بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن كثيرٍ في تفسير سورة الجاثية:
بسم الله الرحمن الرحيم
حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية:1- 5].
يُرشد تعالى خلقه إلى التَّفكر في آلائه ونعمه وقُدرته العظيمة التي خلق بها السَّماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجنِّ والإنس والدَّواب والطيور والوحوش والسِّباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه، وهذا بضيائه، وما أنزل الله تبارك وتعالى من السَّحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسمَّاه: رزقًا؛ لأن به يحصل الرزق، فأحيا به الأرض بعد موتها، أي: بعدما كانت هامدةً لا نبات فيها ولا شيء.
وقوله : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ أي: جنوبًا وشمالًا، ودَبُورًا وصَبًا، بريةً وبحريةً، ليليةً ونهاريةً، ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاءٌ للأرواح، ومنها ما هو عقيمٌ لا ينتج.
الشيخ: كل هذه آياتٌ: خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، واختلاف النبات والحيوانات، واختلاف الرياح وتنوعها، كلها من آياته الدالة على قُدرته العظيمة، وأنه ربُّ العالمين، وأنه الخلَّاق العليم، وأن الواجب أن يُعبد ويُطاع ويُعظم أمره ونهيه جلَّ وعلا، فقد أكثر من الآيات العظيمات، ولكن أكثر الخلق كالحيوانات لا يُبْصِر ولا يفهم، كما قال جلَّ وعلا: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]، هذه حال أكثر الخلق، ليست عندهم بصيرةٌ ولا تدبرٌ ولا تعقلٌ في هذه الآيات.
فليحذر المؤمن التَّشبه بهم، وأن تكون له عبرةٌ وعظةٌ وذِكْرَى في هذه المخلوقات يستدلّ بها على عظمة الخالق، وأنه المُستحق لأن يُعبد ويُعظم ويُخاف ويُرْجَى .
وقال أولًا: لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثم يُوقِنُونَ، ثم يَعْقِلُونَ، وهو تَرَقٍّ من حالٍ شريفٍ إلى ما هو أشرف منه وأعلى، وهذه الآيات شبيهةٌ بآية البقرة، وهي قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164].
وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا عن وهب بن مُنبه أثرًا طويلًا غريبًا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة، والله أعلم.
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [الجاثية:6- 11].
يقول تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ يعني: القرآن بما فيه من الحُجج والبينات، نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ أي: مُتضمنةً الحقَّ من الحقِّ، فإذا كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينقادون لها: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ.
ثم قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ أي: أفَّاك في قوله، كذَّابٌ، حلَّافٌ، مهينٌ، أثيمٌ في فعله وقلبه.
الشيخ: قلبه؟
القارئ: نعم.
الشيخ: ماذا عندك؟
طالب: .......
الشيخ: لا، وقلبه، الأفَّاك في قوله كذَّاب –يعني- كذَّاب، حلَّاف، وأما الأثيم فهو الأثيم في أفعاله القلبية والجارحية: كالزنا، والسرقة، والكِبْر، وغير هذا من الأعمال القلبية والجارحية، نسأل الله العافية.
كافرٌ بآيات الله؛ ولهذا قال: يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ أي: تُقْرَأ عليه ثُمَّ يُصِرُّ أي: على كفره وجحوده؛ استكبارًا وعنادًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا أي: كأنه ما سمعها، فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أي: فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابًا أليمًا مُوجِعًا.
وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أي: إذا حفظ شيئًا من القرآن كفر به واتَّخذه سخريًّا وهزوًا، أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ أي: في مُقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به.
ولهذا روى مسلمٌ في "صحيحه" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو.
س: ما رواه البخاري ومسلمٌ؟
ج: ما أتذكر الآن، هو إما في الصحيحين، أو في أحدهما، لكن ..
طالب: ذكر تعليقًا في الحاشية.
الشيخ: نعم.
الطالب: يقول: رواه مسلمٌ في كتاب "الإمارة"، باب "النَّهي أن يُسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خِيفَ وقوعه في أيديهم"، وقد أخرجه البخاري في كتاب "الجهاد"، باب "السفر بالمصاحف إلى أرض العدو".
الشيخ: طيب، نعم، هذا هو الظاهر، نعم.
والمقصود: إذا كان على خطرٍ أن تناله أيديهم، أما إذا كان لا خطر فيه فلا حرج.
