بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى:
تفسير سورة الشورى، وهي مكيةٌ:
بسم الله الرحمن الرحيم
حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشورى:1- 6].
قد تقدَّم الكلام على الحروف المُقَطَّعة.
وقد روى ابن جريرٍ هاهنا أثرًا غريبًا، عجيبًا، مُنْكَرًا، فقال: أخبرنا أحمد بن زُهَير: حدثنا عبدالوهاب بن نَجْدَةَ الحَوْطِيُّ: حدثنا أبو المُغيرة عبدالقدوس بن الحجَّاج، عن أَرْطَاة بن المنذر قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ رضي الله عنهما فقال له -وعنده حُذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه-: أخبرني عن تفسير قوله تعالى: حم عسق. قال: فأطرق، ثم أعرض عنه، ثم كرَّر مقالته، فأعرض عنه، فلم يُجِبْهُ بشيءٍ، وكَرِهَ مقالته، ثم كرَّرها الثالثة فلم يُجْرِ إليه شيئًا، فقال له حذيفة : أنا أُنْبِئُك بها، قد عرفتُ لِمَ كَرِهَها؟ نزلتْ في رجلٍ من أهل بيته يُقال له: عبدالإله أو عبدالله، ينزل على نهرٍ من أنهار المشرق تُبْنَى عليه مدينتان، يشقُّ النهرُ بينهما شقًّا، فإذا أَذِنَ الله تبارك وتعالى في زوال ملكهم، وانقطاع دولتهم ومُدَّتِهم، بَعَثَ الله على إحداهما نارًا ليلًا فتُصْبِح سوداء مُظْلِمَةً قد احترقتْ، كأنَّها لم تكن مكانها، وتُصْبِح صاحبتها مُتَعَجِّبَةً: كيف أَفْلَتَتْ؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كلُّ جبارٍ عنيدٍ منهم، ثم يخسف اللهُ بها وبهم جميعًا، فذلك قوله تعالى: حم عسق يعني: عزيمةٌ من الله تعالى وفتنةٌ وقضاء، "حم عين" يعني: عدلًا منه، "سين" يعني: سيكون، "قاف" يعني: واقعٌ بهاتين المدينتين.
وأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى المَوصليُّ في الجزء الثاني من مسند ابن عباسٍ ، وعن أبي ذَرٍّ ، عن النبي ﷺ في ذلك، ولكنَّ إسناده ضعيفٌ جدًّا ومُنْقَطِعٌ، فإنه قال: حدثنا أبو طالبٍ عبدالجبَّار بن عاصمٍ: حدثنا أبو عبدالله الحسن بن يحيى الخُشَنِيُّ الدِّمَشْقِي، عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب المنبر فقال: أيها الناس، هل سمع منكم أحدٌ رسولَ الله ﷺ يُفَسِّر: حم عسق؟ فَوَثَبَ ابن عباسٍ فقال: أنا. قال: حم اسمٌ من أسماء الله تعالى. قال: فعينٌ؟ قال: عايَنَ المُوَلُّون عذاب يوم بدرٍ. قال: فسينٌ؟ قال: سيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنْقَلَبٍ ينقلبون. قال: فقافٌ؟ فسكت، فقام أبو ذَرٍّ فَفَسَّر كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وقال: قافٌ قارعةٌ من السماء تَغْشَى الناس.
الشيخ: هذه أخبارٌ موضوعةٌ تحتاج إلى مراجعة أسانيدها، والتَّنبيه عليها، والمؤلف أشار بضعف الأخير، ولم يتعرض للأول، وكان الواجب على مثله أن يعتني بها رحمه الله، لكن لظهور سقوط متونها وعدم صحتها تساهل ..... وإلا لا شكَّ أنها غير صحيحةٍ.
طالب: يا شيخ، قال في الأول: غريب، عجيب، مُنْكَر.
الشيخ: نعم، نعم، هذا ضعيفٌ، نعم، لكن مثل هذا يحتاج إلى مزيد إيضاح أسباب النَّكارة وأسباب الضعف.
والصواب: أن هذه من الحروف المُقطعة، ولله فيها حكمةٌ، مثل: الم وحم وطس، وأشباه ذلك، وكهيعص، طه، كلها حروفٌ مُقطعةٌ.
