله إلا الله، وأوضعها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبةٌ من الإيمان.
الشيخ: "وأوضعها" يعني: وأدناها، هذا رواه مسلمٌ في "الصحيح" أيضًا بهذا اللفظ: أفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق.
وهذا يُبين لنا أن هذه الكلمة هي أفضل الكلام، وهي "لا إله إلا الله"، فالشهادتان هما أفضل الكلام، ثم تليهما الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحجّ، فأفضل هذا الدين وأعظمه وأهمّه وأصله: الشهادتان؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ ولهذا جاءت الأحاديث تُعلق العصمة بذلك، ثم بعدها الصلاة.
ولما بعث النبي ﷺ مُعاذًا إلى اليمن أمره بهذا -كما في الصحيحين- قال: إنك تأتي قومًا أهل كتابٍ، فَادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فَأَعْلِمْهُم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ.
فَعُلِمَ بذلك أن هاتين الشهادتين هما أصل الدين، هما أساس المِلَّة، لا يُطْلَب شيءٌ قبل ذلك.
فإذا التزم الإنسان بهاتين الشهادتين فإنه يُطْلَب بعد هذا منه الصلاة وغيرها.
ولا بد من معناهما، لا بد من توحيد الله والإخلاص له، وترك الإشراك به، ولا بد من الالتزام باتباع الرسول ﷺ، والإيمان بأنه رسول الله، لا يكفي مجرد اللفظ، لا بد من الإيمان بأنه رسول الله، والصدق في ذلك، وإلا كان مُنافقًا.
القارئ:
٥٠٠٦- حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا خالدٌ -يعني: ابن الحارث- عن ابن عجلان، عن عبدالله بن دينار، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: الحياء شُعبةٌ من الإيمان.
تفاضل أهل الإيمان
٥٠٠٧- أخبرنا إسحاق بن منصورٍ وعمرو بن عليٍّ، عن عبدالرحمن قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن شُرَحْبِيل، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: مُلِئَ عمارٌ إيمانًا إلى مُشَاشِه.
الشيخ: ، وقد صبر على الأذى في مكة، عُذِّبَ وصبر حتى قُتِلَ شهيدًا : تقتل عمَّارًا الفئة الباغية، رضي الله عنه وأرضاه، ولقوة إيمانه صبر على الأذى في مكة الصبر العظيم، اللهم ارضَ عنه.
القارئ:
٥٠٠٨- أخبرنا محمد بن بشارٍ قال: حدثنا عبدالرحمن قال: حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ قال: قال أبو سعيدٍ : سمعتُ رسول الله ﷺ قال: مَن رأى منكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
الشيخ: وهذا معروفٌ، رواه مسلمٌ في "الصحيح"، فالإنسان عليه إنكار المنكر بيده حسب الطاقة: كالأمير، والسلطان، وربِّ البيت، وأشباههم ممن لهم سلطانٌ، وكالهيئة التي قد أُعْطِيَتْ سلطانًا بقيوده تعمل بما عندها، ومَن ليس له سلطانٌ أنكر بلسانه، فإن عجز فبقلبه، الكراهة بالقلب، ومُغادرة المكان الذي فيه المنكر.
القارئ:
٥٠٠٩- حدثنا عبدالحميد بن محمدٍ قال: حدثنا مَخْلَدٌ قال: حدثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ قال: قال أبو سعيدٍ : سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن رأى مُنكرًا فَغَيَّرَهُ بيده فقد بَرِئَ، ومَن لم يستطع أن يُغيره بيده فَغَيَّرَهُ بلسانه فقد بَرِئَ، ومَن لم يستطع أن يُغَيِّره بلسانه فَغَيَّره بقلبه فقد بَرِئَ، وذلك أضعف الإيمان.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه.
٥٠١٠- أخبرنا محمد بن رافعٍ قال: حدثنا عبدالرزاق قال: أنبأنا معمرٌ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: ما مُجادلة أحدكم في الحقِّ يكون له في الدنيا بأشدَّ مُجادلةً من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أُدْخِلُوا النار، قال: يقولون: ربنا، إخواننا كانوا يُصلون معنا، ويصومون معنا، ويَحُجُّون معنا، فأدخلتَهم النار، قال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا مَن عرفتم منهم، قال: فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، فمنهم مَن أخذته النارُ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم مَن أخذته إلى كَعْبَيْهِ، فيُخرجونهم، فيقولون: ربنا، قد أخرجنا مَن أمرتنا، قال: ويقول: أخرجوا مَن كان في قلبه وزن دينارٍ من الإيمان، ثم قال: مَن كان في قلبه وزن نصف دينارٍ، حتى يقول: مَن كان في قلبه وزن ذرةٍ.