ثم فسَّر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ أي: كل مَن اتَّصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة، وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ أي: ولا تُغْنِي عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئًا، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
ثم قال تبارك وتعالى: هَذَا هُدًى يعني: القرآن، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ وهو المُؤْلِم المُوجِع.
والله أعلم.
الشيخ: نسأل الله العافية، نسأل الله العافية.
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية:12- 15].
يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخَّر لهم من البحر لتجري الفلك -وهي السفن- فيه بأمره تعالى، فإنه هو الذي أمر البحر بحملها، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي: في المتاجر والمكاسب، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النَّائية والآفاق القاصية.
الشيخ: وهذا من جوده وكرمه: أن سخَّر البحر ليحمل هذه المراكب العظيمة، وهو ماءٌ لو وضعتَ حجرًا صغيرًا نزل، وهذا المركب العظيم وما فيه من الأموال والأنفس يحملها البحر!
هذه من آيات الله العظيمة، ومن فضله جلَّ وعلا: سخَّر لنا هذا الفلك يجري في البحر بأمره، تَمْخَر البحر من آيات الله العظيمة، ثم هذه الطائرات التي تَمْخَر الجو سخَّرها أيضًا، وعلَّم الإنسان ما لم يعلم، كل هذا من فضله.
فالواجب على العباد الشكر للذي علَّمهم، ويسَّر لهم هذه الأمور حتى اتَّصلت البلاد بعضها ببعضٍ كأنها بلدٌ واحدةٌ ما بين مشارقها ومغاربها بهذه المراكب العظيمة البحرية والجوية والبرية من السيارات والسفن والبواخر والطائرات، وغير هذا مما سخَّر، كل هذه من آياته، ومن نعمه، والواجب على العباد أن يشكروه، وأن يتَّقوه، فما أصابهم مما يُؤذيهم هو بسبب ذنوبهم.
فالواجب الحذر، وأن يُشْكَر الله على هذه النعم العظيمة: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، فهذه النعم التي ساقها الله للعباد ومَنَّ بها عليهم هي من فضله وجوده وكرمه: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5].
ثم قال : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: من الكواكب والجبال والبحار والأنهار وجميع ما تنتفعون به، أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: جَمِيعًا مِنْهُ أي: من عنده وحده، لا شريك له في ذلك، كما قال تبارك وتعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل:53].
وروى ابن جريرٍ من طريق العوفي، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ كل شيءٍ هو من الله؛ وذلك الاسم فيه اسمٌ من أسمائه، فذلك جميعًا منه، ولا يُنازعه فيه المُنازعون، واستيقن أنه كذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني: حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجلٌ عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: مِمَّ خُلِقَ الخلق؟ قال: من النور والنار والظُّلْمَة والثَّرَى. قال: وَائْتِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما فاسأله. فأتاه، فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فَسَلْهُ: مِمَّ خُلِقَ ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ. هذا أثرٌ غريبٌ، وفيه نكارةٌ.
س: أحسن الله إليكم، تفسير ابن عباسٍ لما قال: وذلك الاسم فيه اسمٌ من أسمائه؟
ج: هذه روايةٌ ضعيفةٌ؛ عطية العُوفي ضعيفٌ، والله جلَّ وعلا خلق كل دابةٍ من ماءٍ، وخلق آدم من التراب ، وخلق كل دابةٍ من ماءٍ مهينٍ، وخلق بقية الخلق مما يخلق .
س: ومَن قال: كل الأشياء خُلِقَتْ من ماءٍ؟
ج: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور:45]، الله جلَّ وعلا وضَّح أن الدابة من ماءٍ.
وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي: ليصفحوا عنهم، ويتحملوا الأذى منهم، وكان هذا في ابتداء الإسلام، أُمِرُوا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب؛ ليكون ذلك كالتَّأليف لهم، ثم لما أَصَرُّوا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد.
هكذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما وقتادة.
الشيخ: مثلما قال جلَّ وعلا: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، هذا في أول الإسلام، ثم أمر بالجهاد.
س: قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30] ماذا تُفيد هذه الآية؟
ج: أن الله خلق كل دابةٍ من ماءٍ، الحيّ: الدَّواب والنبات.
وقال مجاهد: لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لا ينالون نِعَم الله تعالى.
