تفسير قوله: {وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ...}

وقوله جلَّ وعلا: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ كقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9] أي: يَغْبِن أهلُ الجنة أهلَ النار، وكقوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ۝ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ۝ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:103- 105].

قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم: حدثنا ليثٌ: حدثني أبو قَبِيلٍ المَعَافِرِي، عن شُفَيٍّ الأَصْبَحِي، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: أَتَدْرُونَ ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا، إلا أن تُخْبِرنا يا رسول الله. قال ﷺ للذي في يمينه: هذا كتابٌ من ربِّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يُزَادُ فيهم، ولا يُنْقَص منهم أبدًا، ثم قال ﷺ للذي في يساره: هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يُزَادُ فيهم، ولا يُنْقَص منهم أبدًا، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: فلأي شيءٍ نعمل إن كان هذا الأمر قد فُرِغَ منه؟! فقال رسول الله ﷺ: سَدِّدُوا وقاربوا، فإنَّ صاحب الجنة يُخْتَم له بعمل أهل الجنة وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ، وإن صاحب النار يُخْتَم له بعمل أهل النار وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ، ثم قال ﷺ بيده فقبضها، ثم قال: فَرَغَ ربُّكم من العباد، ثم قال باليُمْنَى فَنَبَذَ بها فقال: فريقٌ في الجنة، ونَبَذَ باليُسرى وقال: فريقٌ في السَّعير.

وهكذا رواه الترمذيُّ والنَّسائي جميعًا عن قتيبة، عن الليث بن سعدٍ، وبكر بن مُضَرَ، كلاهما عن أبي قَبِيلٍ، عن شُفَيِّ بن مانع الأَصْبَحِيِّ.

الشيخ: شفي ابن؟

القارئ: عن شُفَيِّ بن مانع.

الشيخ: مانع أو ماتع؟ اسمه: ماتع أو مانع؟

طالب: ماتع.

الشيخ: انظر "التقريب": أبو قَبِيل و..... لعله ابن ماتع بالتاء، يُراجع.

طالب: .......

الشيخ: ..... الخلاصة.

طالب: شفي الأصبحي .....

القارئ: عن أبي قَبِيلٍ، عن شُفَيِّ بن مانع.

الشيخ: ابن ماتعٍ، بالتاء: شُفَيّ بن ماتع، بالتاء.

القارئ: عن شُفَيِّ بن ماتع الأَصْبَحِي، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما به.

طالب من "التقريب": شُفَيّ -بالفاء مُصَغَّرًا- بن ماتع –بمُثناةٍ- الأَصْبَحِي، ثقةٌ، من الثالثة، أرسل حديثًا، فذكره بعضهم في الصحابة خطأً، مات في خلافة هشام، قاله خليفة. (..... والترمذي وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه).

الشيخ: وأبو قَبِيل؟

طالب: .......

الشيخ: أبو قَبِيل المَعَافري، المقصود: ابن ماتع، بالتاء.

طالب: ..... بارك الله فيكم .....

الشيخ: نعم؟

طالب: بالنسبة لتفسير البغوي ..... بشر بن بكر بن سعيد بن عثمان .....: حدثنا ..... عن عبدالله بن عمرو.

الشيخ: .......

القارئ:

وهكذا رواه الترمذيُّ والنَّسائيُّ جميعًا عن قتيبة، عن الليث بن سعدٍ، وبكر بن مُضَرَ، كلاهما عن أبي قَبِيلٍ، عن شُفَيِّ بن ماتع الأَصْبَحِيِّ، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما به.

وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

وساقه البغويُّ في تفسيره من طريق بشر بن بكرٍ، عن سعيد بن عثمان، عن أبي الزَّاهرية، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ. فذكره بنحوه، وعنده زياداتٌ منها: ثم قال: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ عدلٌ من الله .

الشيخ: وفي هذا المعنى حديث عليٍّ الصحيح: أنه ﷺ قال: ما منكم من أحدٍ إلا وقد عُلِمَ مقعده من الجنة، ومقعده من النار، قالوا: يا رسول الله، ففيمَ العمل؟ قال ﷺ: اعملوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أما أهل السعادة فَيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشَّقاوة فَيُيَسَّرون لعمل أهل الشَّقاوة، ثم تلا قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۝ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5- 10]، لا حول ولا قوة إلا بالله.

طالب: أبو قَبِيل.