قال أبو سعيدٍ : فمَن لم يُصدق فليقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ إلى عَظِيمًا [النساء:48].
الشيخ: وهذا سندٌ صحيحٌ عن أبي سعيدٍ، يدل على شفاعة المؤمنين في إخوانهم الذين دخلوا النار، وهذا حقٌّ، يشفع النبي ﷺ، ويشفع المؤمنون، ويشفع الأفراط، ولا بد أن تكون لهم علاماتٌ، يُعطيهم اللهُ علاماتٍ يعلمون بها مثاقيل الذَّر التي في قلوبهم من الإيمان؛ لأنهم ماتوا على التوحيد، ولكن المعاصي تُضْعِفه؛ تُضْعِف هذا التوحيد، وتُضْعِف هذا الإيمان حتى دخلوا النار، نسأل الله العافية.
س: أحسن الله إليك، يعني: هؤلاء الذين لم يَشَأ اللهُ مغفرة ذنوبهم؟
ج: نعم، الذين دخلوا النار بذنوبهم، ولم يَشَأ سبحانه أن يغفر لهم ويعفو عنهم قبل دخولهم النار، ودخلوا في قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
س: سيئاتهم ترجح على حسناتهم؟
ج: رَجَحَتْ سيئاتهم على حسناتهم، نعم، نسأل الله العافية.
س: يعني: هؤلاء الذين يكونون تحت المشيئة، أحسن الله إليك؟
ج: نعم، تحت المشيئة، ولكن الله شاء دخولهم النار لمعاصيهم؛ لعظم معاصيهم.
س: والذين أراد الله مغفرة ذنوبهم؟
ج: لعله لأسبابٍ أخرى: إما لقلتها، وإما لأسبابٍ أخرى.
س: ولا ترجح السيئات؟
ج: ولو رَجَحَتْ سيئاتهم، إذا رأى سبحانه فالأمر إليه جلَّ وعلا، قد يعفو عنهم لأسبابٍ أخرى؛ لأن الله أطلق قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، فالأمر راجعٌ إلى مشيئته .
القارئ:
٥٠١١- أخبرنا محمد بن يحيى بن عبدالله قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ قال: حدثني أبو أُمامة بن سهلٍ: أنه سمع أبا سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: بَيْنَا أنا نائمٌ رأيتُ الناس يُعْرَضُون عليَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يبلغ الثُّدِيَّ، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يَجُرُّه، قالوا: فماذا أَوَّلْتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين.
الشيخ: ، فاللباس يُفَسَّر بالدين؛ كما قال تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].
هذه منقبةٌ لعمر رضي الله عنه وأرضاه، وكان من أكمل الناس دينًا، وأكمل الصحابة دينًا، وأفضلهم وأعظمهم شأنًا بعد الصديق رضي الله عن الجميع.
القارئ:
٥٠١٢- أخبرنا أبو داود قال: حدثنا جعفر بن عونٍ قال: حدثنا أبو عُمَيْسٍ، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى عمر بن الخطاب ، فقال: يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تَقْرَؤُونها، لو علينا معشر اليهود نَزَلَتْ لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أيّ آيةٍ؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
الشيخ: انظر إلى الخبيث: "في كتابكم" وهو كتاب الله الذي نزل للجميع، كتابنا للجميع: للعرب والعجم جميعًا، لكن خُبْثَهم خُبْث اليهود، نسأل الله العافية.
القارئ:
فقال: يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تَقْرَؤُونها، لو علينا معشر اليهود نَزَلَتْ لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أيّ آيةٍ؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. فقال عمر : إني لأعلم المكان الذي نزلتْ فيه، واليوم الذي نزلتْ فيه؛ نزلتْ على رسول الله ﷺ في عرفاتٍ في يوم جمعةٍ.
