07 فصل: هذا السماع الشيطانى المضادّ للسماع الرحمانى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال رحمه الله تعالى:

فصل

هذا السَّماع الشَّيطاني المُضادّ للسماع الرحماني له في الشرع بضعة عشر اسمًا: اللهو، واللغو، والباطل، والزُّور، والمُكَاء، والتَّصدية، ورُقية الزِّنا، وقُرآن الشيطان، ومَنْبَت النِّفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومَزْمُور الشيطان، والسّمود:

أسماؤه دلَّتْ على أوصافه تَبًّا لذي الأسماء والأوصاف

فنذكر مخازي هذه الأسماء ووقوعها عليه في كلام الله ، وكلام رسوله والصحابة؛ ليعلم أصحابه وأهله بما به ظفروا، وأي تجارةٍ رابحةٍ خسروا:

فَدَعْ صاحبَ المزمار والدُّفِّ والغِنَا وما اختاره عن طاعة الله مذهبا
ودَعْهُ يَعِش في غَيِّه وضلاله على تنتنا يحيا ويُبْعَث أَشْيَبَا
وفي تنتنا يوم المعاد نجاته إلى الجنَّة الحمراء يُدْعَى مُقَرَّبَا
سيعلم يوم العرض أي بضاعةٍ أضاع وعند الوزن ما خفَّ أو رَبَا
ويعلم ما قد كان فيه حياته إذا حصلتْ أعماله كلها هَبَا
دعاه الهدى والغيّ مَن ذا يُجيبه؟ فقال لداعي الغَيِّ: أهلًا ومرحَبَا
وأعرض عن داعي الهدى قائلًا له هواي إلى صوت المعازف قد صَبَا
يَرَاعٌ ودُفٌّ بالصّنوج وشاهدٌ وصوتُ مُغَنٍّ صوته يقنص الظِّبَا
إذا ما تَغَنَّى فالظِّباء تُجيبه إلى أن تراها حوله تُشبه الدّبَا
فما شئتَ من صيدٍ بغير تَطَارُدٍ ووصل حبيبٍ كان بالهجر عَذَّبَا
فيا آمِرِي بالرُّشْد لو كنتَ حاضرًا لكان توالي اللهو عندك أَقْرَبَا

فصل

فالاسم الأول: اللهو، ولهو الحديث، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ۝ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6- 7].

قال الواحدي وغيره: أكثر المُفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء. قاله ابن عباسٍ في رواية سعيد بن جُبير ومقسم عنه، وقاله عبدالله بن مسعودٍ في رواية أبي الصَّهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة.

وروى ثور بن أبي فاختة، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: هو الرجل يشتري الجارية تُغَنِّيه ليلًا ونهارًا.

س: ..... ثور بن أبي فاختة؟

ج: نعم، المقصود بهذا: قول أكثر أهل العلم أن لهو الحديث هو الغناء ..... أصحاب الغناء، وهو المحفوظ عن ابن عباسٍ وابن مسعودٍ: أن اللَّهو: الغناء، وكان ابن مسعودٍ يُقسم على ذلك، ويحلف على ذلك.

المقصود: أنه يَجُرُّ إلى شرٍّ كثيرٍ، فإن الأغاني والملاهي تجرُّ إلى الزنا والفواحش والمُنكرات، وتجرُّ إلى الاستهزاء بالدِّين، وتجرُّ إلى ترك الطاعات، وتجرُّ إلى صفة الفُسَّاق، وتجرُّ إلى شرٍّ كثيرٍ، نسأل الله العافية.

القارئ:

عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: هو الرجل يشتري الجارية تُغَنِّيه ليلًا ونهارًا.

وقال ابن أبي نجيحٍ: عن مجاهدٍ: هو اشتراء المُغني والمُغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل.

وهذا قول مكحولٍ، وهذا اختيار أبي إسحاق أيضًا.

قال: أكثر ما جاء في التفسير أنَّ لهو الحديث هاهنا هو الغناء؛ لأنه يُلْهِي عن ذكر الله تعالى.

قال الواحدي: قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل مَن اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يُذْكَر في الاستبدال والاختيار، وهو كثيرٌ في القرآن.

الشيخ: معنى يَشْتَرِي يعني: يختار ويعتاض، مثلما يشتري بالمال، فقد يشتري بالمال، وقد يشتري بغيره، قد يعتاضه بغير مالٍ، وقد يشتريه بالمال، يشتري المُغنية، ويشتري آلات الملاهي بالمال، وقد تأتي بغير المال.