الشيخ: نعم.

الطالب من "التقريب": حُيي بن هانئ بن ناضر -بنون ومعجمة- أبو قَبِيل -بفتح القاف وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة- المَعَافري، المصري، صدوقٌ يَهِم، من الثالثة، مات سنة ثمانٍ وعشرين بالبرلس. (..... وأبو داود في "القدر"، والترمذي، والنَّسائي).

الشيخ: نعم .....

القارئ:

ورواه ابن أبي حاتمٍ، عن أبيه، عن عبدالله بن صالحٍ -كاتب الليث- عن الليث به.

ورواه ابن جريرٍ عن يونس، عن ابن وهبٍ، عن عمرو بن الحارث، عن أبي قَبِيلٍ، عن شُفَيٍّ، عن رجلٍ من الصحابة ، فذكره.

ثم روى عن يونس، عن ابن وهبٍ، عن عمرو بن الحارث وحَيْوَةَ بن شُرَيْحٍ، عن يحيى بن أبي أُسَيْدٍ: أنَّ أبا فِرَاسٍ حدَّثه: أنه سمع عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى لَمَّا خلق آدم نَفَضَهُ نَفْضَ الْمِزْوَدِ، وأخرج منه كل ذُرِّيَّته، فخرج أمثال النَّغَفِ، فقبضهم قبضتين، ثم قال: شقيٌّ وسعيدٌ، ثم ألقاهما، ثم قبضهما، فقال: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.

وهذا الموقوف أشبه بالصواب، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبدالصمد: حدثنا حمادٌ -يعني: ابن سلمة- أخبرنا الجُرَيْرِيُّ، عن أبي نَضْرَة قال: إن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: أبو عبدالله دخل عليه أصحابه -يعني: يزورونه- فوجدوه يبكي، فقالوا له: ما يُبْكِيكَ؟ ألم يقُل لك رسولُ الله ﷺ: خُذْ من شاربك، ثم أَوْقِرْهُ حتى تَلْقَانِي؟

الشيخ: ألم يقل لك.

القارئ: ألم يقُل لك رسولُ الله ﷺ: خُذْ من شاربك، ثم أَوْقِرْهُ.

الشيخ: ثم؟

القارئ: أَوْقِرْهُ أو أَوْفِرْهُ.

الشيخ: أيش عندك؟

طالب: .......

القارئ: ثم أَوْقِرْهُ.

الطالب: ثم أَقِرَّهُ.

الشيخ: أَقِرَّهُ؟

الطالب: نعم.

الشيخ: ثم أَقِرَّهُ؟

الطالب: نعم، عندي: أَقِرَّهُ .....

الشيخ: خُذْ من شاربك.

الطالب: ثم أَقِرَّهُ.

الشيخ: خُذْ من شاربك.

الطالب: خُذْ من شاربك ثم أَقِرَّهُ حتى تلقاني .....

الشيخ: أيش عندك؟

طالب: أَقِرَّهُ.

الشيخ: أَقِرَّهُ؟

الطالب: نعم، ثم أَقِرَّهُ حتى تلقاني.

الشيخ: نعم؟

القارئ: الموجود: ثم أَوْقِرْهُ.

الشيخ: نعم؟

القارئ: ثم أَوْقِرْهُ.

الشيخ: ثم أَقِرَّهُ.

القارئ: أقرّ.

الشيخ: أَقِرَّهُ، عندك قاف؟

القارئ: عندي: أَوْقِرْهُ، ألف، واو .....

طالب: .......

الشيخ: .......

طالب: ..... بارك الله فيكم.

الشيخ: لعلها: ثم وَفِّرْهُ، عندك همزة؟

القارئ: عندي همزةٌ، نعم.

طالب: ..... بارك الله فيكم ..... بالقاف.

الشيخ: .......

القارئ:

قال: بلى، ولكن سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن الله تعالى قبض بيمينه قبضةً، وأخرى باليد الأخرى، قال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أُبالي، فلا أدري في أيِّ القَبْضَتَين أنا.

وأحاديث القدر في الصِّحَاح والسُّنن والمسانيد كثيرةٌ جدًّا، منها: حديث عليٍّ وابن مسعودٍ وعائشة وجماعةٍ جَمَّةٍ رضي الله عنهم أجمعين.

