تفسير قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ...}

وقال ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما: يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا؟

وكذا قال مجاهد وقتادة.

وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]: يعلم إذا أنت قدرتَ عليها هل تزني بها أم لا؟

وقال السُّدِّيُّ: وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ أي: من الوسوسة.

وقوله : وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر:20] أي: يحكم بالعدل.

قال الأعمش: عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ قادرٌ على أن يجزي بالحسنة الحسنةَ، وبالسيئة السيئةَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:20].

وهذا الذي فسَّر به ابن عباسٍ رضي الله عنهما في هذه الآية كقوله تبارك وتعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].

وقوله جلَّ وعلا: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي: من الأصنام والأوثان والأنداد لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ أي: لا يملكون شيئًا، ولا يحكمون بشيءٍ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:20] أي: سميعٌ لأقوال خلقه، بصيرٌ بهم، فيهدي مَن يشاء، ويُضِلُّ مَن يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ۝ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [غافر:21- 22].

يقول تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا هؤلاء المُكَذِّبون برسالتك يا محمد فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ أي: من الأمم المُكَذِّبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حَلَّ بهم من العذاب والنَّكال، مع أنهم كانوا أشدَّ من هؤلاء قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ أي: أَثَّرُوا في الأرض من البنايات والمعالِم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه، كما قال : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [الأحقاف:26]، وقال تعالى: وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا [الروم:9] أي: مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أَخَذَهُم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ أي: وما دَفَعَ عنهم عذابَ الله أحدٌ، ولا رَدَّه عنهم رادٌّ، ولا وقاهم وَاقٍ.

كما ذكر عِلَّة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها وَاجْتَرَمُوها فقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ أي: بالدَّلائل الواضحات والبراهين القاطعات، فَكَفَرُوا أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ تعالى، أي: أهلكهم ودَمَّرَ عليهم، وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10]، إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

الشيخ: هذا المقصود منه الحذر، المقصود من هذا تذكيره هذه الأُمَّة بما جرى لمَن قبلها من الأمم، فأبادهم الله بكفرهم وضلالهم: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10].

فالواجب النَّظر والسَّير في الأرض للنَّظر فيما وقع في الأرض، وما أصاب مَن كذَّب الرسل من العقوبات والنّقمات في الدنيا قبل الآخرة؛ لِيَتَّعِظَ مَن له قلبٌ، ويَنْزَجِرَ عمَّا هو فيه من التَّكليف.

وهذا إنذارٌ لقريشٍ وغيرهم من العرب والأُمم، وإنذارٌ لمَن يأتي بعدهم، فهؤلاء قوم نوحٍ كذَّبوا؛ فأخذهم الله بالغرق، وصاروا كأمس الذَّاهب، وهؤلاء قوم هود "عاد" كذَّبوا؛ فأخذهم الله بالريح العقيم، وهؤلاء أصحاب صالح "ثمود" كذَّبوا؛ فأخذتهم الصيحة، وهلكوا عن آخرهم في الرَّجْفَة، وهؤلاء قوم شُعيب أصابهم ما أصابهم من الرَّجْفَة والصيحة فهلكوا، وهؤلاء قوم لوط أصابهم ما أصابهم من الهلاك بأن خسف الله بهم أرضهم، وأُتْبِعُوا بالحجارة من سجيلٍ، وهذا فرعون مع طُغيانه وقوة ملكه أهلكه الله في ساعةٍ واحدةٍ بالغرق في البحر.

فالواجب على ذوي القلوب والألباب التَّعقل والتَّدبر والحذر أن يُصيبهم ما أصاب غيرهم، وإن كانت هذه الأُمة رفع الله عنها العذاب العامّ، لكن كل واحدٍ على خطرٍ من ذنوبه وكفره في عقوبةٍ عاجلةٍ غير عقوبة النَّار.

فالتَّدبر والتَّعقل فيه الخير الكثير؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقال سبحانه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، ويقول جلَّ وعلا: هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ يعني: هذا القرآن هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ والإنذار: التَّحذير من أسباب الهلاك وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [إبراهيم:52]، وأولو الألباب هم أولو العقول السليمة، اللُّبّ: العقل الصحيح.