الشيخ: وكلاهما عيدٌ للمسلمين، كلاهما عيدٌ للمسلمين -والحمد لله- عرفة عيدٌ، والجمعة عيدٌ، الله أكبر، والحمد لله.
القارئ:
علامة الإيمان
٥٠١٣- أخبرنا حُميد بن مَسْعَدَة قال: حدثنا بشرٌ -يعني: ابن المُفَضَّل- قال: حدثنا شعبة، عن قتادة: أنه سمع أنسًا يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه وسلم، اللهم صلِّ عليه وسلم.
القارئ:
٥٠١٤- أخبرنا الحسين بن حُرَيْثٍ قال: أنبأنا إسماعيل، عن عبدالعزيز. ح، وأنبأنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبدالوارث قال: حدثنا عبدالعزيز، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ماله وأهله والناس أجمعين.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه وسلم، اللهم صلِّ عليه وسلم.
القارئ:
٥٠١٥- أخبرنا عمران بن بكار قال: حدثنا علي بن عيَّاش قال: حدثنا شُعَيْبٌ قال: حدثنا أبو الزِّناد مما حدَّثه عبدالرحمن بن هُرْمُز مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يُحدِّث به عن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه، اللهم صلِّ عليه وسلم.
القارئ:
٥٠١٦- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا النَّضر قال: حدثنا شعبة. ح، وأنبأنا حُميد بن مَسْعَدَة قال: حدثنا بشرٌ قال: حدثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعتُ أنسًا يقول: قال رسول الله ﷺ. وقال حُمَيد بن مَسْعَدَة في حديثه: إن نبيَّ الله ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه.
س: تفسير معنى: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه يعني: في تقديم أمره أو ...؟
ج: على ظاهر الرواية: أحبّ إليه مما سواهما يعني: من كمال الإيمان ألا يُؤْثِرَ أبًا أو زوجةً أو ولدًا أو مالًا على مَرَاضِي الله ومَحَابِّ الله ، فإذا آثر شيئًا صار نقصًا في محبته لله، كالزنا، والعقوق، وأشباه ذلك -نسأل الله العافية- .....
المقصود أن كل ما ينقص الإيمان ومحبة الله يكون نقصًا في إيمانه.
يعني: من محبة الله: أن يُحبَّ مَحَابَّه بأداء طاعته، وأن يكره ما يكره من المعاصي، فإذا آثر هواه صار نقصًا في إيمانه، ونقصًا في محبته لله.
القارئ:
٥٠١٦- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا النَّضر قال: حدثنا شعبة. ح، وأنبأنا حُميد بن مَسْعَدَة قال: حدثنا بشرٌ قال: حدثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعتُ أنسًا يقول: قال رسول الله ﷺ. وقال حُمَيد بن مَسْعَدَة في حديثه: إن نبيَّ الله ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه.
الشيخ: كذلك من كمال الإيمان: أن يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه، ولكن مَن يقوم بهذا؟! والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا نفي الإيمان الواجب، يعني: نفي كماله الواجب.
القارئ:
٥٠١٧- أخبرنا موسى بن عبدالرحمن قال: حدثنا أبو أسامة، عن حسين -وهو المُعَلِّم- عن قتادة، عن أنسٍ : أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفس محمدٍ بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه من الخير.
٥٠١٨- أخبرنا يوسف بن عيسى قال: أنبأنا الفضل بن موسى قال: أنبأنا الأعمش، عن عديٍّ، عن زِرٍّ قال: قال عليٌّ : إنه لعهد النبي الأُمي ﷺ إليَّ أنه لا يُحبك إلا مؤمنٌ، ولا يُبْغِضُك إلا مُنافقٌ.
الشيخ: رضي الله عنه.
القارئ:
٥٠١٩- أخبرنا إسماعيل بن مسعودٍ قال: حدثنا خالدٌ -يعني: ابن الحارث- عن شعبة، عن عبدالله بن عبدالله بن جُبيرٍ، عن أنسٍ ، عن النبي ﷺ أنه قال: حُبُّ الأنصار آية الإيمان، وبُغْضُ الأنصار آية النِّفاق.