وقوله تبارك وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى:8] أي: إما على الهداية، أو على الضَّلالة، ولكنه تعالى فَاوَتَ بينهم، فهدى مَن يشاء إلى الحقِّ، وأَضَلَّ مَن يشاء عنه، وله الحكمة والحُجَّة البالغة.

الشيخ: مثلما قال جلَّ وعلا: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35]، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99]، له الحكمة البالغة جلَّ وعلا، جعلهم فريقين: فريقًا في الجنة، وفريقًا في السَّعير؛ لحكمةٍ بالغةٍ؛ ليجتهد هؤلاء في طاعته، وليستقيموا على أمره، وليحذر هؤلاء مَقْتَه ونقمته.

فالواجب هو الأخذ بما شرع، واتِّباع ما أمر، والحذر مما نهى عنه، وتعظيم أمره ونهيه، هذا هو طريق الجنة، ومَن أعرض عن ذلك وتابع الهوى فهذا طريق النار: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

فمَن أقبل على الحقِّ وتابع الأوامر هذا هو السَّعيد، والذي عمل لآخرته واجتهد في أسباب النَّجاة فله العاقبة الحميدة، ومَن أعرض واستكبر وتابع الهوى فله العاقبة الوخيمة، نسأل الله العافية.

القارئ:

ولهذا قال : وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى:8].

وقال ابن جريرٍ: حدثني يونس: أخبرنا وُهَيْبٌ: أخبرني الحارث، عن عمرو بن أبي سُوَيْدٍ: أنه حدَّثه ..

طالب: السَّند اختلف معنا.

الشيخ: أيش؟

طالب: حدثني يونس: أخبرنا ابن وَهْبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي سُوَيْدٍ.

الشيخ: وقال مَن؟

الطالب: ابن جريرٍ: حدثني يونس: أخبرنا ابن وَهْبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي سُوَيْدٍ .....

الشيخ: ما الذي عندك؟ وقال ابن جريرٍ.

القارئ: وقال ابن جريرٍ: حدثني يونس: أخبرنا وُهَيْبٌ.

الشيخ: وُهَيب أو ابن وهبٍ؟

القارئ: وُهَيب.

الشيخ: أيش عندكم؟

طالب: ابن وهبٍ، بارك الله فيك ..... تفسير ابن جريرٍ.

الشيخ: معك؟

الطالب: .......

الشيخ: ابن وهبٍ؟

الطالب: ابن وهبٍ، نعم، ابن وهبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي سُوَيدٍ.

الشيخ: ابن وهبٍ.

القارئ: نعم؟

الشيخ: أخبرنا ابن وهبٍ، وهو الذي يروي عنه يونس بن عبدالأعلى، يونس بن عبدالأعلى شيخه ابن وهبٍ، عبدالله بن وهب.

القارئ: وقال ابن جريرٍ: حدثني يونس: أخبرنا وَهْبٌ.

الشيخ: ابن وهبٍ، يونس بن عبدالأعلى يروي عن عبدالله بن وهب المصري.

القارئ: وقال ابن جريرٍ: حدثني يونس: أخبرنا ابن وهبٍ: أخبرني الحارث.

الشيخ: أخبرني؟

القارئ: أخبرني الحارث.

الشيخ: عندكم: عمرو بن الحارث؟

طالب: .......

الشيخ: عمرو بن الحارث، النسخة التي معك فيها غلطٌ، سبحان الله!

القارئ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمرو بن أبي سُوَيْدٍ: أنه حدَّثه.

.......

الشيخ: هذه "عمرو" انتقلت من هناك إلى هنا، سبحان الله!

..... "عمرو" غلط، عن أبي سُوَيْدٍ: أخبرني عمرو بن الحارث.

القارئ:

أخبرنا ابن وهبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي سُوَيْدٍ.

الشيخ: صَلِّحْهَا، نعم.

القارئ:

عن أبي سُوَيْدٍ: أنه حدَّثه عن ابن حُجَيْرَةَ: أنه بلغه: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا ربِّ، خَلْقُك الذين خَلَقْتَهم جعلتَ منهم فريقًا في الجنة، وفريقًا في السَّعير، لو ما أدخلتَهم كلهم الجنة. فقال: يا موسى، ارفع دِرْعَك. فرفع، قال: قد رفعتُ. قال: ارفع. فرفع، فلم يترك شيئًا، قال: يا ربِّ، قد رفعتُ. قال: ارفع. قال: قد رفعتُ إلا ما لا خير فيه. قال: كذلك أُدخل خَلْقِي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه.