المقصود: أن الشراء هو الاعتياض والأخذ.

القارئ:

قال: ويدل على هذا ما قاله قتادة في هذه الآية: لعله ألا يكون أنفق مالًا.

قال: وبحسب المرء من الضَّلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقِّ.

قال الواحدي: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء.

ثم ذكر كلام الشافعي في ردِّ الشهادة بإعلان الغناء.

قال: وأما غناء القَيْنَات فذلك أشدُّ ما في الباب؛ وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو ما رُوِيَ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَن استمع إلى قَيْنَةٍ صُبَّ في أُذُنيه الآنُك يوم القيامة، والآنُك: الرَّصاص المُذَاب.

وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ففي مسند الإمام أحمد، ومسند عبدالله بن الزبير الحميدي، وجامع الترمذي من حديث أبي أمامة -والسياق للترمذي-: أن النبي ﷺ قال: لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ، ولا تشتروهنَّ، ولا تُعَلِّموهنَّ، ولا خير في تجارةٍ فيهنَّ، وثَمَنُهُنَّ حرامٌ.

في مثل هذا نزلتْ هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

وهذا الحديث وإن كان مداره على عبيدالله بن زَحْر، عن علي بن يزيد الأَلْهَاني، عن القاسم، فعبيدالله بن زَحْر ثقةٌ، والقاسم ثقةٌ، وعليٌّ ضعيفٌ إلا أن للحديث شواهد ومُتابعات سنذكرها، إن شاء الله.

الشيخ: المقصود مثلما قال المؤلف: الحديث ضعيفٌ، لكن الآية الكريمة والشواهد وكلام السلف يدل على الخطر والبلية، والواقع شاهدٌ بذلك، وإلا فالحديث ضعيفٌ، يعني: يُصَبُّ في أُذُنيه الآنُك يوم القيامة سامع الغناء إنما ثبت هذا فيمَن تَسَمَّع حديث قومٍ وهم كارهون، حديث ابن عباسٍ عند البخاري رحمه الله، يقول ﷺ: مَن تَسَمَّع حديث قومٍ وهم له كارهون صُبَّ في أُذُنيه الآنُك يوم القيامة، يعني: الرَّصاص المُذَاب، هذا في حقِّ مَن استمع حديث قومٍ وهم له كارهون.

أما مُستمع الأغاني والملاهي فقد يقع في هذا البلاء وما هو أشدّ منه، لكن الحديث فيما يتعلق بالأغاني مثلما قال المؤلف: ضعيفٌ؛ لأن مداره على علي بن يزيد الأَلْهَاني، وهو ضعيفٌ جدًّا، وعبيدالله بن زَحْر وثَّقه جماعةٌ، وفيه ضعفٌ أيضًا.

القارئ:

ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء، فقد صحَّ ذلك عن ابن عباسٍ وابن مسعودٍ.

قال أبو الصَّهباء: سألتُ ابن مسعودٍ عن قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء. يُرددها ثلاث مراتٍ.

وصحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا أنه الغناء.

قال الحاكم أبو عبدالله في التفسير من كتاب "المستدرك": ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتَّنزيل عند الشيخين حديثٌ مُسندٌ.

وقال في موضعٍ آخر من كتابه: هو عندنا في حكم المرفوع.

وهذا وإن كان فيه نظرٌ فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير مَن بعدهم، فهم أعلم الأُمة بمُراد الله من كتابه، فعليهم نزل، وهم أول مَن خُوطِبَ به من الأُمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علمًا وعملًا، وهم العرب الفُصحاء على الحقيقة، فلا يُعْدَل عن تفسيرهم ما وُجِدَ إليه سبيلٌ.

ولا تعارض بين تفسير "لهو الحديث" بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النَّضر بن الحارث يُحدِّث به أهل مكة يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث؛ ولهذا قال ابن عباسٍ: لهو الحديث: الباطل والغناء.

الشيخ: وهو يعمّ، مقصود الحديث يعمُّ كل ما صَدَّ عن الحقِّ ..... ما شغلك عن الحقِّ، وصدَّك عن الحقِّ، كما كان يفعل النَّضر بن الحارث وغيره، كل هذا من أباطيل الكلام التي تصدُّ عن الحقِّ، وتُؤذي المؤمنين، وتصدُّ عن القرآن، فكلام الربِّ جلَّ وعلا يعمُّ، من جوامع الكلم.