وقوله تبارك وتعالى: لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي: إذا صفحوا عنهم في الدنيا، فإن الله مُجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي: تعودون إليه يوم القيامة، فتُعرضون بأعمالكم عليه، فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرّها.
والله أعلم.
وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية:16- 20].
يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم، وإرسال الرسل إليهم، وجعله المُلْك فيهم؛ ولهذا قال تبارك وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أي: من المآكل والمشارب، وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ أي: في زمانهم.
الشيخ: يعني: عالمي زمانهم، عالمي وقتهم، وأمة محمدٍ أفضل، فهم مُفَضَّلون على عالمي زمانهم، وهذه الأُمة أفضل منهم، كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].
وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ أي: حُجَجًا وبراهين وأدلةً قاطعات، فقامتْ عليهم الحُجج، ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحُجَّة، وإنما كان ذلك بغيًا منهم على بعضهم بعضًا.
إِنَّ رَبَّكَ يا محمد يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي: سيفصل بينهم بحكمه العدل.
الشيخ: لا إله إلا هو.
الشيخ: كل ما يقصّه علينا هو تحذيرٌ لنا، كما قال ابن عباسٍ: "مضى القوم ولم يُعْنَ به سواكم"، ما قصَّ الله علينا من أخبار الماضين هو عظةٌ لنا حتى نحذر ما حذَّرهم الله، وحتى نأتي ما أمر الله، وحتى نقف عند حدود الله، حتى لا يُصيبنا ما أصاب أولئك الظالمين المُخْتَلفين.
ولهذا قال جلَّ وعلا: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا أي: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:106]، وقال جلَّ جلاله هاهنا: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ أي: وماذا تُغْنِي عنهم ولايتهم لبعضهم بعضًا؟ فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارًا ودمارًا وهلاكًا، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ وهو تعالى يُخرجهم من الظلمات إلى النور، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ.
ثم قال : هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ يعني: القرآن وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
الشيخ: يعني: أنه جلَّ وعلا بصَّر الناس بهذا الكتاب العظيم –القرآن- وهداهم ورحمهم، فالواجب أن يأخذوا بكتاب الله ويتدبروه ويتعقَّلوه؛ لأن فيه الهدى والنور والبصيرة؛ وليحذروا أهواءهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س: ما يُروى عن ابن عباسٍ -عفا الله عنك-: نزل القرآن على .....؟
ج: ما أدري، ما بلغني هذا، ما أعرفه.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:21- 23].
يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون، كما قال : لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20].
الشيخ: إي والله لا يستويان، لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار، فرقٌ عظيمٌ، لا يستوي أصحاب العذاب والبلاء مع أصحاب النَّعيم والخير والهدى، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء.
فجديرٌ بالعاقل أن يحرص على أن يكون من أصحاب السعادة، من أصحاب الجنة، من أصحاب التقوى؛ حتى يفوز غاية الفوز، وينجو غاية النَّجاة: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
وقال تبارك وتعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أي: عملوها وكسبوها أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ أي: نُساويهم بهم في الدنيا والآخرة.
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: ساء ما ظنُّوا بنا وبعدلنا أن نُساوي بين الأبرار والفُجَّار في الدار الآخرة، وفي هذه الدار.
الشيخ: يعني: ساء ظنُّهم، مَن ظنَّ بالله أنه يُساوي بين الفُجَّار والأبرار فقد ساء ظنُّه، وأخطأ السَّبيل؛ ولهذا قال سبحانه: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لا يُساوي الله بين الفُجَّار والأبرار: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: ساء الحكم حكمهم، وبئس الحكم حكمهم.
الشيخ: ابن مرثد أيش؟
القارئ: الباجي.
الشيخ: الباجي؟
القارئ: نعم.
الشيخ: ماذا قال المُحشي عندك؟ عليه شيءٌ؟
القارئ: ما في.
الشيخ: انظر: يزيد بن مَرْثَد في "التقريب".
طالب: بالإسقاط: عن يزيد بن مَرْثَد .
الشيخ: ما عندكم: باجي؟
الطالب: ما عندنا: باجي ولا غيرها.
الشيخ: نعم.
طالب: أحسن الله إليك، في "الخلاصة": يزيد بن مرثد الهمداني، أبو عثمان، الصنعاني، الدمشقي، عن شداد بن أوس، وعنه خالد بن معدان، والوَضِين بن عطاء، وقال: رأيتُه وفي يده رغيفٌ وعِرْقٌ يأكل ..