علامة المنافق
٥٠٢٠- أخبرنا بشر بن خالدٍ قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن عبدالله بن مُرَّة، عن مسروقٍ، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: أربعةٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقًا، أو كانت فيه خصلةٌ من الأربع ....
الشيخ: "أربعة" كذا أو أربع؟
القارئ: بالتاء -أحسن الله إليك-: أربعةٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقًا، أو كانت فيه خصلةٌ من الأربع.
الشيخ: لفظ الصحيحين: أربعٌ، أقول: لفظ الصحيحين: أربعٌ يعني: أربع خصالٍ، يعني: أربعة أمورٍ.
القارئ:
الشيخ: نسأل الله العافية.
القارئ:
٥٠٢١- حدثنا علي بن حُجْرٍ قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا أبو سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: آية النفاق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان.
الشيخ: ..... وفي هذا التَّحذير من هذه الخِصَال -خِصَال أهل النِّفاق-: الخيانة في الأمانة، والكذب والغدر في العهود، والخصومة في الكذب، كل هذه من الخِصَال الخبيثة: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان.
وفي الحديث الآخر: وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، نسأل الله العافية.
الواجب الحذر من هذه الخِصَال الذَّميمة، نسأل الله العافية.
القارئ:
٥٠٢١- حدثنا علي بن حُجْرٍ قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا أبو سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: آية النفاق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان.
٥٠٢٢- أخبرنا واصل بن عبدالأعلى قال: حدثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن عدي بن ثابتٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن عليٍّ قال: عهد إليَّ رسول الله ﷺ ألا يُحبَّني إلا مؤمنٌ، ولا يُبْغِضني إلا مُنافقٌ.
الشيخ: رضي الله عنه ورحمه.
القارئ:
٥٠٢٣- أخبرنا عمرو بن يحيى بن الحارث قال: حدثنا المُعَافَى قال: حدثنا زُهيرٌ قال: حدثنا منصور بن المُعْتَمر، عن أبي وائلٍ قال: قال عبدالله : ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهو مُنافقٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا ائتُمِنَ خان، وإذا وعد أخلف، فمَن كانت فيه واحدةٌ منهنَّ لم تزل فيه خصلةٌ من النِّفاق حتى يتركها.
الشيخ: نسأل الله العافية، وهذا يُسمَّى: النفاق العملي، وهو وسيلةٌ إلى النفاق الأكبر.
النفاق العملي إذا اجتمع يُخشى على صاحبه من النفاق الأكبر والردة، نسأل الله العافية.
فالواجب الحذر من هذه الخصال؛ حتى لا تَجُرَّه إلى ما هو أكبر، نعوذ بالله.
فإن النفاق نفاقان: نفاقٌ عمليٌّ، ونفاقٌ اعتقاديٌّ.
ونفاق المنافقين في عهد النبي ﷺ هو النفاق الاعتقادي الذي هو أشرُّ من الكفر، وهكذا مَن تابعهم وتشبه بهم.
والنفاق العملي ما ذكره النبي ﷺ في حديث عبدالله بن عمرٍو وغيره: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان، هذا نفاقٌ عمليٌّ لا يكون به مُرْتَدًّا، ولا يكون له حكم المنافقين النفاق الأكبر، لكنها جرائم عظيمةٌ يُخشى على صاحبها أن يقع في النفاق الأكبر، نسأل الله العافية.
س: أحسن الله إليك، إطلاق عبدالله قول: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهو مُنافقٌ؟
ج: كذلك: أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقًا حديث عبدالله بن عمرٍو، يعني: مُنافقًا النفاق العملي، نسأل الله العافية.
القارئ:
قيام رمضان
٥٠٢٤- أخبرنا قُتيبة قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: مَن قام شهر رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه.
٥٠٢٥- أخبرنا قُتيبة، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ. ح، والحارث بن مسكينٍ -قراءةً عليه وأنا أسمع- عن ابن القاسم قال: حدثني مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن حُميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة : أن النبي ﷺ قال: مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه.
٥٠٢٦- أخبرنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء قال: حدثنا جُويرية، عن مالكٍ، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن وحُميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة : أن النبي ﷺ قال: مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه.
الشيخ: وهذا -مثلما تقدم غير مرةٍ- مُقيدٌ عند أهل العلم بعدم الإصرار على الكبائر، فمَن أَصَرَّ على الكبائر صارتْ مانعةً من المغفرة.
