تفسير قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ...}

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى:

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيدٍ: حدثنا المُحاربي: حدثنا ليثٌ، عن عبدالرحمن بن ثروان، عن هُذيلٍ، عن عبدالله بن مسعود.

الشيخ: بالزاي؟

القارئ: نعم؟

الشيخ: بالزاي؟

القارئ: ابن ثروان.

الشيخ: هُذيل؟

القارئ: نعم؟

الشيخ: عن هُذيل؟

القارئ: نعم، عن هُذيل.

الشيخ: بالزاي أو بالذال؟

القارئ: بالذال.

الشيخ: بالزاي: هُزيل.

القارئ:

عن هزيل، عن عبدالله بن مسعودٍ قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيورٍ خُضْرٍ تَسْرَح بهم في الجنة حيث شاؤوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تَسْرَح في الجنة حيث شاءتْ، فتأوي إلى قناديل مُعلَّقةٍ في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيورٍ سُودٍ تَغْدُو على جهنم وتروح عليها، فذلك عَرْضُها.

وقد رواه الثوري، عن أبي قيسٍ، عن أبي الهذيل بن شُرَحْبِيل.

الشيخ: عن هُزيل، عن أبي قيس، عن هُزيل.

طالب: عن أبي الهذيل.

الشيخ: عن أبي الهُذيل؟

الطالب: نعم، عن أبي الهُذيل.

الشيخ: ماذا عندكم؟

القارئ: وقد رواه الثوري، عن أبي قيس، عن أبي الهذيل بن شُرَحْبِيل.

الشيخ: عن هُزيل بن شُرَحْبِيل، "أبي" ما لها محلّ.

القارئ: عن الهزيل؟

الشيخ: عن هُزيل بن شُرَحْبِيل، نعم.

الطالب: .......

الشيخ: هذا هو هُزيل بالزاي، "التقريب" عندك؟ انظر "التقريب".

القارئ: وقد رواه الثوري، عن أبي قيسٍ، عن هُزيلٍ.

الطالب: "الخلاصة".

الشيخ: ماذا عندك؟

الطالب: هُزيل –مُصغر- بن شُرَحْبِيل، الأزدي، الكوفي، عن أخيه أرقم وابن مسعود، وعنه الشَّعبي وطلحة بن مُصرف، مُوثق.

الشيخ: هذا هو، هذا المعروف: هُزيل.

.......

الشيخ: نعم.

القارئ:

وقد رواه الثوري، عن أبي قيس، عن هُزيل بن شُرَحْبِيل من كلامه في أرواح آل فرعون، وكذلك قال السّدي.

.......

وكذلك قال السّدي.

وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن رسول الله ﷺ قال فيه: ثم انطلق بي إلى خلقٍ كثيرٍ من خلق الله رجال، كل رجلٍ منهم بطنه مثل البيت الضخم، مُصَفَّدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يُعْرَضون على النار غُدُوًّا وعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين: حدثنا زيد بن أخرم: حدثنا عامر بن مُدْرِك الحارثي: حدثنا عتبة –يعني: ابن يقظان- عن قيس بن مسلم، عن طارقٍ، عن شهابٍ، عن ابن مسعودٍ ، عن النبي ﷺ.

الشيخ: أعد، وقال مَن؟

القارئ: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين: حدثنا زيد بن أخرم.

الشيخ: أخزم، زيد بن أخزم، عندكم بالزاي؟

طالب: أخرم.

الشيخ: المعروف: أخزم، انظر "التقريب"، المعروف بالزاي.

طالب من "التقريب": زيد بن أخزم –بمعجمتين- الطائي، النَّبهاني، أبو طالب، البصري، ثقة.

الشيخ: هذا هو، بالزاي، نعم.

القارئ:

حدثنا زيد بن أخزم: حدثنا عامر بن مُدْرِك الحارثي: حدثنا عتبة -يعني: ابن يقظان- عن قيس بن مسلم، عن طارقٍ، عن شهابٍ.

الشيخ: عن طارق بن شهاب.

القارئ:

عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعودٍ ، عن النبي ﷺ قال: ما أحسن مُحْسِنٌ من مسلمٍ أو كافرٍ إلا أثابه الله تعالى، قال: قلنا: يا رسول الله، ما إثابة الله الكافر؟ فقال: إن كان قد وصل رَحِمًا، أو تصدق بصدقةٍ، أو عمل حسنةً أثابه الله تبارك وتعالى: المال والولد والصحة، وأشباه ذلك، قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال ﷺ: عذابًا دون العذاب، وقرأ: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، ورواه البزار في "مسنده" عن زيد بن أخزم، ثم قال: لا نعلم له إسنادًا غير هذا.

الشيخ: المعروف في الأحاديث الصحيحة: أن المسلم إذا أحسن جمع الله له بين الحُسْنَيين، سواء في الدنيا والآخرة، والكافر إذا أحسن عُجِّلَتْ له طيباته وحسناته في الدنيا.