القارئ:

فمن الصحابة مَن ذكر هذا، ومنهم مَن ذكر الآخر، ومنهم مَن جمعهما.

والغناء أشدُّ لهوًا وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم؛ فإنه رقية الزنا، ومُنْبِت النِّفاق، وشَرَكُ الشيطان، وخَمْرَة العقل، وصدُّه عن القرآن أعظم من صدِّ غيره من الكلام الباطل؛ لشدة ميل النفوس إليه، ورغبتها فيه.

إذا عُرِفَ هذا، فأهل الغناء ومُستمعوه لهم نصيبٌ من هذا الذَّم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه فإن الآيات تضمنتْ ذمَّ مَن استبدل لهو الحديث بالقرآن لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا، وإذا يُتلى عليه القرآن ولَّى مُسْتَكْبِرًا كأن لم يسمعه، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا وهو الثِّقل والصَّمم.

الشيخ: وهذه اللام لام العاقبة: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: لهو الأحاديث والمجون واعتياد الأشياء الباطلة الصَّادة عن الحقِّ تُفْضِي إلى الضَّلال عن سبيل الله، تُفْضِي إلى هذا .....

وقال ابن حزمٍ: اللام هذه .. قال: إنها لام التعليل، وأنها ما تحرم الأغاني والملاهي إلا لمَن يريد الضَّلال، يتعلمها ليضلّ، أما مَن سمع الأغاني وآلات الملاهي للتَّرفه فلا بأس عليه، وليس داخلًا في الآية.

وهذا من أغلاط ابن حزمٍ، أغلاطه الكبيرة؛ ولهذا قال العراقي رحمه الله، قال لما ذكر هذا: "لا تُصْغِ لابن حزمٍ المُخالف".

وإنما الصواب: أنَّ هذه اللام لام العاقبة، ما هي بلام التَّعليل، لام العاقبة، عاقبة مَن اشترى لهو الحديث واعتاض به عن هذا القرآن واشتغل به؛ أنه في العاقبة والأغلب يقع في الضَّلالة واتِّخاذ آيات الله هزوًا، يعني: يُبْتَلَى بهذا -نسأل الله العافية- إذا أكثر من ذلك، وعُرِفَ به، واشتغل به، نسأل الله العافية.

س: يا شيخ، أحسن الله إليك، المُغَنيِّ إذا لم يَتُبْ ويرجع عن الغناء هل عليه الحدُّ؟

ج: ما في إلا التَّعزير، التَّأديب؛ لأنه ما فيه حدٌّ محدودٌ.

القارئ:

وإذا علم منه شيئًا استهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرًا، وإن وقع بعضه للمُغنين ومُستمعيهم فلهم حصةٌ ونصيبٌ من هذا الذَّم.

الشيخ: يعني: إذا أراد بالغناء الاستهزاء بآيات الله وبالشرع وقع في الكفر، نسأل الله العافية.

القارئ:

يُوضِّحه: أنك لا تجد أحدًا عَنَى بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلالٌ عن طريق الهدى علمًا وعملًا، وفيه رغبةٌ عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يُسْكِتَ القارئ، ويستطيل قراءته، ويستزيد المُغَنِّي، ويستقصر نوبته، وأقلّ ما في هذا: أن يناله نصيبٌ وافرٌ من هذا الذَّم إن لم يَحْظَ به جميعه.

والكلام في هذا مع مَن في قلبه بعض حياةٍ يحسّ بها، فأما مَن مات قلبه، وعظمتْ فتنته، فقد سدَّ على نفسه طريق النَّصيحة: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:41].

الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.

فصل

الاسم الثاني والثالث: الزُّور واللَّغو، قال تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72].

قال محمد ابن الحنفية: "الزور هاهنا الغناء".

وقاله ليثٌ، عن مجاهدٍ.

وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل.

واللَّغو في اللغة: كل ما يُلْغَى ويُطْرَح.

الشيخ: نعم، لكن من صفات عباد الرحمن: لا يشهدون الزور واللَّغو، لا يحضرون الزور والباطل والكلام الفارغ.

من صفات عباد الرحمن: التَّرفع عن هذا والتَّنزه، فأوقاتهم أعزُّ عليهم من هذا، فهم لا يحضرون الزور والباطل والمعاصي وما يشغل عن ذكر الله من اللَّغو، ففيما هم فيه من العناية بالحقائق والمنافع والصلاح ما يشغلهم عن الزور واللَّغو؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص:55]، وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72].