أما غير أُولي الألباب فإنهم لا يتذكرون؛ لأنهم أشبهوا البهائم، وأضلّ من البهائم، كما قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]، أضلّ من الأنعام.

الأنعام تهتدي إلى المَرْعَى، إلى موضع الشُّرب، تستفيد من التَّأديب والتَّوجيه في مصالحها، أما هؤلاء فهم أضلّ، لا يرعوون، ولا يستفيدون بما جاءتْ به الرسل، بل هم في ضلالهم وعماهم وشهواتهم وأهوائهم حتى تحلّ بهم النّقمات، أو يحلّ بهم الموت، نسأل الله العافية.

القارئ:

وقوله تعالى: إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ أي: ذو قوةٍ عظيمةٍ، وبطشٍ شديدٍ، وهو شديد العقاب، أي: عقابه أليمٌ، شديدٌ، وجيعٌ، أعاذنا الله تبارك وتعالى منه.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ۝ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ۝ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ۝ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ۝ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر:23- 27].

يقول تعالى مُسَلِّيًا لنبيِّه محمدٍ ﷺ في تكذيب مَن كذَّبه من قومه، ومُبَشِّرًا له بأنَّ العاقبة والنُّصْرَة له في الدنيا والآخرة، كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام، فإنَّ الله تعالى أرسله بالآيات البَيِّنات والدلائل الواضحات؛ ولهذا قال تعالى: بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، والسلطان هو الحُجَّة والبرهان إِلَى فِرْعَوْنَ وهو مَلِك القِبْط بالديار المصرية، وَهَامَانَ وهو وزيره في مملكته، وَقَارُونَ وكان أكثر الناس في زمانه مالًا وتجارةً، فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أي: كذَّبوه وجعلوه ساحرًا، مجنونًا، مُمَوِّهًا، كذَّابًا في أنَّ الله أرسله.

وهذه كقوله تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ۝ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:52- 53].

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا أي: بالبرهان القاطع الدَّال على أنَّ الله أرسله إليهم قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ، وهذا أمرٌ ثانٍ من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فللعلَّة الثانية: لإهانة هذا الشعب؛ ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام؛ ولهذا قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف:129].

قال قتادة: هذا أمرٌ بعد أمرٍ.

قال الله : وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ أي: وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لِئَلَّا ينتصروا عليهم إلا ذاهبٌ وهالكٌ في ضلالٍ.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ وهذا عزمٌ من فرعون -لعنه الله تعالى- على قتل موسى عليه الصلاة والسلام، أي: قال لقومه: دَعُونِي حتى أقتل لكم هذا، وَلْيَدْعُ رَبَّهُ أي: لا أُبالي به، وهذا في غاية الجحد والتَّجهرم والعناد.

وقوله -قبَّحه الله-: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ يعني: موسى، يخشى فرعون أن يُضِلَّ موسى الناس ويُغَيِّر رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يُقال في المَثَل: صار فرعونُ مُذَكِّرًا، يعني: واعظًا يُشْفِق على الناس من موسى عليه السلام.

وقرأ الأكثرون: أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وقرأ آخرون: أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وقرأ بعضهم: يُظْهِرُ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ بالضم.

وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ أي: لَمَّا بلغه قولُ فرعون: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى قال موسى عليه السلام: اسْتَجَرْتُ بالله وعُذْتُ به من شرِّه وشرِّ أمثاله؛ ولهذا قال: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أيها المُخَاطَبون مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ أي: عن الحقِّ، مُجْرِمٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ.

ولهذا جاء في الحديث: عن أبي موسى : أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: اللهم إنَّا نعوذ بك من شرورهم، ونَدْرَأ بك في نحورهم.

الشيخ: وقول فرعون هذا من التَّلبيس، فإنَّ دُعاة الباطل قد يُظْهِرون للناس أنهم مُصلحون، وأنهم حربٌ للفساد، وهم المُفسدون، مثل قول فرعون هذا: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ دين قومه: عبادة فرعون واتِّخاذه إلهًا مع الله! هذا هو الدين الذي يخشى أن يذهب، وأن يُبَدِّله موسى! والفساد هو: أن يُعبد الله وحده!