هذا ترغيبٌ في صيام رمضان، وقيام رمضان، وغيره مما يكون فيه تعليق الحكم بالمغفرة مُقيدًا بقوله جلَّ وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، وبقوله ﷺ: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ كفَّاراتٌ لما بينهنَّ إذا اجْتَنَبَ الكبائر رواه مسلمٌ في "الصحيح".
فالواجب الحذر، وألا يَغْتَرَّ الإنسان بالفضائل، ثم يقع في الكبائر، نسأل الله العافية.
يجب الحذر، فإن الكبائر تمنع هذه المغفرة، نسأل الله العافية.
القارئ:
قيام ليلة القدر
٥٠٢٧- حدثنا أبو الأشعث قال: حدثنا خالدٌ -يعني: ابن الحارث- قال: حدثنا هشامٌ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: حدثني أبو هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه.
الزكاة
٥٠٢٨- أخبرنا محمد بن سلمة قال: حدثنا ابن القاسم، عن مالكٍ قال: حدثني أبو سُهيل، عن أبيه: أنه سمع طلحة بن عبيدالله يقول: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ من أهل نجدٍ ثائر الرأس، يُسْمَع دَوِيُّ صوته، ولا يُفْهَم ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، قال له رسول الله ﷺ: خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال رسول الله ﷺ: وصيام شهر رمضان، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه. فقال رسول الله ﷺ: أفلح إن صدق.
الشيخ: هذا هو الواجب بالأصل، وقد يجب شيءٌ بغير الأصل؛ بالنذور، كنذر الصيام أو الصلاة، فالواجب بالنَّذر زائدٌ على هذا.
وهذا إذا أدَّى الواجبات: أفلح إن صدق، إذا أدَّى الواجبات، وابتعد عن المُحرمات: أفلح إن صدق.
القارئ:
الجهاد
٥٠٢٩- أخبرنا قُتيبة قال: حدثنا الليث، عن سعيدٍ، عن عطاء بن مِينَاء، سمع أبا هريرة يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: انتدب الله لمَن يخرج في سبيله -لا يُخْرِجُه إلا الإيمان بي والجهاد في سبيلي- أنه ضامنٌ حتى أُدْخِلَه الجنة بأيِّهما كان: إما بقتلٍ، وإما وفاة، أو أن يردَّه إلى مسكنه الذي خرج منه ينال ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ.
٥٠٣٠- أخبرنا محمد بن قُدامة قال: حدثنا جريرٌ، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: تَضَمَّن الله لمَن خرج في سبيله، لا يُخْرِجه إلا الجهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي؛ فهو ضامنٌ أن أُدْخِلَه الجنة، أو أُرْجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه نال ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ.
الشيخ: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر.
القارئ:
أداء الخُمس
٥٠٣١- أخبرنا قُتيبة قال: حدثنا عبَّادٌ -وهو ابن عبَّادٍ- عن أبي جَمْرَة، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قدم وفد عبدالقيس على رسول الله ﷺ، فقالوا: إنَّا هذا الحي من ربيعة، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فَمُرْنَا بشيءٍ نأخذه عنك وندعو إليه مَن وراءنا. فقال: آمركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ؛ الإيمان بالله ثم فسَّرها لهم شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تُؤدُّوا إليَّ خُمُس ما غَنِمْتُم، وأنهاكم عن الدُّبَّاء، والحَنْتَم، والمُقَيَّر، والمُزَفَّت.
الشيخ: وهذا يُبين لنا أن الإسلام يُسمَّى: إيمانًا، كما يُسمَّى: إسلامًا، يُسمَّى: إيمانًا؛ ولهذا قال: آمركم بالإيمان، ثم قال: أتدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فالأعمال إيمانٌ، وما في القلوب إيمانٌ، كما في حديث جبرائيل: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، فالإيمان في القلوب هو الأصل، والإيمان في الجوارح فرعٌ عن الإيمان في القلوب من الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ والجهاد، كله إيمانٌ ظاهرٌ، إيمانٌ عمليٌّ وقوليٌّ، وما يتعلق بالقلوب هو الأصل، هو الأساس والعقيدة.