الشيخ: وعَرَقٌ، يعني: عظمًا فيه لحمٌ.
الطالب: والوَضِين بن عطاء، وقال: رأيتُه وفي يده رغيفٌ وعَرَقٌ يأكل حين طُلِبَ للقضاء، فلم يزل يفعل ذلك حتى تخلص. أبو داود في "المراسيل".
الشيخ: زين، فقط؟
الطالب: فقط.
الشيخ: يزيد بن مرثد؟
الطالب: الهمداني، أبو عثمان، الصنعاني، الدمشقي، عن شداد بن أوس، وعنه خالد بن معدان، والوضين بن عطاء.
الشيخ: ما قال: الباجي، انظر "التقريب".
طالب: أحسن الله إليك، يزيد بن مرثد، أبو عثمان، الهمداني، الصنعاني، من صنعاء دمشق، ثقةٌ، من الثالثة، وله مراسيل. أبو داود في "المراسيل".
الشيخ: ما في: باجي؟
الطالب: لا، أحسن الله إليك.
طالب: "عن أبي ذرٍّ" -يا شيخ- عندي ساقطٌ.
الشيخ: ضع نسخة: "عن أبي ذَرٍّ"، الذي ما عنده "أبي ذر" يضع نسخة: "عن أبي ذَرٍّ"، يعني: يُروى مُرسلًا ومُتَّصلًا.
س: قوله: من صنعاء دمشق؟
ج: بلدةٌ في دمشق يُقال لها: صنعاء.
عن أبي ذرٍّ قال: إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركانٍ، فمَن صبر عليهنَّ، ولم يعمل بهنَّ؛ لقي الله من الفاسقين. قيل: وما هنَّ يا أبا ذر؟ قال: يُسلم حلال الله لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله لله، لا يُؤْتَمَن عليهنَّ إلا الله، قال أبو القاسم ﷺ: كما أنه لا يُجْتَنَى من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفُجَّار منازل الأبرار.
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" أنهم وجدوا حجرًا بمكة في أسّ الكعبة مكتوبٌ عليه: تعملون السيئات، وترجون الحسنات، أجل، كما يُجْتَنَى من الشوك العنب!
وروى الطبراني من حديث شعبة.
الشيخ: أعد السند، قال أبو يعلى.
الشيخ: انظر، هل تكلم عن الوَضِين؟
طالب: نعم؟
الشيخ: الوَضِين بن عطاء.
الطالب: الوَضِين بن عطاء، الخُزاعي، الدّمشقي، عن خالد بن معدان ومحفوظ بن علقمة، وعنه الحمَّادان، وثَّقه أحمد وابن معين ودُحَيم، وقال: مات سنة 149هـ. وقال ابن عدي: لم أَرَ بحديثه بأسًا. وضعفه أبو سعد والجوزجاني. أبو داود والنَّسائي في "مناقب علي" وابن ماجه.
الشيخ: انظر: بُكَيْر بن عثمان، ومُؤمل بن إهاب.
الطالب: في "التقريب" -أحسن الله إليك-: الوَضِين -بفتح أوله وكسر المُعْجَمة بعدها تحتانية ساكنة ثم نون- بن عطاء بن كنانة، أبو عبدالله، أو أبو كنانة، الخزاعي، الدّمشقي، صدوقٌ سيّئ الحفظ، ورُمِيَ بالقدر، من السادسة، مات سنة ستٍّ وخمسين وهو ابن سبعين. أبو داود والنَّسائي في "مناقب علي" وابن ماجه.
الشيخ: انظر: مُؤمل بن إهاب، وبُكَيْر بن عثمان، مُؤمل بعد محمد، وبُكَيْر بن عثمان.
طالب: هذا بُكَيْر .....
الشيخ: يمكن ما هو من الستة –..... من رجال الستة- انظر "تعجيل المنفعة" .....
الطالب: الكاشف.
الشيخ: نعم؟
الطالب: الكاشف.
الشيخ: نعم، ما الذي عندكم؟
الطالب: ما ..... ابن بُكَيْر.
الشيخ: انظر: "الكاشف" للذهبي، مُؤمل بن إهاب أيضًا بعد محمد في "التقريب" أو "الخلاصة"، في "التقريب" مُؤمل بن إهاب.