ذكر بعض أهل العلم: أن المراد بذلك إشارةٌ إلى أن هذا الكتاب العظيم المُعْجِز تألَّف من هذه الحروف التي تعرفونها وتقرؤونها، وهو كتاب الله، فيه الهدى والنور، وهو المُعْجِز الذي لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، ولا بعشر سُوَرٍ منه، ولا بسورةٍ، وهو مع هذا مُؤلَّفٌ ومُنزلٌ من هذه الحروف التي تقرؤونها وتعرفونها.
القارئ:
وقوله : كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي: كما أنزل إليك هذا القرآن كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك.
وقوله تعالى: اللَّهُ الْعَزِيزُ أي: في انتقامه، الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله.
الشيخ: صواب العبارة: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ يعني: كما أوحى إلى مَن قبلك، كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ يعني: كما أوحى إلى الرسل قبلك من نوحٍ وهود وصالح وغيرهم، فهكذا أوحى إليك هذا القرآن، وأوحى إليك السُّنة، فإن سُنته واحدةٌ ؛ يُوحي إلى أنبيائه ورسله، ويُنزل عليهم الكتب؛ لإقامة الحُجَّة، وقطع المعذرة، وبيان طريق السعادة، وطريق الشَّقاوة؛ حتى لا يبقى لأحدٍ حُجَّةٌ.
القارئ:
قال الإمام مالكٌ رحمه الله: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنَّ الحارث بن هشامٍ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَة الجرس، وهو أشدُّه عليَّ، فَيَفْصِمُ عني وقد وَعَيْتُ ما قال، وأحيانًا يأتيني المَلَكُ رجلًا فيُكَلِّمُني فَأَعِي ما يقول.
قالت عائشة رضي الله عنها: فلقد رأيتُه ينزل عليه الوحيُ في اليوم الشديد البرد فَيَفْصِم عنه وإنَّ جبينه ﷺ ليَتَفَصَّد عَرَقًا. أخرجاه في الصحيحين، ولفظه للبخاري.
الشيخ: ..... إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] يشتدّ عليه حتى يتفصد جبينه عرقًا من شدة الأمر في اليوم الشَّاتي البارد.
وهناك نوعٌ ثالثٌ وهو: ما كلَّمه اللهُ به تكليمًا في فرض الصلوات الخمس، كلَّمه تكليمًا كما كلَّم موسى عليه السلام.
فالمُنزل عليه منه ما هو مُباشرة: كتكليم الله له في فرض الصلوات الخمس، ومنه ما هو بالوحي الذي هو أشدّه عليه، يسمع الصوت كصوت الجرس، فيفهم ما يُقال له من طريق المَلَك، وتارةً -وهي الحال الثالثة- يتمثل له المَلَك رجلًا فيُكَلِّمه، كما وقع ذلك كثيرًا في مجيء جبرائيل وغيره إليه عليه الصلاة والسلام، وكما جاء حين سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجلٍ غريبٍ.
القارئ:
وقد رواه الطبراني عن عبدالله ابن الإمام أحمد، عن أبيه، عن عامر بن صالحٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، عن الحارث بن هشامٍ: أنَّه سأل رسول الله ﷺ: كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال ﷺ: في مثل صَلْصَلَة الجرس، فَيَفْصِم عني وقد وَعَيْتُ ما قاله، وقال: وهو أشدُّه عليَّ، قال: وأحيانًا يأتيني المَلَكُ فيَتَمَثَّل لي فيُكَلِّمُني فَأَعِي ما يقول.
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن عمرو بن الوليد، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: سألتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله، هل تُحِسُّ بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: أسمع صَلَاصِلَ، ثم أسكتُ عند ذلك، فما من مرَّةٍ يُوحَى إليَّ إلا ظننتُ أنَّ نفسي تُقْبَض. تفرَّد به أحمد.
وقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمِنَّة.
الشيخ: أعد السند، حدثنا قتيبة.
القارئ: وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن عمرو بن الوليد، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما.