س: قول الترمذي: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ؟

ج: اصطلاحٌ له رحمه الله، فيه اختلافٌ بين أهل العلم.

القارئ:

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى:9- 10].

الشيخ: بركة.

س: أيش معنى -يا شيخ- بَخِلَ؟

ج: نعم؟

س: مَن بَخِلَ، ما معنى: البخل هنا؟

ج: أيش؟

س: مَن بَخِلَ واستغنى.

ج: أيش عندك؟

س: البخل، البخل ..... معنى الآية، معنى قوله تعالى: بَخِلَ؟

ج: يعني: في الأثر؟

س: .......

ج: يعني: لم يَقُمْ بالواجب، أمسك عن الحقِّ، فهؤلاء المؤمنون أقدموا على الحقِّ وتبعوه، وهؤلاء بَخِلوا، وكَفُّوا عن أداء الحقِّ، وتابعوا الهوى، نسأل الله العافية.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ۝ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ۝ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى:9- 12].

يقول تعالى مُنْكِرًا على المشركين في اتِّخاذهم آلهةً من دون الله، ومُخْبِرًا أنه هو الوليُّ الحقُّ الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه هو القادر على إحياء الموتى: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

ثم قال : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عامٌّ في جميع الأشياء، فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسُنَّة نبيه ﷺ.

الشيخ: وهذا مثل قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، فجميع ما يتنازع فيه الناس يجب ردُّه إلى القرآن والسُّنة، يجب ردُّه إلى الله؛ ليحكم فيه سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال هنا في هذه السورة -كما في الشورى-: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ، مِنْ شَيْءٍ نكرة ..... من للتَّعميم ..... لا بد من الردِّ إلى الله، إلى كتابه جلَّ وعلا، وسُنة رسوله ﷺ، لا إلى آراء الناس وإلى قوانينهم، بل يجب ردُّ المُتنازع فيه إلى الله جلَّ وعلا، إلى كتابه وسُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما أجمع عليه سلف الأُمَّة، سواء كان في العبادات، أو في جميع شؤون المعاملات، أو فيما أباح الله وفيما حرَّم، هل هذا مشروعٌ أو ما هو بمشروعٍ؟ هل هذا حلالٌ أو حرامٌ؟ يجب الردُّ فيه إلى الله، وإلى رسوله ﷺ، أي عبادةٍ، وأي عقدٍ، وأي شأنٍ من الشؤون يُرَدُّ للأدلة، قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

القارئ:

كقوله جلَّ وعلا: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.

ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي أي: الحاكم في كل شيءٍ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي: أرجع في جميع الأمور.

وقوله جلَّ جلاله: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: خالقهما وما بينهما.

جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا أي: من جنسكم وشكلكم مِنَّةً عليكم وتفضُّلًا جعل من جنسكم ذكرًا وأنثى.

وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا أي: وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواجٍ.

وقوله تبارك وتعالى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي: يخلقكم فيه، أي: في ذلك الخَلْق على هذه الصفة لا يزال يذرؤكم فيه ذكورًا وإناثًا، خَلْقًا من بعد خلقٍ، وجيلًا بعد جيلٍ، ونَسْلًا بعد نَسْلٍ من الناس والأنعام.

وقال البغويُّ رحمه الله: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي: في الرَّحم، وقيل: في البطن، وقيل: في هذا الوجه من الخِلْقَة.

قال مجاهد: ونَسْلًا بعد نَسْلٍ من الناس والأنعام.

وقيل: "في" بمعنى الباء، أي: يذرؤكم به.

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي: ليس كخالق الأزواج كلها شيءٌ؛ لأنه الفَرْد الصَّمد الذي لا نظير له، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

وقوله تعالى: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تقدَّم تفسيره في سورة الزمر، وحاصل ذلك: أنه المُتَصَرِّف الحاكم فيهما.

يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ أي: يُوَسِّع على مَن يشاء، ويُضَيِّق على مَن يشاء، وله الحكمة والعدل التَّام، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ۝ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [الشورى:13- 14].

يقول تعالى لهذه الأُمَّة: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ فذكر أول الرسل بعد آدم عليه السلام وهو نوحٌ عليه السلام، وآخرهم محمدٌ ﷺ، ثم ذكر مَن بين ذلك من أُولي العَزْم، وهم: إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم عليهم السلام.