أعد: عن أبي ذرٍّ أيش؟
القارئ: عن أبي ذرٍّ قال: إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركانٍ، فمَن صبر عليهنَّ.
الشيخ: عن أبي ذرٍّ، عن النبي ﷺ.
القارئ: عن أبي ذرٍّ قال: إن الله ..
الشيخ: موقوفٌ، نعم.
القارئ:
إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركانٍ، فمَن صبر عليهنَّ، ولم يعمل بهنَّ؛ لقي الله من الفاسقين. قيل: وما هنَّ يا أبا ذرّ؟ قال: يُسلم حلال الله لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله لله، لا يُؤْتَمَن عليهنَّ إلا الله.
الشيخ: يعني: يُحلّ ما أحلَّ، ويُحرم ما حرَّم، ويمتثل أمر الله، وينتهي عن نهي الله.
لو صحَّ عن أبي ذرٍّ مَن قام بهذا استقام أمره، ومَن فرَّط في شيءٍ من هذا فسق، هذا مُراده لو صحَّ عنه.
طالب: هذا مُؤمل -أحسن الله إليك- من "الخلاصة".
الشيخ: نعم.
الطالب: قال: مُؤمل بن إهاب بن عبدالعزيز، الرَّبَعِي. كذا، أحسن الله إليك؟
الشيخ: نعم، الرَّبَعِي نسبة إلى ربيعة.
الطالب: ثم العجلي، أبو عبدالرحمن، الكوفي، ثم الرَّمَلِي، عن ضمرة.
الشيخ: الرَّمْلِي، نسبة إلى رَمْلَة، الرَّمْلِي، ورَمْلَة بلدةٌ في فلسطين.
الطالب: أبو عبدالرحمن، الكوفي، ثم الرَّمْلِي، عن ضمرة وأيوب بن سُويد وطارق، وعنه أبو داود والنَّسائي، وقالا: لا بأس به. قال ابن يونس: مات سنة 254هـ. أبو داود والنَّسائي.
الشيخ: طيب، بُكَيْر بن عثمان صدوقٌ؟
طالب: أحسن الله عملك، في "التقريب": مُؤمل بن إهاب -بكسر أوله وبموحدة- الرَّبَعِي، العجلي، أبو عبدالرحمن، الكوفي، نزيل الرملة، أصله من كرمان، صدوقٌ له أوهام، من الحادية عشرة، مات سنة أربعٍ وخمسين. أبو داود والنَّسائي.
الشيخ: طيب، بُكَيْر، "التَّعجيل" موجودٌ؟
الطالب: غير موجود، أحسن الله إليك.
الشيخ: "التَّعجيل"؟
الطالب: غير موجودٍ في "التَّعجيل".
الشيخ: "التَّعجيل"؟
الطالب: غير موجودٍ.
الشيخ: و"الكاشف"؟
الطالب: "الكاشف" على الكتب الستة.
الشيخ: نعم، ما فيه بُكَيْر؟
الطالب: ما ذكره.
الشيخ: مَاشٍ، أعد، عن أبي ذرٍّ أيش؟ إن الله بنى دينه، نعم.
القارئ:
عن أبي ذرٍّ قال: إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركانٍ، فمَن صبر عليهنَّ، ولم يعمل بهنَّ؛ لقي الله من الفاسقين. قيل: وما هنَّ يا أبا ذرّ؟ قال: يُسلم حلال الله لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله لله، لا يُؤْتَمَن عليهنَّ إلا الله، قال أبو القاسم ﷺ: كما أنه لا يُجْتَنَى من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفُجَّار منازل الأبرار.
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" أنهم وجدوا حجرًا بمكة في أسّ الكعبة مكتوبٌ عليه: تعملون السيئات، وترجون الحسنات، أجل، كما يُجْتَنَى من الشوك العنب!
وروى الطبراني من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ.
الشيخ: هذا فيه نظرٌ، هذه العبارة ..... كأنها مُحرفةٌ: "أجل"، لعلها: "كلا، لا يُجْتَنَى"، يمكن "أجل" بدلها "كلا"، أما "أجل" نعم ..... ما هو بصحيحٍ.
س: ما تكون للسخرية، أحسن الله إليك؟
ج: محتمل، العبارة فيها، نعم.