الشيخ: يكفي، انظر: عمرو بن الوليد، والحديث ضعيفٌ؛ لأن ابن لهيعة ضعيفٌ، وعمرو بن الوليد يحتاج إلى نظرٍ فيه.
طالب من "التقريب": قال: عمرو بن الوليد بن عَبْدَة –بفتحتين- السَّهْمِي، مولى عمرو بن العاص، مصري، صدوق، من الثالثة، مات سنة ثلاثٍ ومئة.
الشيخ: هذا على كل حالٍ ضعيفٌ من طريق ابن لهيعة، ولا شكَّ أن الوحي من طريق الصوت من غير حضور المَلَك هو أشدّه عليه، كما أخبرت عائشة أنه يُوحَى إليه في اليوم الشَّاتي حتى يَتَفَصَّد جبينه عرقًا من شدة ثقله، ولكن الغريب في هذا قوله في آخره: حتى تكاد روحي تخرج من شدة الوحي، هذا من غرائب ابن لهيعة رحمه الله.
المقصود أنه شديدٌ عليه، ولكن يتكلم، يُكلم الناس، وينزل عليه الوحي، وقد نزل عليه الوحي وهو يأكل وفي يده عَرْقٌ، فلم يسقط العَرْق من يده عليه الصلاة والسلام، ثم كلم الناس بعد ذلك بما أُوحي إليه.
وهكذا لما سأله صاحب الإحرام بالعمرة، وقد تَضَمَّخَ بالطِّيب ..... فنزل عليه الوحي في الحال وأخبره .. نعم.
المقصود أن الوحي له ثلاث حالاتٍ:
- تارةً من الله جلَّ وعلا مُباشرةً، كما جرى في ليلة الإسراء والمعراج.
- وتارةً بواسطة الوحي الذي هو أشدّه عليه، ويسمع صَلْصَلَةً شديدةً كصوت الجرس، ثم يَعِي ما يقول المَلَك له، وهذا الصوت لينتبه ويستعد لما يُوحَى إليه بسماع هذا الصوت -صوت الجرس- وعند سماعه لهذا يسمع كلام المَلَك.
- والحالة الثالثة: يأتيه المَلَك في صورة رجلٍ فيُكلمه، وهذا كثيرٌ.
القارئ:
وقوله تبارك وتعالى: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: الجميع عبيدٌ له ومِلْكٌ له، تحت قهره وتصريفه، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ كقوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد:9]، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]، والآيات في هذا كثيرةٌ.
وقوله : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما والضحاك وقتادة والسُّدِّي وكعب الأحبار: أي: فَرَقًا من العَظَمَة.
الشيخ: يعني: من عظمة الله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ يعني: خوفًا من الله وتعظيمًا له جلَّ وعلا.
القارئ:
وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ كقوله جلَّ وعلا: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7].
وقوله جلَّ جلاله: أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ إعلامٌ بذلك وتنويهٌ به.
وقوله : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يعني: المشركين.
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ أي: شهيدٌ على أعمالهم، يُحْصِيها ويَعُدُّها عَدًّا، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء.
وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي: إنما أنت نذيرٌ، والله على كل شيءٍ وكيلٌ.
الشيخ: سبحانه، لا إله إلا هو.
القارئ:
الشيخ: بركة، سَمِّ.
طالب: .......
الشيخ: إي، نعم، راجعتَه؟
الطالب: .......
الشيخ: نعم.
الطالب: .......
الشيخ: سنده؟
الطالب: نعم.
بسم الله الرحمن الرحيم
نقل ابن كثيرٍ في تفسيره نقلًا عن ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا خلف بن تميمٍ قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن سعيدٍ الأنصاري -ووقع في بعض النُّسخ: حدثنا عبدالله بن محمد: حدثنا سعيد الأنصاري، وهو خطأٌ- أن عمر بن عبدالعزيز صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: أيها الناس، فإني لم أجمعكم لأمرٍ أُحْدِثُه فيكم، ولكن فكَّرتُ في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون، فعلمتُ أن المُصَدِّق بهذا الأمر أحمق، والمُكَذِّب به هالكٌ. ثم نزل.
وقوله: "المُصَدِّق بهذا الأمر أحمق" لا يخفى ما فيه من نكارةٍ .....