القارئ:

وقال ابن جريرٍ: حدثنا عبدالكريم بن أبي عُمَير: حدثنا حماد بن محمد الفزاري البَلْخِي قال: سمعتُ الأوزاعي وسأله رجلٌ فقال: رحمك الله، رأينا طيورًا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب، بيضاء، فوجًا، فوجًا، لا يعلم عددها إلا الله ، فإذا كان العشي رجع مثلها سوداء. قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم. قال: إن ذلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يُعْرَضون على النار غُدُوًّا وعَشِيًّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقتْ أرياشها وصارتْ سوداء، فينبت عليها من الليل ريشٌ أبيض، ويتناثر الأسود، ثم تغدو على النار غُدُوًّا وعَشِيًّا، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. قال: وكانوا يقولون: إنهم ستمئة ألف مُقاتل.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق: حدثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: إن أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيُقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة، أخرجاه في الصحيحين من حديث مالكٍ به.

الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر:47- 50].

يُخبر تعالى عن تحاجِّ أهل النار في النار وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم، فيقول الضعفاء -وهم الأتباع- للذين استكبروا -وهم القادة والسادة والكُبَراء-: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا أي: أطعناكم فيما دعوتُمونا إليه في الدنيا من الكفر والضَّلال، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ أي: قسطًا تتحملونه عنا، قال الذين استكبروا: إِنَّا كُلٌّ فِيهَا أي: لا نتحمل عنكم شيئًا، كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنَّكال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ أي: قسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقّه كلٌّ منا، كما قال تعالى: قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38].

وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ لما علموا أن الله لا يستجيب منهم، ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، سألوا الخزنة -وهم كالسَّجَّانين لأهل النار- أن يدعوا لهم الله تعالى في أن يُخفف عن الكافرين ولو يومًا واحدًا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادّين عليهم: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ أي: أوما قامتْ عليكم الحُجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم، ولا نسمع منكم، ولا نود خلاصكم، ونحن منكم بُرَآء، ثم نُخبركم أنه سواءٌ دعوتم أو لم تدعوا لا يُستجاب لكم، ولا يُخفف عنكم؛ ولهذا قالوا: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أي: إلا في ذهابٍ، لا يُقبل، ولا يُستجاب.

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ [غافر:51- 53].

الشيخ: بركة، نسأل الله العافية.

هذه عاقبة مَن ضلَّ عن السَّبيل وكفر بالله، عاقبته العذاب والدمار، نسأل الله العافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الله جلَّ وعلا قصَّ القصص على هذه الأمم لتحذر، فالواجب على كل مُكلَّفٍ أن يحذر ويعتبر: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف:111]، فإخباره لنا عن آل فرعون وعن غيرهم من الكفرة، كل ذلك لنحذر أعمالهم التي سببت هذا البلاء، نسأل الله العافية.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71]، الله المستعان، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا [المائدة:92].

الله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ * إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:51- 56].

قد أورد أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سؤالًا فقال: قد عُلِمَ أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكُلية، كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم مَن خرج من بين أظهرهم: إما مُهاجرًا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النُّصرة في الدنيا؟

ثم أجاب عن ذلك بجوابين:

أحدهما: أن يكون الخبر خرج عامًّا، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغٌ في اللغة.

الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواءٌ كان ذلك بحضرتهم، أو في غيبتهم، أو بعد موتهم، كما فُعِلَ بقتلة يحيى وزكريا وشعياء؛ سُلِّط عليهم من أعدائهم مَن أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذُكِرَ أن النَّمرود أخذه الله تعالى أخذ عزيزٍ مُقتدرٍ.

وأما الذين راموا صلب المسيح عليه السلام من اليهود فسلط الله تعالى عليهم الروم، فأهانوهم وأذلوهم، وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إمامًا عادلًا، وحكمًا مُقْسِطًا، فيقتل المسيح الدَّجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، وهذه نصرةٌ عظيمةٌ، وهذه سُنَّة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه: أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويُقرّ أعينهم ممن آذاهم.

ففي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: يقول الله تبارك وتعالى: مَن عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب، وفي الحديث الآخر: إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث بالحرب؛ ولهذا أهلك الله قوم نوحٍ وعاد وثمود وأصحاب الرَّس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذَّب الرسل وخالف الحقَّ، وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين فلم يُهلك منهم أحدًا، وعذَّب الكافرين فلم يُفلت منهم أحدًا.

وقال السّدي: لم يبعث الله رسولًا قطّ إلى قومٍ فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحقِّ فيُقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم مَن ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا.

قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يُقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها.

وهكذا نصر الله نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه على مَن خالفه وناوأه وكذَّبه وعاداه، فجعل كلمته هي العُليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأنبياء، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر؛ فنصره عليهم، وخذلهم، وقتل صناديدهم، وأَسَرَ سُرَاتهم فاستاقهم مُقرنين في الأصفاد، ثم مَنَّ عليهم بأخذ الفدية منهم.