الشيخ: لا، والله، لا يُساوي بينهم سبحانه، وهو الحكم العدل، لا إله إلا هو، والله أكبر.
وقال : وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: بالعدل وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الجاثية:22].
ثم قال جلَّ وعلا: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23] أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه، وهذا قد يُستدلّ به على المعتزلة في قولهم بالتَّحسين والتَّقبيح العقليين، وعن مالكٍ فيما رُوِيَ عنه من التَّفسير: لا يهوى شيئًا إلا عبده.
الشيخ: نسأل الله العافية، نعم.
وقوله: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] يحتمل قولين:
أحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحقّ ذلك.
والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحُجَّة عليه.
والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس.
الشيخ: وهذا هو الأظهر: أضله الله مع علمه، كاليهود وأشباههم، كبلعام وأشباهه، نسأل الله العافية.
الشيخ: نسأل الله العافية.
الشيخ: نسأل الله العافية، نسأل الله العافية.
س: عفا الله عنك، تكرار الآية في صلاة الفرض؟
ج: ما بلغنا، أقول: ما بلغنا، هذا ورد في النافلة، الذي فعله في قوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة:118] في صلاة الليل، ورد أنه فعله ﷺ.
س: الذي يقول: إن تكرارها .....؟
ج: تركها أولى، لو كان خيرًا لسبق إليه النبي ﷺ.
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية:24- 26].
يُخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومَن وافقهم من مُشركي العرب في إنكار المعاد: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا أي: ما ثَمَّ إلا هذه الدار.
الشيخ: "أي: ما ثَمَّ" بمعنى: هناك، "ما ثَمَّ" يعني: ما هناك إلا هذه الدنيا، ما في بعث ولا نشور، نسأل الله العافية.
يموت قومٌ، ويعيش آخرون، وما ثَمَّ معادٌ ولا قيامةٌ.
وهذا يقوله مُشركو العرب المُنكرون للمعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم يُنكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدَّهرية الدَّورية المُنكرون للصَّانع، المُعتقدون أن في كل ستةٍ وثلاثين ألف سنةٍ يعود كل شيءٍ إلى ما كان عليه.
الشيخ: هذا معنى: الدَّورية.
طالب: يا شيخ، يُنكرون الصَّانع.
الشيخ: وهكذا الفلاسفة الدَّورية.
الشيخ: هذا من خُرافاتهم وضلالاتهم، والله جلَّ وعلا بعث الرسل، وأنزل الكتب؛ لبيان حقِّه على عباده، وأنهم صائرون إليه، وأنه يجمعهم يوم القيامة ويُجازيهم بأعمالهم .
وزعموا أن هذا قد تكرر مراتٍ لا تتناهى، فكابروا المعقول، وكذَّبوا المنقول؛ ولهذا قالوا: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ، قال الله تعالى: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي: يتوهمون ويتخيلون.
فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنَّسائي من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يقول تعالى: يُؤذيني ابن آدم؛ يَسُبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلب ليله ونهاره.
وفي روايةٍ: لا تَسُبُّوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر.
وقد أورده ابن جريرٍ بسياقٍ غريبٍ جدًّا، فقال: حدثنا أبو كُريبٍ: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يُهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يُهلكنا، يُمِيتنا ويُحْيينا. فقال الله تعالى في كتابه: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ، ويسبُّون الدهر، فقال الله : يُؤْذِيني ابن آدم؛ يَسُبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلب الليل والنَّهار.
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن شُريح بن النعمان.
الشيخ: "سُرَيج" بالجيم.
س: أحسن الله إليك، مَن فسَّر "يُؤْذِيني" يُغْضِبني .....؟
ج: نعم، قد يكون بمعنى: يُغْضِبني؛ لأنه لا يضره أحدٌ، فالأذى هو ما يُغضبه جلَّ وعلا ويُخالف أمره، وإلا فلا يضرّه أحدٌ: إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نَفْعِي فتنفعوني، لا يضره أحدٌ، هو الغني عن كلِّ ما سواه، ولا يضره أحدٌ ، لكن أذًى بشيءٍ ما يُغضبه جلَّ وعلا من المعاصي.
س: يُقال: من لازم الإيذاء الإغضاب، أو نقول: إنه يدل على .....؟
ج: المعنى مُتقاربٌ، المقصود أنه لا يضره ..... الله لا يضره شيءٌ.