هذه عقيدة الخبيث التي يُظهرها للناس، وهو يعلم أنه مُبْطِلٌ، وأنه كاذبٌ، كما قال له موسى عليه السلام: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102].

فقوله: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ مُكابَرَةٌ وتلبيسٌ ولعبٌ على العامة أشباه الأنعام، فالفساد والضَّلال هو ما هو عليه من دعوته الناس إلى أن يعبدوه ويصفوه بأنه ربهم الأعلى، هذا هو الفساد، هذا هو الدين الباطل، وجاء موسى عليه السلام يدعوهم إلى ترك هذا الدِّين، وإلى عبادة الله وحده، والكفر بفرعون.

فالله جلَّ وعلا ابتلى أولياءه من الرسل وأتباعهم بهذا وأشباهه من أعداء الله؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والصابر من غيره، ثم تكون العاقبة لأهل الإيمان، قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ۝ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ۝ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171- 173]، فالعاقبة لأهل التَّقوى: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، فالابتلاء واقعٌ، والامتحان والعاقبة لأهل التقوى، والله المستعان.

القارئ:

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ۝ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:28- 29].

المشهور أنَّ هذا الرجل المؤمن كان قبطيًّا من آل فرعون.

قال السُّدي: كان ابن عمِّ فرعون.

ويقال: إنه الذي نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام.

واختاره ابن جريرٍ، ورَدَّ قول مَن ذهب إلى أنه كان إسرائيليًّا؛ لأنَّ فرعون انفعل لكلامه واستمعه، وكَفَّ عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيليًّا لأوشك أن يُعاجَل بالعقوبة؛ لأنَّه منهم.

وقال ابن جُرَيْجٍ: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: لم يُؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل، وامرأة فرعون، والذي قال: يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20]. رواه ابن أبي حاتمٍ.

وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى، فأخذت الرجلَ غَضْبَةٌ لله ، وأفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائرٍ، كما ثبت بذلك الحديث.

ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ اللهم إلا ما رواه البخاري في "صحيحه" حيث قال: حدثنا علي بن عبدالله: حدثنا الوليد بن مسلمٍ: حدثنا الأوزاعي: حدثني يحيى بن أبي كثيرٍ: حدثني محمد بن إبراهيم التَّيْمِي: حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قلتُ لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أَخْبِرْنِي بأشدّ شيءٍ صَنَعَه المشركون برسول الله ﷺ. قال: بَيْنَا رسول الله ﷺ يُصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبةُ بن أبي مُعَيْطٍ فأخذ بِمَنْكِب رسول الله ﷺ، ولَوَى ثوبه في عنقه فَخَنَقَه خَنْقًا شديدًا، فأقبل أبو بكرٍ فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ، ثم قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ؟ انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي.

قال: وتابعه محمدُ بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه به.

وقال ابن أبي حاتمٍ: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني: حدثنا عَبْدَة، عن هشامٍ -يعني: ابن عروة- عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه سُئل: ما أشدّ ما رأيتَ قريشًا بلغوا من رسول الله ﷺ؟ قال: مَرَّ ﷺ بهم ذات يومٍ فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: أنا ذاك، فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيتُ أبا بكرٍ مُحْتَضِنُه من ورائه، وهو يَصِيح بأعلى صوته، وإن عينيه لَتَسِيلَان وهو يقول: يا قوم أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ؟ حتى فرغ من الآية كلها.

وهكذا رواه النَّسائي من حديث عَبْدَة، فجعله من مسند عمرو بن العاص .

الشيخ: هكذا عندكم: فجعله من مسند عمرو؟ ..... المشهور أنه من حديث عبدالله بن عمرو؛ لأن عَمْرًا تأخر إسلامه.