وهذه الآية انتظمتْ ذِكْر الخمسة كما اشتملتْ آية الأحزاب عليهم في قوله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .. الآية [الأحزاب:7]، والدِّين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

الشيخ: وهذا هو دين الله الذي بعث به الرسل جميعًا، بعث الله الرسل جميعًا بعبادته وحده، أن يُعْبَد وحده، فهو الذي يُسْأَل، وهو الذي يُرْجَى، وهو الذي يُخَاف، وهو الذي يُتَقَرَّب إليه بأنواع العبادة، كما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

فالحكمة في إرسال الرسل وفي خَلْق الخَلْق: أن يعبدوا الله.

خُلِقَ الثَّقلان، وأُرسلت الرسل لِيُعْبَد وحده لا شريك له بتوجيه القلوب إليه، ودعائه، والاستغاثة به، والذَّبح له، والنَّذر له، وغير هذا من العبادات، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162- 163]، وقال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11]، وقال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2- 3]، وقال تعالى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14].

وبهذا يُعلم أن ما يفعله الكثير من الجُهَّال من التَّعلق على أصحاب القبور و..... بأصحاب القبور، أو بالجنِّ، أو بالملائكة، أو بالأولياء، أو بالنجوم، كل ذلك من الشرك بالله، ومن عبادة غيره، كل ذلك مُضادٌّ لقوله جلَّ وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

قال جلَّ وعلا: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13] يَعُمُّ جميع الخلق: الرسل والملائكة والجنّ والأصنام والنُّجوم، وغير ذلك، مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ القطمير: اللّفافة التي على النَّواة، نواة التَّمر.

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [فاطر:14]، هؤلاء المَدْعُوون لا يسمعون، ما بين جمادٍ كالصنم، أو غائبٍ لا يسمع، أو ميتٍ، فهم كلهم لا يسمعون دعاء مَن دعاهم، ثم إن سمعوا لم يستجيبوا، لو قُدِّر أنهم سمعوا كالأحياء لم يستجيبوا، فإذا عبد الملائكة أو بعض المشايخ أو نحوهم ممن هو حيٌّ يسمع لم يستجيبوا له في طلباته: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14] يجحدونه ويُنْكِرونه، ويقولون: تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63].

ويقول: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5- 6] جاحدين لهم .....

أما الحي الحاضر فيما يقدر عليه فليس داخلًا في هذا، الحي الحاضر القادر على الاستجابة ليس داخلًا في هذا، كأن تقول: يا أخي، أعنِّي على كذا. أو لصديقٍ أو لزيدٍ أو لعمرٍو أو للعامل الفلاني تستعمله بأجرةٍ أو بغير أجرةٍ، تأمره يعمل في المزرعة: اسْقِ كذا، احْرُثْ كذا، اقطع كذا، ..... كذا، هذه أمورٌ جائزةٌ؛ لأنه يسمعك ويقدر، فلا بأس بذلك، كما قال تعالى في قصة موسى مع القبطي: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15]، استغاث الإسرائيلي بموسى على القبطي، فأغاثه موسى؛ لأن موسى يسمع، حيّ.

وهكذا قوله تعالى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21] يعني: خوفًا من ..... فرعون وأصحابه.

فخوف الإنسان من الأعداء حتى يعدّ العُدة أمرٌ مطلوبٌ؛ خوفه من اللصوص حتى يُغلق الباب، حتى يجعل حراسةً، أمرٌ مطلوبٌ.

خوفه من الهلكة بأن يبتعد عن مواضع الهلكة؛ عن الشيء الجارف، عن مواضع السباع .. إلى غيرها، هذا أمرٌ مطلوبٌ، لكن كونه يعبد ويدعو مَن لا يسمع ولا يستجيب من ميتٍ أو جمادٍ أو غائبٍ، يعتقد أنه ينفعه، أو يعتقد أنه يسمعه، قد يُجيبه، هذا هو عمل المشركين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، يدعون الملائكة والأنبياء والجنَّ وغيرهم، يتقربون إليهم بما طلبوا.

فالواجب على جميع المُكلَّفين إخلاص العبادة لله وحده، وتوجيه القلوب إليه سبحانه في جميع الأمور.

القارئ:

وفي الحديث: نحن معشر الأنبياء ...