ثم بعد مدةٍ قريبةٍ فتح عليه مكة، فَقَرَّتْ عينه ببلده، وهو البلد المُحرم، الحرام، المُشرف، المُعظم، فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك، وفتح له اليمن، ودانتْ له جزيرة العرب بكاملها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

ثم قبضه الله تعالى إليه؛ لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده، فَبَلَّغوا عنه دين الله ، ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جلَّ وعلا، وفتحوا البلاد والرَّساتيق والأقاليم والمدائن والقُرى والقلوب حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها.

ثم لا يزال هذا الدين قائمًا، منصورًا، ظاهرًا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ أي: يوم القيامة تكون النُّصرة أعظم وأكبر وأجلَّ.

قال مُجاهد: الأشهاد: الملائكة.

الشيخ: وهذا الذي ذكره المؤلف وابن جرير كل هذا واضحٌ، فالله سبحانه يقول جلَّ وعلا:  إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.

وكون الرسل يُبْتَلون ..... هم منصورون، ودينهم منصورٌ، ويُبْتَلون؛ ليتبين الصادق من الكاذب، وحتى يتبين مَن يرغب في الحقِّ ويُؤثره وإن ابتُلِيَ، وإن أُوذِي، ويتبين مَن هو ضعيف الإيمان، قليل الإيمان، قليل الصبر.

فلو أن الناس جميعًا نُصِرُوا، فلم يأتهم أذًى، ولم يأتهم ما يُكَدِّرهم؛ لدخل الناس كلهم في الحقِّ، وما بقي أحدٌ، ولكن الله جلَّ وعلا أراد أن يبتلي هؤلاء وهؤلاء، فإن سلعة الله غاليةٌ، وهي الجنة، ويبتلي عباده بالضَّراء والسَّراء، بالشدة والرَّخاء؛ حتى يتبين أهل الصدق، ويظهر أهل الصدق والرغبة في الحقِّ وأهل الصبر ممن لا يُبالي بذلك، وليس عنده صبرٌ: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، فالله يبتلي بالسَّراء والضَّراء؛ ولهذا ابتلى المسلمين يوم أُحُد، وابتلاهم يوم الأحزاب، وابتلى الرسل الماضين، وقُتِلَ مَن قُتِلَ منهم؛ حتى يتبين الصادقون من غيرهم، وحتى يظهر دين الله على سائر الأديان بعد الامتحان، وبعد الجهاد، وبعد ما يمتحن الله أهل الإيمان وأهل الكفر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] يشمل النصر في الدنيا، والنَّصر في الآخرة.

وقوله تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ بدل من قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.

وقرأ آخرون "يوم" بالرفع، كأنه فسَّره به: يومُ يقوم الأشهاد.

يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ وهم المشركون مَعْذِرَتُهُمْ أي: لا يُقبل منهم عذرٌ ولا فديةٌ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: الإبعاد والطَّرد من الرحمة، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ وهي النار، قاله السّدي، بئس المنزل والمقيل.

وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي: سُوء العاقبة.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وهو ما بعثه الله به من الهدى والنُّور، وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ أي: جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه بما صبروا على طاعة الله تبارك وتعالى واتِّباع رسوله موسى عليه الصلاة والسلام، وفي الكتاب الذي أُورثوه -وهو التَّوراة- هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وهي العقول الصحيحة السَّليمة.

وقوله : فَاصْبِرْ أي: يا محمد إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: وعدناك أنا سنُعْلِي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتَّبعك، والله لا يُخلف الميعاد، وهذا الذي أخبرناك به حقٌّ لا مرية فيه ولا شكَّ.

وقوله تبارك وتعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ هذا تهييجٌ للأُمة على الاستغفار، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ أي: في أواخر النهار وأوائل الليل، وَالْإِبْكَارِ وهي أوائل النهار وأواخر الليل.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ أي: يدفعون الحقَّ بالباطل، ويردون الحُجج الصحيحة بالشُّبَه الفاسدة بلا برهانٍ ولا حُجَّةٍ من الله، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ أي: ما في صدورهم إلا كبرٌ على اتِّباع الحقِّ، واحتقارٌ لمَن جاءهم به، وليس ما يرومونه من إخماد الحقِّ وإعلاء الباطل بحاصلٍ لهم، بل الحقُّ هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي: من حال مثل هؤلاء، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أو من شَرِّ مثل هؤلاء المُجادلين في آيات الله بغير سلطانٍ.

هذا تفسير ابن جريرٍ.

وقال كعبٌ وأبو العالية: نزلتْ هذه الآية في اليهود: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ قال أبو العالية: وذلك أنهم ادَّعوا أن الدَّجال منهم، وأنهم يملكون به الأرض، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ آمرًا له أن يستعيذ من فتنة الدجال؛ ولهذا قال : فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

وهذا قولٌ غريبٌ، وفيه تَعَسُّفٌ بعيدٌ، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله سبحانه وتعالى أعلم.