س: أحسن الله إليك، صاحب الصحيح أو صاحبا الصحيح؟
ج: صاحبا الصحيح، صاحبا: البخاري ومسلم.
القارئ: وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن سُرَيج بن النعمان، عن ابن عيينة مثله.
الشيخ: وهذا الحديث صريحٌ في أن المراد به هو خالق الدَّهر، يُقلب ليله ونهاره جلَّ وعلا، فهو سبحانه خالق الليل والنهار، وهو الذي يُقلب الأشياء؛ هذا شتاء، وهذا صيف، وهذا بين ذلك سبحانه يُقلبها جلَّ وعلا.
طالب: شُرَيح بن النعمان الصَّايدي.
الشيخ: لا، سُرَيج بن النعمان، شيخ أحمد وغيره، من رجال الصحيح.
القارئ:
س: بِيَدَيّ أو بِيَدِي؟
ج: يصح: بِيَدَيّ وبِيَدِي، المعنى واحدٌ.
القارئ:
وأخرجه صاحبا الصحيح والنَّسائي من حديث يونس بن يزيد، به.
وقال محمد بن إسحاق: عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: استقرضتُ عبدي فلم يُعْطِني، وسَبَّني عبدي، يقول: وَادَهْرَاه، وأنا الدهر.
قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام: لا تَسُبُّوا الدهر، فإن الله هو الدهر: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدةٌ أو بلاءٌ أو نكبةٌ قالوا: يا خيبة الدهر! فينسبون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبُّونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبُّوا الله ؛ لأنه فاعلٌ ذلك في الحقيقة؛ فلهذا نُهِيَ عن سَبِّ الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى هو الدهر الذي يَعْنُونه ويسندون إليه تلك الأفعال.
هذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم.
وقد غلط ابن حزمٍ ومَن نحا نحوه من الظَّاهرية في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنى؛ أخذًا من هذا الحديث.
الشيخ: وهذا ظاهرٌ: أنا الدهر، أُقلب ليله ونهاره يعني: الزمن، وهذا من غلط الظَّاهرية، الله يعفو عنا وعنهم.
س: الشافعي وأبو عبيد، أو أبو عبيدة؟
ج: نعم؟
س: يقول: الشافعي ..؟
ج: محتمل كلاهما: أبو عبيد وأبو عبيدة، كلاهما من أئمة اللغة، أبو عبيد القاسم بن سلَّام، وأبو عبيدة معمر بن المُثَنَّى، نعم.
س: ما معنى قوله: استقرضتُ عبدي فلم يُعْطِني؟
ج: يعني: أمرتُه أن يتصدق ويُحْسِن، فَبَخِلَ، وهو له، قرضه له، يُوفَّى أجره: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة:245].
س: استغراب الحافظ من سياق ابن جريرٍ، عفا الله عنك.
ج: ما هو بواضحٍ، أقول: غير واضحٍ.
القارئ:
وقوله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ أي: إذا استُدِلَّ عليهم، وبُيِّن لهم الحقّ، وأنَّ الله تعالى قادرٌ على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها: مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقًّا. قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ أي: كما تُشاهدون ذلك؛ يُخْرِجكم من العدم إلى الوجود: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28] أي: الذي قدر على البداءة قادرٌ على الإعادة بطريق الأولى والأحرى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27].
ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: إنما يجمعكم إلى يوم القيامة، لا يُعيدكم في الدنيا حتى تقولوا: ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التغابن:9]، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ [المرسلات:12- 13]، وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود:104]، وقال هاهنا: ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شكَّ فيه، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أي: فلهذا يُنْكِرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد، قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6- 7] أي: يرون وقوعه بعيدًا، والمؤمنون يرون ذلك سهلًا، قريبًا.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:27- 29].
يُخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي: يوم القيامة يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وهم الكافرون بالله، الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البَيِّنات، والدلائل الواضحات.
وقال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة، فسمع المُعافري يتكلم ببعض ما يَضْحَك به الناس.
الشيخ: يُضْحِك.
القارئ:
الشيخ: "في المَعَافري" بفتح الميم.
القارئ:
في المَعَافري حتى لحق بالله تعالى.
ذكره ابن أبي حاتم.
ثم قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً أي: على رُكَبها من الشدة والعظمة.
ويُقال: إن هذا إذا جِيء بجهنم فإنها تَزْفَر زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ويقول: نفسي، نفسي، نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى إن عيسى عليه الصلاة والسلام ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني.