فالإسلام يُسمَّى: إيمانًا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، ويُسمَّى: إيمانًا عند الإطلاق.
القارئ:
شهود الجنائز
٥٠٣٢- أخبرنا عبدالرحمن بن محمد بن سَلَّام قال: حدثنا إسحاق -يعني: ابن يوسف بن الأزرق- عن عوفٍ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن اتَّبع جنازة مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا فصلَّى عليه، ثم انتظر حتى يُوضَع في قبره؛ كان له قيراطان، أحدهما مثل أحدٍ، ومَن صلَّى عليه ثم رجع كان له قيراطٌ.
الشيخ: وهذا فيه فضل اتِّباع الجنائز؛ لما فيها من الذكرى، والدعاء للميت، وذِكْر الآخرة، والتَّشجيع على ذلك، فإن اتِّباع الجنائز يُذَكِّر بالموت، ويُذَكِّر بالآخرة، وكان الأجر عليه عظيمًا، فالصلاة عليها بقيراطٍ، والصلاة مع اتِّباع الجنازة حتى يُفْرَغ من دفنها قيراطان، كل قيراطٍ مثل جبل أحدٍ، هذا فضلٌ عظيمٌ كبيرٌ لمَن تبع الجنائز إيمانًا واحتسابًا.
القارئ:
الحياء
٥٠٣٣- أخبرنا هارون بن عبدالله قال: حدثنا مَعْنٌ قال: حدثنا مالكٌ. ح، والحارث بن مسكينٍ -قراءةً عليه وأنا أسمع- عن ابن القاسم قال: أخبرني مالكٌ -واللفظ له- عن ابن شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه : أن رسول الله ﷺ مَرَّ على رجلٍ يَعِظُ أخاه في الحياء، فقال: دَعْهُ؛ فإن الحياء من الإيمان.
الشيخ: يعني: لا تقل له: دَعِ الحياء.
هذا في الصحيحين، يقول له: على هُونك، لا تَسْتَحِ.
لا، الحياء طيبٌ، بل هو من شُعَب الإيمان، لكن بعض الناس يأتي بشيءٍ يُسميه: حياءً، وهو جبنٌ وخَورٌ وضعفٌ، يقول: أنا أستحي أن أُنْكِرَ المنكر، أستحي أن أطلب العلم، أستحي أن أحضر حلقات العلم.
هذا ما هو بحياءٍ، هذا جبنٌ وعجزٌ وخَورٌ، ليس بشيءٍ.
أما الحياء الذي أمر به الرسول ﷺ: الحياء الذي يمنعه من الأخلاق الذَّميمة، والصفات الذَّميمة، وأعمال السُّوء، هذا الحياء الذي يُؤْمَر به؛ الذي يمنعك من الشر، ويُعينك على الخير، هذا خلق الأنبياء والأخيار، خلق النبي ﷺ.
أما حياءٌ يمنعك من طلب العلم، يمنعك من المشي مع أهل العلم، يمنعك من زيارة الأقارب، يمنعك من الدعوة إلى الله، يمنعك من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ هذا ما هو بحياءٍ، هذا جُبنٌ وضعفٌ وعجزٌ وكسلٌ، ليس بشيءٍ.
س: قوله: دَعْهُ؟
ج: يعني: لا تنصحه، لا تقل له: دَعِ الحياء، فإن الحياء من الإيمان.
القارئ:
الدين يُسْرٌ
٥٠٣٤- أخبرنا أبو بكر بن نافع قال: حدثنا عمرو بن عليٍّ، عن مَعْن بن محمدٍ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن هذا الدين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فَسَدِّدوا وقاربوا، وأَبْشِرُوا ويَسِّروا، واستعينوا بالغَدْوَة والرَّوْحَة وشيءٍ من الدُّلْجَة.
الشيخ: هكذا جعله الله يُسْرًا -الحمد لله-: إن هذا الدين يُسْرٌ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:6]، يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، فلا يجوز التَّشديد، بل يُعلِّم الدينَ كما جاء، ولا يُعلِّم بالتَّشديد الذي يفعله المُوسوسون وأشباههم، فالدين كله يُسْرٌ، ليس فيه مشقةٌ: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185]، الصلاة يُسْرٌ، والزكاة يُسْرٌ، والصوم يُسْرٌ، وهكذا.
