قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [غافر:66- 68].
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله ينهى أن يُعبد أحدٌ سواه من الأصنام والأنداد والأوثان، وقد بيَّن تبارك وتعالى أنه لا يستحق العبادة أحدٌ سواه في قوله جلَّتْ عظمته: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا أي: هو الذي يُقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك كله.
الشيخ: وهذا يُبين أنه سبحانه المُستحق لأن يُعبد، فإنه الخلَّاق، الرَّزاق، فهو المُستحقُّ لأن يُعبد جلَّ وعلا؛ ولهذا يقول سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58].
والله هنا يقول: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أي: قل يا محمد للناس: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فالله نهى أنبياءه ورسله، ونهى الخلق جميعًا أن يعبدوا معه سواه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].
والواجب على جميع الثَّقلين إخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].
هو الذي خلقهم من نُطْفَةٍ من ماءٍ مهينٍ، ثم من علقةٍ: الدم اليسير، ثم من مُضْغَةٍ: لحمة، ثم يُخطط، يكون فيها سمعه وبصره وسائر أعضائه، ثم يُخرجه الله طفلًا، ثم شابًّا، ثم يكون شيخًا، كل هذا من تدبيره جلَّ وعلا و..... وأمره وقُدرته .
والواجب على جميع المُكلَّفين أن يعبدوه، وأن يُعَظِّموا أمره ونهيه، وأن ينقادوا لشرعه، وأن يقفوا عند حدوده؛ لأنه إلههم ومعبودهم الحقّ، ومُوجدهم، ومُصرف أمورهم، ورازقهم .
ومن أقبح الظلم، ومن أقبح الشرِّ والفساد والعناد: صرف العبادة لغير الخلَّاق العظيم ؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62].
القارئ: وقال : وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
قوله: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم، بل تُسقطه أمه سقطًا، ومنهم مَن يُتوفى صغيرًا وشابًّا وكهلًا قبل الشيخوخة، كقوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج:5].
وقال هاهنا: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قال ابن جُريجٍ: تتذكرون البعث.
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: هو المُتفرد بذلك، لا يقدر على ذلك أحدٌ سواه.
فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: لا يُخالَف، ولا يُمانَع، بل ما شاء كان لا محالة.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [غافر:69- 76].
يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المُكذِّبين بآيات الله، ويُجادلون في الحقِّ بالباطل، كيف تُصْرَف عقولهم عن الهدى إلى الضَّلال؟!
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا أي: من الهدى والبيان فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ هذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيدٌ أكيدٌ من الربِّ لهؤلاء، كما قال تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات:15].
وقوله : إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ أي: مُتَّصلة بالأغلال بأيدي الزَّبانية يسحبونهم على وجوههم تارةً إلى الحميم، وتارةً إلى الجحيم؛ ولهذا قال تعالى: يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ، كما قال تبارك وتعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:43- 44]، وقال تعالى بعد ذكر أكلهم الزَّقُّوم، وشربهم الحميم: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات:68]، وقال : وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إلى أن قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة:41- 56]، وقال : إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان:43- 50] أي: يُقال لهم ذلك على وجه التَّقريع والتَّوبيخ والتَّحقير والتَّصغير والتَّهكم والاستهزاء بهم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين: حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا منصور بن عمار: حدثنا بشير بن طلحة الخزامي، عن خالد بن دريك، عن يَعْلَى بن مُنَبِّه.
الشيخ: يَعْلَى؟
القارئ: يَعْلَى، نعم.
الشيخ: يَعْلَى؟
القارئ: نعم.
الشيخ: كذا عندكم؟
طالب: .......
الشيخ: يَعْلَى ابن مُنْيَة.
القارئ: ابن مُنْيَة؟
الشيخ: نعم، يُقال: مُنْيَة. ويُقال: يَعْلَى بن أُمية، أبوه أُمية، وأمه مُنْيَة، فتارةً يُنْسَب إلى أبيه: أُمية، وتارةً يُنْسَب إلى أمه: مُنْيَة.