والمقصود من هذا: أنَّ قريشًا شابهوا آل فرعون فيما جرى من العداء والخصومة لدُعاة الحقِّ، للدَّاعي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وفعلوا ما فعلوا من الأباطيل والمُنكرات والشدة ..... عليه الصلاة والسلام والعناد والمُكابرة؛ حسدًا وبَغْيًا، كما قال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].

وكان من أشدِّهم عقبة بن أبي مُعَيط، هذا الذي فعل ما فعل، والنَّضر بن الحارث، وأبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وجماعةٌ آخرون، فأهلكهم الله يوم بدر، وقضى عليهم يوم بدر، وأراح الله منهم العباد والبلاد.

وكان عقبة هذا والنَّضر بن الحارث قتلهم النبيُّ ﷺ صَبْرًا يوم بدر، بعد انتهاء الوقعة أمر بهما النبي ﷺ فَقُتِلَا صَبْرًا؛ لشدة جرائمهما، وخُبْث عملهما معه عليه الصلاة والسلام، وكانوا مع الأسارى.

القارئ:

وقوله تعالى: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ أي: كيف تقتلون رجلًا لكونه يقول: ربي الله، وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحقِّ؟!

ثم تَنَزَّل معهم في المُخَاطبة فقال: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به فمن العقل والرأي التامِّ والحزم أن تتركوه ونفسه، فلا تُؤْذُوه، فإن يَكُ كاذبًا فإنَّ الله سيُجَازِيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وَإِنْ يَكُ صَادِقًا وقد آذَيْتُمُوه يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ فإنه يتوعَّدكم إنْ خالفتُمُوه بعذابٍ في الدنيا والآخرة، فمن الجائز عندكم أن يكون صادقًا، فينبغي على هذا ألا تتعرَّضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه.

وهكذا أخبر الله عن موسى عليه السلام أنَّه طلب من فرعون وقومه المُوَادَعة في قوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ۝ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ۝ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ۝ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان:17- 21].

الشيخ: ..... إذا كان القوم غير مُصدِّقين، فالحزم لهم أن يتركوا الدَّاعية، إن نجح في دعوته وكان صادقًا نفع، وسَلِمُوا من المُعارضة، وإن كان كاذبًا فَشَرُّه عليه، يعني: هذا أقلّ ما يفعله مَن يُدْعَى؛ أن يُعْرِض حتى يتبين الأمر، لكن هؤلاء -آل فرعون وهكذا مَن شابههم- حاربوا الرسل، ومنهم مَن قتل الرسل، كل ذلك مُتابعةً للهوى، وطاعةً للشيطان، وتكبرًا عن الحقِّ؛ فلهذا نوَّع الله عقوباتهم؛ لكفرهم وعنادهم تنوعت عقوباتهم، فقوم نوحٍ أخذهم الله بالغرق، وقوم هود أخذهم الله بالريح العقيم، وقوم صالح بالصيحة والرجفة، وقوم لوط بالخسف والرجم بالحجارة، وقوم شعيب بالصيحة والرجفة والنار، وآل فرعون بالغرق أيضًا، وكفار قريشٍ أخذهم الله بما أصابهم يوم بدر؛ أصاب رؤساءهم وأعيانهم وقادتهم يوم بدر، ثم رأوا الآيات العظيمة يوم الأحزاب.

وامتحن الله المسلمين يوم أُحُدٍ، فأصابهم ما أصابهم ابتلاءً وامتحانًا؛ وليعلم المؤمنون ما وعد الله به من الامتحان والابتلاء: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، فالامتحان لا بد منه حتى يتبين الصادقون من غيرهم، والثابتون من غيرهم.

فالواجب على أهل الحقِّ الثبات والصبر ولو ابتُلوا بالمرض، أو بالعدو، أو بالفقر، أو بالتَّشديد، لا بد من الصبر؛ لأن الحقَّ جديرٌ بأن يُصْبَر عليه، جديرٌ بأن يتحمل أهله ما يُبْتَلون به؛ حتى يُظهره الله على أيديهم، وحتى ينصره الله على أيديهم: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ۝ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ۝ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171- 173] ولو بعد مئة سنة، فالعاقبة للمتقين: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49].