فلا يُقال له: طَوِّلْ في صلاتك؛ حتى يشقَّ على نفسه، أو أخرج من الزكاة أكثر مالك، أو صُمْ في الصيف شديد الحرِّ تطوعًا، وإذا ما فعلتَ فأنت مُتساهلٌ، وما أشبه ذلك.
لا، يُعلَّم الشيء الذي يُناسبه من التَّطوعات التي ما فيها مشقةٌ، ولا يشقّ عليه؛ ولهذا قال: سَدِّدوا، وقاربوا، وَاغْدُوا، ورُوحُوا، وعليكم بشيءٍ من الدُّلْجَة، اللهم صلِّ عليه وسلم.
ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، الإنسان الذي يقول: أنا أقوم بالدين كله، جميع التَّطوعات، يُغْلَب، ما يستطيع، لكن يأخذ منها ما تيسر، إذا أدَّى الواجب يأخذ من الدين ما تيسر من التَّطوعات.
وفي الدين كذلك لا يُشدد على نفسه، يعني: عليه بالوسط في صلاته، وفي زكاته، وفي صيامه، وفي حَجِّه، لا يُكلف نفسه مثلما قام أبو إسرائيل؛ نذر أن يصوم، ويقف في الشمس ولا يستظلّ، ولا يتكلم، فقال النبي ﷺ: مُرُوهُ ليجلس ويتكلم ويستظلّ ويتمّ صومه ﷺ.
القارئ: أحسن الله إليك، هنا يقول: قال: دَعْهُ أي: اتركه على هذا الخُلُق السَّيئ، فإن الحياء من الإيمان.
قال ابن قُتيبة: معناه: أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان.
الشيخ: يعني: دَعْهُ، لا تقل له: دَعِ الحياء، لا تَعِظْهُ في ترك الحياء، اتركه يستحي.
الذي تأوله على غير هذا غلطان.
القارئ:
أحبّ الدين إلى الله
٥٠٣٥- أخبرنا شُعيب بن يوسف، عن يحيى -وهو ابن سعيدٍ- عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأةٌ، فقال: مَن هذه؟ قالت: فلانة، لا تنام، تذكر من صلاتها، فقال: مَهْ! عليكم من العمل ما تُطِيقُون، فوالله لا يَمَلُّ اللهُ حتى تَمَلُّوا، وكان أحبّ الدين إليه ما دام عليه صاحبه.
الشيخ: يعني: وإن قلَّ، مثلما في الرواية الأخرى: أحبّ العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قلَّ، ركعةٌ دائمةٌ كل ليلةٍ أو ثلاث ركعاتٍ كل ليلةٍ أحسن من كونه ليلةً يُوتِر، وليلةً ما يُوتِر.
كونه يُداوم على ركعةٍ أو ثلاثٍ أو خمسٍ أحسن من كونه بعض الليالي يُوتِر بإحدى عشرة، وبعض الليالي ما يُوتِر.
القارئ:
الفرار بالدين من الفتن
٥٠٣٦- أخبرنا هارون بن عبدالله قال: حدثنا مَعْنٌ. ح، والحارث بن مسكينٍ -قراءةً عليه وأنا أسمع- عن ابن القاسم، قالا: حدثنا مالكٌ، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: يُوشِك أن يكون خيرَ مالِ مسلمٍ غنمٌ يَتْبَع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْر، يَفِرُّ بدينه من الفتن.
الشيخ: الله أكبر، الله أكبر.
الفتن التي قد يخشى على نفسه منها: فتن الشبهات، وفتن القتال والنزاع، إذا رأى أنه يَفِرُّ بدينه إلى محلٍّ بعيدٍ فهذا خيرٌ له، مثلما في الحديث الآخر: قيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أفضل؟ كما رواه البخاري رحمه الله: أيُّ الناس أفضل؟ قال: مؤمنٌ مُجاهدٌ في سبيل الله، قيل: ثم مَن؟ قال: مؤمنٌ في شِعْبٍ من الشِّعاب يعبد الله ويدع الناسَ من شَرِّه، هذا محمولٌ عند العلماء عند الفتن، عند خوفه على نفسه.
س: أحسن الله إليك، يشمل الشُّبهات والشَّهوات؟
ج: نعم، إذا كان في محلٍّ يخشى على نفسه نعم.