القارئ:

واللَّغو في اللغة: كل ما يُلْغَى ويُطْرَح.

والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مَرُّوا بكل ما يُلْغَى من قولٍ وعملٍ أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه، أو يميلوا إليه.

ويدخل في هذا: أعياد المشركين -كما فسَّرها به السلف- والغناء وأنواع الباطل كلها.

قال الزجاج: "لا يُجالسون أهل المعاصي، ولا يُمَالِؤونهم عليها، ومَرُّوا مَرَّ الكرام الذين لا يرضون باللَّغو؛ لأنهم يُكْرِمون أنفسهم عن الدخول فيه والاختلاط بأهله".

وقد رُوِيَ أن عبدالله بن مسعودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ فأعرض عنه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إن أصبح ابن مسعودٍ لَكَرِيمًا.

وقد أثنى الله سبحانه على مَن أعرض عن اللَّغو إذا سمعه فقال: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [القصص:55].

وهذه الآية وإن كان سبب نزولها خاصًّا فمعناها عامٌّ مُتناولٌ لكل مَن سمع لغوًا فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ.

وتأمل كيف قال سبحانه: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، ولم يقل: بالزور؛ لأن يَشْهَدُونَ بمعنى: يحضرون، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتَّكلم به وفعله؟!

والغناء من أعظم الزور.

والزور يُقال على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها، كما في حديث معاوية لما أخذ قُصَّةً من شعرٍ يُوصَل به، فقال: "هذا الزور"، فالزور: القول، والفعل، والمحل.

وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزَّور –بالفتح- ومنه: زُرْتُ فلانًا، إذا مِلْتُ إليه، وعدلتُ إليه.

فالزُّور: ميلٌ عن الحقِّ الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولًا وفعلًا.

فصل

الاسم الرابع: الباطل.

الشيخ: بركة، نسأل الله العافية.

س: يدخل في ذلك ما كان كالتلفاز؟

ج: التلفاز وغيره، كل ما يتعلق بالأغاني والملاهي: التلفاز والراديو، وسماع الراديو الذي فيه البرامج والملاهي، والاجتماع على هذا، والمُغَنِّي يُغني .....

س: وكذلك نقل أخبار الأعاجم ..... الأخبار؟

ج: إلا إذا كانت فيها مصلحةٌ: عِبَر وذِكْرَى، ولا تشغل عن الحقِّ، من باب العظة؛ لأن التاريخ فيه عِبَرٌ، لكن إذا شغلته عما هو أهمّ دخلتْ في هذا.

س: لقد كَثُرَتْ في هذا الوقت؟

ج: إذا شغلتْ عما هو أهمّ دخلتْ في الباطل، أما إذا كان قصده التاريخ؛ لما فيه من العِبَر لا بأس، فالله قصَّ علينا ..... في القرآن أخبار الماضين للعِبَر والعِظَة والذِّكْرَى، أما الأخبار الشاغلة أو التي لا فائدة منها ينبغي تجنبها، تكون من اللَّهو.

س: الرياضة -عفا الله عنك- الرياضة والكرة؟

ج: محل نظرٍ، أقول: هذه محل نظرٍ، فإذا لم تشغل عن الحقِّ، ولم يكن فيها كشف العورات، قد تكون تنفع لقوة الأبدان، وحفظ الوقت عما هو أشدّ وأخطر.

إن كانت فيها مصلحةٌ لقوة البدن وحفظ الوقت عن ضياعه في شيءٍ أضرّ، بشرط: ألا تشغل عن الحقِّ، وبشرط: ألا يكون فيها ظهور العورات، فأمرها أسهل؛ لأنها مسابقةٌ بالأقدام، والمسابقات على وجهٍ –يعني- قد ينفع العبد في قوته، مثل: المسابقة بالأقدام، وحمل الأثقال، وأشباهه، والمصارعة.

س: أحسن الله إليك، يكون فيها تصفيقٌ وتصفيرٌ؟

ج: إذا كانت فيها معاصٍ لا تحضرها، أما إذا كانت ما تشغل عن الصلاة، ولا فيها ظهور العورة، مثلما يفعل بعض الطلبة الطيبين؛ فلا بأس.

س: أحسن الله إليك، الأصل نقل أخبار الأعاجم .....؟

ج: .......