أما عن إسناد هذا الأثر: فشيخ ابن أبي الدنيا هو أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، المصري، ثقةٌ، من رجال مسلمٍ، يرويه عن خلف بن تميم بن أبي عتاب، الكوفي، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم، وقال العجلي: لا بأس به. روى له النَّسائي وابن ماجه، يرويه عن عبدالله بن محمد بن سعيد الأنصاري، ذكره المزي في مشيخة خلف بن تميم في كتابه ..... ولكن قال: "سعد" بدل "سعيد"، ولم أجد لعبدالله بن محمد الأنصاري هذا ذكرًا فيما أملك من كتب الرجال: كتاريخ البخاري، وكتاب ابن أبي حاتم، و"الثقات" لابن حبان، و"تهذيب الكمال" ومُلحقاته، و"ميزان الاعتدال"، و"لسان الميزان"، وغيرهم، والله أعلم بحاله.
وقد رُوِيَ من غير طريقه بلفظٍ أحسن وأسلم؛ فقال أبو نعيمٍ في كتابه "حلية الأولياء" في أخبار عمر بن عبدالعزيز يرحمه الله: حدثنا أبو محمد بن حيان -وهو أبو الشيخ صاحب التَّصانيف الثِّقة المشهور- قال: حدثنا علي بن رُسْتُم قال: حدثنا عبدالرحمن بن عمر قال: حدثنا أبو الجَرَّاح قال: حدثني محمد الكوفي قال: شَهِدْتُ عمر بن عبدالعزيز يخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الله تعالى خلق خلقه، ثم أرقدهم، ثم يبعثهم من رَقْدَتهم، فإما إلى جنةٍ، وإما إلى نارٍ، والله إنْ كنا مُصَدِّقين بهذا إنَّا لَحَمْقَى، وإن كنا مُكَذِّبين بهذا إنَّا لَهَلْكَى. ثم نزل.
علي بن رُستم الطَّهراني ذكره أبو نعيمٍ في "أخبار أصبهان"، ولم يذكر فيه جرحًا، وبقية رجال الإسناد لم أعرفهم، ولكن هذا الأثر أسلم من الأثر السابق.
الشيخ: المقصود أنه ليس بصحيحٍ عن عمر، فيبعد عن عمر أن يقول: "المُصَدِّق أحمق، والمُكَذِّب هالك"، لا يليق به.
السند الأول فيه مجهولٌ لا يُعرف حاله، والأخير كذلك فيه مجاهيل، وعمر عنده من الفقه والدِّين ما يمنعه من أن يقول: "المُصَدِّق أحمق، والمُكَذِّب هالك"، المُصَدِّق ليس بأحمق، مُصَدِّق الرسل وأتباعهم، والمؤمنون هم المُصَدِّقون، وهم العقلاء، فهم أعقل الناس، وخير الناس، والأحمق: المُفَرِّط المُضَيِّع.
س: يقال: ..... أوائل السور من الحروف المُقطعة .....؟
ج: الله أعلم، هذا مشهورٌ عند العلماء.
والقول الثاني: أنه للتَّنبيه على أن القرآن الذي هو مُعْجِزٌ مُؤلَّفٌ من هذه الحروف.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى:7- 8].
يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا، أي: واضحًا، جَلِيًّا، بَيِّنًا: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وهي مكة وَمَنْ حَوْلَهَا أي: من سائر البلاد شرقًا وغربًا.
وسُمِّيت مكة "أم القرى" لأنها أشرف من سائر البلاد؛ لأدلةٍ كثيرةٍ مذكورةٍ في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأَدَلِّه ما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان: حدثنا شعيبٌ، عن الزهري: حدثنا أبو سلمة بن عبدالرحمن قال: إنَّ عبدالله بن عدي بن الحَمْرَاء الزُّهري أخبره: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقفٌ بالحَزْوَرَة في سوق مكة: والله إنَّكِ لَخَيْر أرض الله، وأحبُّ أرض الله إليَّ، ولولا أني أُخْرِجْتُ منكِ ما خرجتُ.
هكذا رواه الترمذي والنَّسائي وابن ماجه من حديث الزهري به، وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ.
الشيخ: وهذا إسنادٌ جيدٌ صحيحٌ، وهو يدل على أن مكة خير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم بعدها المدينة، كما في الحديث الصحيح: المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، فأفضل بقاع الأرض وخير بقاع الأرض مكة المكرمة التي أنزل الله فيها القرآن، وبعث فيها نبيه عليه الصلاة والسلام، ثم بعدها المدينة المنورة، ولكنه أُخْرِجَ منها بسبب كفر كفار قريشٍ وأذاهم وظلمهم وعدوانهم، فأذن الله له في الهجرة إلى المدينة، لا لأن مكة مفضولةٌ، ولكن لأنه أُوذي فيها، فخرج منها إلى المدينة لإظهار دين الله، وإقامة حكم الله في أرض الله، اللهم صلِّ عليه وسلم.
القارئ:
وقوله : وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة، يجمع الله الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ.
وقوله تعالى: لَا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شكَّ في وقوعه، وأنه كائنٌ لا محالة.
الشيخ: والمقصود أن الله جلَّ وعلا بعث نبيه ﷺ ليُنْذِر الناس؛ ليُنْذِر أهل مكة وغيرهم من سائر الأمم، كل مَن سوى مكة حولها من شرقٍ وغربٍ وجنوبٍ وشمالٍ، يعني: جميع أهل الأرض: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، والله يقول: وَأَنْذِرِ النَّاسَ [إبراهيم:44]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، فبعثه الله ليُبَشِّر الناس، ويُنْذِر الناس، يُنْذِرهم يوم الجمع، يوم الجمع: يوم القيامة؛ لأن الله يجمع فيه الأولين والآخرين: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة:49- 50]، هذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى فريقين: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وينتهي هذا العالم إلى دارين: دار الجنة لمَن اتَّقى، ودار النار لمَن كفر وعصى، هذه النهاية.
نهاية هذا اليوم -يوم الجمع- يجمع الله فيه الخلائق أولهم وآخرهم، ويُجازيهم بأعمالهم، ثم يصدرون من هذا المجمع إلى دارين: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ إلى دار الجنة، وإلى دار النار، هذه النهاية، نسأل الله السلامة والعافية.
فجديرٌ بالعاقل وجديرٌ بالمُكلف أن يعدّ العُدة لهذا اليوم، وأن يجتهد في طاعة الله ورسوله ﷺ، وأن يحذر ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ لعله ينجو في هذا اليوم، يعني: يوم الجمع، يوم القيامة، يوم تقوم الساعة، ويجمع الله الخلائق، ويُجازيهم بأعمالهم: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:6- 9].
وكلٌّ يجد ما قدَّم حتى مثاقيل الذَّر، مثاقيل الذَّر يجدها العامل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7- 8] ..... يدل على أن الأمر عظيمٌ، وأن كل شيءٍ مُحْصًى.
ويقول جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، ويقول سبحانه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].
فالواجب على كل مُكلَّفٍ، وعلى كل مَن يريد السعادة والسلامة أن يعدَّ العُدة لهذا اليوم، وأن يكون على باله، وأن يجتهد في عمل الخير: قليله وكثيره، وأن يحذر الشرَّ كله: قليله وكثيره: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
إذا تصدق بدرهمٍ كم فيه من مثاقيل الذَّر؟ أو تمرةٍ أو تمرتين كم فيها من مثاقيل الذَّر؟ وإذا تصدق بكثيرٍ ..... كيلو كيلوين، مئة كيلو، كم يكون؟
وإذا قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، كم في هذا من مثاقيل الذَّر من الخير العظيم؟
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
هكذا الصلوات والصدقات والصيام والحجّ، وغير هذا من أنواع الخير، كل هذه الخيرات مع الإخلاص لله والصدق ومُوافقة الشرع، كلها تُحْسَب له، وتُحْفَظ له، وتُجْمَع له.
س: السُّكنى في مكة -يا شيخ- فيها فضيلةٌ؟
ج: السُّكنى في مكة فيها فضلٌ لمَن حافظ واستقام، وفيها خطرٌ لمَن تساهل، ولا حول ولا قوة إلا بالله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].