القارئ:
مَثَل المنافق
٥٠٣٧- أخبرنا قُتيبة قال: حدثنا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: مَثَل المنافق كمثل الشَّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير في هذه مرةً، وفي هذه مرةً، لا تدري أيّها تتبع.
الشيخ: قبَّحه الله، مَثَلٌ قبيحٌ له، مثلما قال الله فيهم: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ [النساء:143]، هذه صفة المنافق: مُذَبْذَبِينَ مرةً مع هؤلاء، ومرةً مع هؤلاء، إن رأى المؤمنين انتصروا صار معهم، وإن رأى الكفار انتصروا صار مع الكفار، ما له دينٌ يضبطه، بل هو مُذَبْذَبٌ، يعني: حائرًا، مع مَن غلب، نسأل الله السلامة.
القارئ:
مثل الذي يقرأ القرآن من مؤمنٍ ومُنافقٍ
٥٠٣٨- أخبرنا عمرو بن عليٍّ قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْعٍ قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ : أن أبا موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّة، طعمها طيبٌ، وريحها طيبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيبٌ، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الرَّيحانة، ريحها طيبٌ، وطعمها مُرٌّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحَنْظَلَة، طعمها مُرٌّ، ولا ريح لها.
الشيخ: مثالٌ عظيمٌ.
المؤمن الذي يقرأ القرآن له شأنٌ عظيمٌ، مُثِّلَ بالأُتْرُجَّة؛ طعمها طيبٌ، وريحها طيبٌ، وهكذا المؤمن؛ إن تكلم تكلم بالخير، إما بقراءة القرآن، وإما بالدعوة إلى الله، وإما بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فهو في خيرٍ، كلامه خيرٌ، وعمله خيرٌ.
والذي لا يقرأ –العامي- مثل: التمرة، طعمها طيبٌ، ولكن ما عنده دعوةٌ، ولا عنده توجيهٌ وتعليمٌ؛ لأنه عامّي، ما عنده علمٌ.
أما المنافق الذي يقرأ القرآن فهو مثل: الرَّيحانة، لها ريحٌ طيبٌ، وهو ما يسمع من القرآن والكلام الطيب، وطعمها مُرٌّ، قلبه خبيثٌ، لكن إذا تكلم بالخير وتكلم بالقرآن فهذا طيبٌ، مثل: الريحانة، ولكن داخله خبيثٌ كطعم الريحانة الخبيث.
والمنافق الذي لا يقرأ لا خير فيه، لا كذا، ولا كذا، لا ينفع الناس بكلامٍ ولا بغيره، كالحنظلة، نسأل الله العافية.
القارئ:
علامة المؤمن
٥٠٣٩- أخبرنا سُوَيْد بن نصرٍ قال: أنبأنا عبدالله، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ : أن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه.
الشيخ: وهذا أمرٌ عظيمٌ، أقول: هذا أمرٌ عظيمٌ: لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحب لنفسه يُحب لأخيه العلم، يُحب له الاستقامة، يُحب له الأولاد الصالحين، يُحب له الزوجة الصالحة، يُحب له الكسب الطيب، يُحب له السُّمْعَة الحسنة، هذا مُقتضى الإيمان، والله المستعان.
القارئ:
قال القاضي –يعني: ابن الكَسَّار-: سمعتُ عبدالصمد البخاري يقول: حفص بن عمر الذي يروي عن عبدالرحمن بن مهدي لا أعرفه إلا أن يكون سقط الواو من حفص بن عمرو الرَّبَالِي، المشهور بالرواية عن البصريين، وهو ثقةٌ، ذكره في هذا الخبر في حديث منصور بن سعد في "باب صفة المسلم"، سمعتُه يقول: لا أعلم روى حديث أنس بن مالكٍ المرفوع: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناس بزيادة قوله: واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا عن حُميد الطويل إلا عبدالله بن المبارك ويحيى بن أيوب البصري، وهو في هذا الجزء في "باب ما يُقاتَل الناس".
الشيخ: الله أكبر، ورواه البخاري رحمه الله: مَن صلَّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، واستقبل قبلتنا؛ فله ما لنا، وعليه ما علينا.