القارئ: عن يَعْلَى ابن مُنْيَة، رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: يُنْشِئ الله سحابةً لأهل النار سوداء مُظلمةً، ويُقال: يا أهل النار، أي شيءٍ تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا، فيقولون: نسأل بارد الشراب. فتُمطرهم أغلالًا تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يُلْهِب النار عليهم، هذا حديثٌ غريبٌ.
وقوله تعالى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: قيل لهم: أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل ينصرونكم اليوم؟
قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي: ذهبوا فلم ينفعونا، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا أي: جحدوا عبادتهم، كقوله جَلَّتْ عظمته: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23]؛ ولهذا قال : كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ.
وقوله: ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي: تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاءٌ على فرحكم في الدنيا بغير حقٍّ، ومرحكم وأَشَركم وبَطَركم.
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمَن استكبر عن آيات الله واتِّباع دلائله وحُجَجه، والله أعلم.
الشيخ: وهذا تقريعٌ وتوبيخٌ في النار، وفي القيامة لهم أحوال؛ فتارةً يجحدون شركهم: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، وتارةً يُقرون ويعترفون، ولكن لا ينفعهم ذلك، كل ذلك مما يزيدهم شرًّا وبلاءً؛ لأن الأمر قد انتهى، فليس هناك حيلةٌ؛ ولهذا يقولون: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12]، ويقول جلَّ وعلا: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، والرد عليهم: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37]، فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ:30]، كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97]، نسأل الله العافية.
المقصود: أن الرجعة عن الذنوب والتوبة منها إنما تكون في الدنيا، أما الآخرة فليست دار توبةٍ، ولا دار رجوعٍ، ولكنها دار جزاءٍ، فالواجب على المُكلَّف أن يحذر هذا المصير، وأن يُبادر بالتوبة في دار العمل.
هذه الدار دار العمل، دار التوبة، دار التَّكليف، هذه محل العمل، أما الآخرة فهي دار الجزاء.
والله قصَّ في كتابه الكريم أخبار المؤمنين، وما وعدهم به من النعيم، وأخبار الكافرين، وما أعدَّ لهم من الجحيم؛ ليتذكر مَن يتذكر ممن .....؛ ولتقوم الحُجَّة، وتنقطع المعذرة.
فالواجب تدبر هذا الكتاب العظيم: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى [النجم:56]، فلا بد من الانتباه واليقظة، فما دُمْتَ في هذه الدار فأنت في دار العمل ..... فجاهد هواك وشيطانك وجُلساء السُّوء، واحذر مغبة تفريطك وتساهلك وإعراضك.
فالآخرة شأنها عظيمٌ، فهي دار الجزاء: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:34- 41]، هذا محل نهي النَّفس عن الهوى، هذه الدار: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:9- 10].
نسأل الله لنا ولكم التوفيق.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والبصيرة والاستعداد للآخرة.
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر:77- 78].
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب مَن كذَّبه من قومه، فإن الله تعالى سيُنْجِز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك، وجعل العاقبة لك ولمَن اتَّبعك في الدنيا والآخرة: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أي: في الدنيا، وكذلك وقع؛ فإن الله تعالى أقرَّ أعينهم من كُبَرائهم وعُظَمَائهم؛ أُبِيدوا في يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته ﷺ.
وقوله : أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ أي: فنُذيقهم العذاب الشديد في الآخرة.
ثم قال تعالى مُسَلِّيًا له: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ، كما قال جلَّ وعلا في سورة النساء سواء، أي: منهم مَن أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم، كيف كذَّبوهم، ثم كانت للرسل العاقبة والنُّصرة، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وهم أكثر ممن ذُكِرَ بأضعاف أضعاف، كما تقدم التَّنبيه على ذلك في سورة النساء، ولله الحمد والمنَّة.
وقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي: ولم يكن لواحدٍ من الرسل أن يأتي قومه بخارقٍ للعادات إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيدل على صدقه فيما جاءهم به، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وهو عذابه ونَكَاله المُحيط بالمُكذِّبين قُضِيَ بِالْحَقِّ فَيُنْجِي المؤمنين، ويُهْلِك الكافرين؛ ولهذا قال : وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ.
الشيخ: نسأل الله العافية، نسأل الله العافية، اللهم سلّم، سلّم.
القارئ: الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [غافر:79- 81].