قال مجاهدٌ وكعب الأحبار والحسن البصري: كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً أي: على الرُّكَب.
وقال عكرمة: "جاثية" مُتميزة على ناحيتها، وليس على الرُّكَب.
والأول أولى.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المُقرئ: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عبدالله بن باباه: أن رسول الله ﷺ قال: كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم.
وقال إسماعيل بن أبي رافع المدني: عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة مرفوعًا في حديث الصور: فيتميز الناس، وتَجْثُو الأمم، وهي التي يقول الله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا.
وهذا فيه جمعٌ بين القولين، ولا مُنافاة، والله أعلم.
وقوله : كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا يعني: كتاب أعمالها، كقوله : وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [الزمر:69]؛ ولهذا قال : الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: تُجازون بأعمالكم خيرها وشرّها، كقوله : يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:13- 15].
ولهذا قال جلَّتْ عظمته: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادةٍ ولا نقصٍ، كقوله جلَّ جلاله: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].
وقوله : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: إنَّا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم.
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيُقابلون الملائكة في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكَتَبَة مما قد أُبْرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدرٍ مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفًا، ولا ينقص حرفًا، ثم قرأ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:30- 37].
يُخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة، فقال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: آمنتْ قلوبهم، وعملتْ جوارحهم الأعمال الصالحات، وهي الخالصة المُوافقة للشرع، فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وهي الجنة، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: أنت رحمتي، أرحم بكِ مَن أشاء.
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي: البَيِّن الواضح.
ثم قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ أي: يُقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا.
الشيخ: نسأل الله العافية.
القارئ:
الشيخ: وهذا فيه التَّحذير، وفيه أن المؤمن يستقيم ويثبت على الحقِّ، وله البُشْرَى، وفيه الحذر من الانحراف والميل عن الحقِّ والاستكبار عن اتِّباعه، فالعاقبة وخيمةٌ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
القارئ:
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا أي: إذا قال لكم المؤمنون ذلك قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي: لا نعرفها، إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا أي: إن نتوهم وقوعها إلا توهمًا، أي: مرجوحًا؛ ولهذا قال: وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أي: بمُتحققين.
قال الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا أي: وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة، وَحَاقَ بِهِمْ أي: أحاط بهم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أي: من العذاب والنَّكال، وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ أي: نُعاملكم معاملة النَّاسي لكم في نار جهنم، كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا أي: فلم تعملوا له؛ لأنكم لم تُصدقوا به، وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ.
وقد ثبت في الصحيح: أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: ألم أُزوجك؟ ألم أُكرمك؟ ألم أُسخر لك الخيل والإبل، وأَذَرَكَ تَرْأَس وتَرَبَّع؟
الشيخ: وتَرْبَع.
القارئ:
الشيخ: نسأل الله العافية، نسأل الله العافية.
القارئ:
قال الله تعالى: ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا أي: إنما جازيناكم على هذا الجزاء؛ لأنكم اتَّخذتم حُجج الله عليكم سُخريًّا، تسخرون وتهزؤون بها، وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها، فأصبحتم من الخاسرين؛ ولهذا قال : فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا أي: من النار وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: لا يُطلب منهم العُتْبَى، بل يُعذَّبون بغير حسابٍ ولا عتابٍ، كما تدخل طائفةٌ من المؤمنين الجنة بغير عذابٍ ولا حسابٍ.
ثم لما ذكر تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين قال: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ أي: المالك لهما وما فيهما؛ ولهذا قال: رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ثم قال جلَّ وعلا: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قال مجاهدٌ: يعني: السلطان، أي: هو العظيم المُمَجَّد الذي كل شيءٍ خاضعٌ لديه، فقيرٌ إليه.
وقد ورد في الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمَن نازعني واحدًا منهما أسكنتُه ناري.
ورواه مسلمٌ من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيدٍ رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ بنحوه.
وقوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: الذي لا يُغالَب ولا يُمانَع، الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
الشيخ: لا إله إلا هو، لا إله إلا هو.
القارئ:
تعالى وتقدس، لا إله إلا هو.
آخر تفسير سورة الجاثية.
ولله الحمد والمِنَّة، وبه التَّوفيق والعصمة.