يقول تعالى مُمْتَنًّا على عباده بما خلق لهم من الأنعام -وهي الإبل والبقر والغنم-: فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:72]، فالإبل تُرْكَب وتُؤْكَل وتُحْلَب، ويُحْمَل عليها الأثقال في الأسفار والرِّحال إلى البلاد النَّائية والأقطار الشَّاسعة، والبقر تُؤْكَل ويُشْرَب لبنها، وتُحْرَث عليها الأرض، والغنم تُؤْكَل ويُشْرَب لبنها، والجميع تُجَزّ أصوافها وأشعارها وأوبارها فَيُتَّخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة، كما فُصِّل وبُيِّن في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام، وسورة النحل، وغير ذلك.
الشيخ: وهذا من فضله جلَّ وعلا، يُذَكِّر عباده بنعمه، فهو الذي خلق لهم الأنعام فيها ركوبهم، وفيها الانتفاع بلحوم الإبل والبقر والغنم، والانتفاع بما خلق الله فيها من أصوافٍ وأشعارٍ، وغير هذا مما خلق لهم في هذه الأنعام، فهي من نعمه العظيمة جلَّ وعلا، يُذَكِّرهم بها سبحانه، وهكذا بقية نعمه، كما قال تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، وخلق لهم أيضًا السيارات والطائرات، وخلق المراكب البحرية، كل ذلك من نعمه العظيمة.
فالواجب على كل مُكلَّفٍ شكر الله على نعمه وإحسانه، فإنه سبحانه المُنْعِم على عباده؛ ليستعينوا بهذه النعم على طاعته: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، كل ما في الأرض من مآكل ومشارب ومناكح ومراكب وغير ذلك، قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]، سخَّر لهم الأمطار والرياح وغير هذا مما سخَّر لهم من نعمه العظيمة؛ ليستعينوا بهذه النعم على طاعته جلَّ وعلا، ويشكروه على جميع إنعامه بطاعة أوامره، وترك نواهيه.
وهذه الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، ومنافعها لا تخفى، منافعها وما فيها من الخير العظيم لا تخفى على أحدٍ ..... وغير ذلك من النعم الأخرى التي خلقها لعباده من أنواع الطيور، وأنواع المعادن، وأنواع الأشجار، وأنواع الثمار والأنهار الجارية، وغير هذا من نعمه العظيمة.
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58]، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21- 22].
القارئ:
ولذا قال هاهنا: لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ.
وقوله جلَّ وعلا: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ أي: حُجَجه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم، فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ أي: لا تقدرون على إنكار شيءٍ من آياته إلا أن تُعاندوا وتُكابروا.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.
القارئ:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر:82- 85].
يُخبر تعالى عن الأمم المُكَذِّبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حلَّ بهم من العذاب الشديد، مع شدة قُواهم وما آثَرُوه في الأرض وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئًا، ولا ردَّ عنهم ذرةً من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدَّامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل.
قال مجاهدٌ: قالوا: نحن أعلم منهم، لن نُبْعَث، ولن نُعَذَّب.
الشيخ: وهذا علمهم الباطل، عندهم العلوم الباطلة والشبهات الفاسدة التي اعتقدوها مُفيدةً ونافعةً، وأنه علمٌ مُفيدٌ، وهو في الحقيقة دمارٌ وهلاكٌ، فهو علمٌ باطلٌ، لا يُغْنِي عنهم من الله شيئًا، نسأل الله العافية.
القارئ:
وقال السّدي: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قِبَل لهم به، وَحَاقَ بِهِمْ أي: أحاط بهم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أي: يُكَذِّبون ويستبعدون وقوعه، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ أي: وحَّدوا الله ، وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تُقال العَثَرات، ولا تنفع المعذرة.
وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]، قال الله تبارك وتعالى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91] أي: فلم يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى عليه الصلاة والسلام دعاءه عليهم حين قال: وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:88].
وهكذا قال تعالى هاهنا: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ أي: هذا حكم الله في جميع مَن تاب عند مُعاينة العذاب: أنه لا يُقْبَل؛ ولهذا جاء في الحديث: إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر أي: فإذا غَرْغَرَ وبلغت الروحُ الحنجرة وعاين المَلَك فلا توبة حينئذٍ؛ ولهذا قال تعالى: وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ.