ذكر طرف من عقوبات الذنوب 05

وَمِنْهَا: الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْبَرْزَخِ، وَالْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124].

وَفُسِّرَتِ الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنَ الْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ، وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَإِنَّ عُمُومَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ رَتَّبَ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِهِ، فَالْمُعْرِضُ عَنْهُ لَهُ مِنْ ضَنْكِ الْمَعِيشَةِ بِحَسَبِ إِعْرَاضِهِ، وَإِنْ تَنَعَّمَ فِي الدُّنْيَا بِأَصْنَافِ النِّعَمِ، فَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالذُّلِّ وَالْحَسَرَاتِ الَّتِي تَقْطَعُ الْقُلُوبَ، وَالْأَمَانِي الْبَاطِلَةِ وَالْعَذَابِ الْحَاضِرِ مَا فِيهِ، وَإِنَّمَا يُوَارِيهِ عَنْهُ سَكَرَاتُ الشَّهَوَاتِ وَالْعِشْقِ وَحُبِّ الدُّنْيَا وَالرِّيَاسَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ سُكْرُ الْخَمْرِ، فَسُكْرُ هَذِهِ الْأُمُورِ أَعْظَمُ مِنْ سُكْرِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ يَفِيقُ صَاحِبُهُ وَيَصْحُو، وَسُكْرُ الْهَوَى وَحُبِّ الدُّنْيَا لَا يَصْحُو صَاحِبُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ فِي عَسْكَرِ الْأَمْوَاتِ، فَالْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ لَازِمَةٌ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ فِي دُنْيَاهُ وَفِي الْبَرْزَخِ وَيَوْمَ مَعَادِهِ، وَلَا تَقَرُّ الْعَيْنُ، وَلَا يَهْدَأُ الْقَلْبُ، وَلَا تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ إِلَّا بِإِلَهِهَا وَمَعْبُودِهَا الَّذِي هُوَ حَقٌّ، وَكُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ، فَمَنْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِاللَّهِ قَرَّتْ بِهِ كُلُّ عَيْنٍ، وَمَنْ لَمْ تَقَرَّ عَيْنُهُ بِاللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ صَالِحًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].

فَضَمِنَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الْجَزَاءَ فِي الدُّنْيَا بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْحُسْنَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَهُمْ أَطْيَبُ الْحَيَاتَيْنِ، فَهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الدَّارَيْنِ.

وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: 30].

وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: 3]. فَفَازَ الْمُتَّقُونَ الْمُحْسِنُونَ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَحَصَلُوا عَلَى الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ فِي الدَّارَيْنِ، فَإِنَّ طِيبَ النَّفْسِ، وَسُرُورَ الْقَلْبِ، وَفَرَحَهُ وَلَذَّتَهُ وَابْتِهَاجَهُ وَطُمَأْنِينَتَهُ وَانْشِرَاحَهُ وَنُورَهُ وَسَعَتَهُ وَعَافِيَتَهُ مِنْ تَرْكِ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالشُّبُهَاتِ الْبَاطِلَةِ - هُوَ النَّعِيمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا نِسْبَةَ لِنَعِيمِ الْبَدَنِ إِلَيْهِ.

فَقَدْ كَانَ يَقُولُ بَعْضُ مَنْ ذَاقَ هَذِهِ اللَّذَّةَ: لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ لَجَالَدُونَا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ.

وَقَالَ آخَرُ: إِنَّهُ لَيَمُرُّ بِالْقَلْبِ أَوْقَاتٌ أَقُولُ فِيهَا: إِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ.

وَقَالَ آخَرُ: إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً هِيَ فِي الدُّنْيَا كَالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ، فَمَنْ دَخَلَهَا دَخَلَ تِلْكَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةِ، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذِهِ الْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ وَقَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.

نَعِيمُ الْأَبْرَارِ وَجَحِيمُ الْفُجَّارِ وَلَا تَظُنَّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ۝ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: 13-14] مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ الْمَعَادِ فَقَطْ، بَلْ هَؤُلَاءِ فِي نَعِيمٍ فِي دُورِهِمُ الثَّلَاثَةِ، وَهَؤُلَاءِ فِي جَحِيمٍ فِي دُورِهِمُ الثَّلَاثَةِ، وَأَيُّ لَذَّةٍ وَنَعِيمٍ فِي الدُّنْيَا أَطْيَبُ مِنْ بِرِّ الْقَلْبِ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَمَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَى مُوَافَقَتِهِ؟! وَهَلِ الْعَيْشُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا عَيْشُ الْقَلْبِ السَّلِيمِ؟! وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَلَامَةِ قَلْبِهِ، فَقَالَ: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ۝ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: 83، 84].

وَقَالَ حَاكِيًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88، 89].

وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالشُّحِّ وَالْكِبْرِ وَحُبِّ الدُّنْيَا وَالرِّيَاسَةِ، فَسَلِمَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُعَارِضُ أَمْرَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ إِرَادَةٍ تُزَاحِمُ مُرَادَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ قَاطِعٍ يَقْطَعُ عَنِ اللَّهِ، فَهَذَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ فِي جَنَّةٍ مُعَجَّلَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَفِي جَنَّةٍ فِي الْبَرْزَخِ، وَفِي جَنَّةِ يَوْمِ الْمَعَادِ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فيبين المؤلف رحمه الله بعض آثار الذنوب والمعاصي وما تكسب صاحبها من الشر تقدم من ذلك شيء كثير، وهذا الكتاب هو "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، حيث يقال له: "الداء والدواء" حيث بين الداء وبين الدواء؛ فالمعاصي تكسب القلب قسوة وشدة وغفلة وإعراضًا كما تكسبه ضنكًا: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124]

فالواجب على المؤمن والمؤمنة الحذر من سائر المعاصي لأنها تكسب القلب من الذلة والهوان والقسوة والضنك والعذاب ما يضره عاجلًا وآجلًا ويستمر هذا البلاء في حياته وفي قبره وفي آخرته، فالواجب عليه أن يحرص على أسباب السعادة من طاعة الله ورسوله، وأن يحرص على ما أوجب الله عليه، وأن يبتعد عما حرم الله عليه، وأن يسأل ربه العافية والهادية لعله ينجو، وإلا فالمعاصي آثارها شديدة وأخطارها عظيمة، لكن المؤمن إذا وفقه الله للتوبة منها والإعراض عنها وعلاجها بالندم والإقلاع والعزم ألا يعود نفعت الجميع، فالتوبة تنفع صاحبها وتنفع المسلمين الذين استفادوا منه بعد التوبة.

ولا ينبغي للمؤمن أن يتساهل وأن يقول: فضل الله عظيم وعفوه عظيم وكذا وكذا حتى يصر على المعاصي حتى يستمر على الشرور فإن هذا من تزيين الشيطان ومن تسويله، فالواجب الحذر مطلقًا، نسأل الله للجميع الهداية.

السؤال: هل اكتفى المسلمون في البوسنة والهرسك من ناحية الرجال، أم هم بحاجة إليه؟ وإن كانوا بحاجة إلى رجال فهل يكون الحكم فرض عين إلى أن يكتفوا من ناحية الرجال، وإذا لم يكن فرض عين في هذه الحال فمتى يكون فرض عين؟

الشيخ: المسلمون في البوسنة والهرسك لا نعلم اكتفاءهم أو عدم اكتفائهم يقال عنهم أنهم عندهم من الرجال ما يكفي وإنما حاجتهم إلى السلاح والمال، وبكل حال فالجهاد معهم حتى ولو اكتفوا الجهاد مشروع ومساعد لهم على رغبتهم وعلى جهادهم وعلى إرغام عدوهم الكف عنهم، فالمشروع للمسلمين أن يساعدوهم بالمال والرجال والسلاح، وهو فرض كفاية على الجميع إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، أما الجهاد العيني فهو الذي يحضره الصفين، يحضر صف المسلمين وصف الكفار إذا كان بين الصفين وجب عليه أن يقاتل.

وهكذا إذا استنفره الإمام للجهاد وجب عليه النفير، وإذا كان بين الصفين وجب عليه الجهاد وعدم النكوص والإدبار، وهكذا إذا نزل بهم العدو وهجم عليهم وجب عليهم الدفاع حسب الطاقة.

السؤال: في بعض الأحيان يمر الإنسان بمنكرات يحترق لها القلب ولا يستطيع الإنكار بسبب ضعف المنكر وقوة الفاعل، فما العمل في هذه الحالة؟

الشيخ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] يقول ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان إذا كان في بيئة لا يستطيع الإنكار بيده ولا بلسانه فليجتنبها ولا يحضر المنكر يبتعد وينكر بقلبه، وإذا كان في بيئة يستطيع الإنكار بلسانه أنكر بلسانه وإذا كان يستطيع أن يغير بيده كأبي الأولاد والسلطان والأمير والهيئة على حسب صلاحيته أنكر بيده حسب ما عنده من الصلاحية.

السؤال: عند دعاء الإمام في نهاية الخطب كثير من الناس يؤمن على دعائه فهل يعد هذا من الكلام واللغو في الخطبة؟

الشيخ: لا حرج بينه وبين نفسه يؤمن بغير تشويش على دعاء الإمام مثل دعائه في القنوت يؤمن عليه.

السؤال: زملائي يصفونني بأني إخواني أي مع جماعة الإخوان لأني مشترك في المركز الصيفي، فما توجيهكم لي ولهم؟

الشيخ: توجيهي للجميع أن يتقوا الله وأن يعملوا بالشرع وأن لا يقلدوا فلانًا ولا فلانًا فالانتساب إلى الإخوان أو إلى غيرهم إذا كان مع تقوى الله والقيام بالحق وتلمس الدليل ما يضر، أما التقليد والتعصب هو الذي يضر، فالواجب على الجميع سواء كانوا من الإخوان المسلمين أو من أي جماعة عليهم أن يتقوا الله ويلزموا الحق بالدليل ويتعاونوا في ذلك ويصدقوا في ذلك.

السؤال: ما هو قولكم في ستر العاتق هل هو واجب؟ وهل العاتق من العورة وإن كان من العورة فمن أي أنواعها وهل يجوز كشفها؟

الشيخ: جاء في الحديث الصحيح يقول ﷺ: لا يصلي أحدكم في الثوب وليس على عاتقه منه شيء فالعاتق ليس بعورة لكن أمر النبي بستره إذا تيسر ذلك، وقال لجابر: إن كان الثوب واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فأتزر به، فإذا كان عنده رداء وضعه على كتفيه أو قميص فستر العاتقين أو أحدهما واجب في الصلاة، وإن كان ليس بعورة في غير الصلاة لقوله ﷺ: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء متفق عليه.

وَلَا تَتِمُّ لَهُ سَلَامَتُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ شِرْكٍ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ، وَبِدْعَةٍ تُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَشَهْوَةٍ تُخَالِفُ الْأَمْرَ، وَغَفْلَةٍ تُنَاقِضُ الذِّكْرَ، وَهَوًى يُنَاقِضُ التَّجْرِيدَ وَالْإِخْلَاصَ.

وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللَّهِ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، تَتَضَمَّنُ أَفْرَادًا لَا تَنْحَصِرُ.

الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.

وَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ حَاجَةُ الْعَبْدِ بَلْ ضَرُورَتُهُ، إِلَى أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحْوَجَ مِنْهُ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا.

فَإِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يَتَضَمَّنُ: عُلُومًا، وَإِرَادَةً، وَأَعْمَالًا، وَتُرُوكًا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً تَجْرِي عَلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ، فَتَفَاصِيلُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ قَدْ يَعْلَمُهَا الْعَبْدُ وَقَدْ لَا يَعْلَمُهَا، وَقَدْ يَكُونُ مَا لَا يَعْلَمُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُهُ، وَمَا يَعْلَمُهُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ، وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَدْ تُرِيدُهُ نَفْسُهُ وَقَدْ لَا تُرِيدُهُ كَسَلًا وَتَهَاوُنًا، أَوْ لِقِيَامِ مَانِعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا تُرِيدُهُ قَدْ يَفْعَلُهُ وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ، وَمَا يَفْعَلُهُ قَدْ يَقُومُ فِيهِ بِشُرُوطِ الْإِخْلَاصِ وَقَدْ لَا يَقُومُ، وَمَا يَقُومُ فِيهِ بِشُرُوطِ الْإِخْلَاصِ قَدْ يَقُومُ فِيهِ بِكَمَالِ الْمُتَابَعَةِ وَقَدْ لَا يَقُومُ، وَمَا يَقُومُ فِيهِ بِالْمُتَابَعَةِ قَدْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ وَقَدْ يُصْرَفُ قَلْبُهُ عَنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ وَاقِعٌ سَارٍ فِي الْخَلْقِ، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ.

وَلَيْسَ فِي طِبَاعِ الْعَبْدِ الْهِدَايَةُ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ مَتَى وُكِلَ إِلَى طِبَاعِهِ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِرْكَاسُ الَّذِي أَرْكَسَ اللَّهُ بِهِ الْمُنَافِقِينَ بِذُنُوبِهِمْ، فَأَعَادَهُمْ إِلَى طِبَاعِهِمْ وَمَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهُمْ مِنَ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، وَالرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَنَهْيِهِ وَأَمْرِهِ، فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَجَعْلِهِ الْهِدَايَةَ حَيْثُ تَصْلُحُ، وَيَصْرِفُ مَنْ يَشَاءُ عَنْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ مُوجِبُ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَصَبَ لِخَلْقِهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا يُوصِلُهُمْ إِلَيْهِ، فَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَنَصَبَ لِعِبَادِهِ مِنْ أَمْرِهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا دَعَاهُمْ جَمِيعًا إِلَيْهِ حُجَّةً مِنْهُ وَعَدْلًا، وَهَدَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ إِلَى سُلُوكِهِ نِعْمَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا الْعَدْلِ وَهَذَا الْفَضْلِ عَنْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ لِقَائِهِ نَصَبَ لِخَلْقِهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا يُوَصِّلُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ، ثُمَّ صَرَفَ عَنْهُ مَنْ صَرَفَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَقَامَ عَلَيْهِ مَنْ أَقَامَهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، نُورًا ظَاهِرًا يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ فِي ظُلْمَةِ الْحَشْرِ، وَحَفِظَ عَلَيْهِمْ نُورَهُمْ حَتَّى قَطَعُوهُ كَمَا حَفِظَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ حَتَّى لَقَوْهُ، وَأَطْفَأَ نُورَ الْمُنَافِقِينَ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِ، كَمَا أَطْفَأَهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ فِي الدُّنْيَا.

وَأَقَامَ أَعْمَالَ الْعُصَاةِ بِجَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبَ وَحَسَكًا تَخْطِفُهُمْ كَمَا خَطَفَتْهُمْ فِي الدُّنْيَا عَنِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ قُوَّةَ سَيْرِهِمْ وَسُرْعَتَهُمْ عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ سَيْرِهِمْ وَسُرْعَتِهِمْ إليه فِي الدُّنْيَا، وَنَصَبَ لِلْمُؤْمِنِينَ حَوْضًا يَشْرَبُونَ مِنْهُ بِإِزَاءِ شُرْبِهِمْ مِنْ شَرْعِهِ فِي الدُّنْيَا، وَحرمَ مِنَ الشُّرْبِ مِنْهُ هُنَاكَ مَنْ حُرِمَ الشُّرْبَ مِنْ شَرْعِهِ وَدِينِهِ هَاهُنَا.

فَانَظُرْ إِلَى الْآخِرَةِ كَأَنَّهَا رَأْيُ عَيْنٍ، وَتَأَمَّلْ حِكْمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الدَّارَيْنِ، تَعْلَمْ حِينَئِذٍ عِلْمًا يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَعُنْوَانُهَا وَأُنْمُوذَجُهَا، وَأَنَّ مَنَازِلَ النَّاسِ فِيهَا مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ عَلَى حَسَبِ مَنَازِلِهِمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ فِي الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَضِدِّهِمَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الكلمات الطيبات كلها تبين سوء عاقبة المعاصي والشرك وأن العاقبة وخيمة لمن أشرك بالله أو ابتدع في الدين أو تابع الهوى والشيطان فالإنسان تعرض له أمور كثيرة:

منها: الشرك والعياذ بالله وهو أكبرها وقد يقع في الشرك بسبب تساهله وجهله، وهو أعظم الذنوب كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] وقال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 88] وذلك بصرف العبادة أو بعضها لغير الله أو جحد بعض ما أوجب الله أو تحريم ما أحل الله أو غير هذا من أنواع الردة. 

وقد يبتلى أيضًا بأمر ثان وهو البدع والإحداث في الدين بما لم يأذن به الله وهي أيضًا أعظم معصية بعد الشرك البدعة؛ لأن الشيطان يجره إلى سوء الظن بالدين وأن هناك نقص فيبتدع، والبدع منكرة كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وقال ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد وقال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21] فلا بدّ من اتباع السنة وتعظيمها واتباع ما جاءت به النصوص، والحذر من المخالفة.

ثالثًا: قد يعرض له شهوة تصده عن الحق وتشغله عن الحق فيما حرم الله عليه كالزنا كالربا كظلم الناس إلى غير ذلك مما قد يقع له فيقع في شر عظيم.

والرابع: قد تعرض له الغفلة عن ذكر الله ويبتلى بأشياء تشغله عن ذكر الله فيبقى في غفلة فينسى كثيرًا من طاعة الله وذكره والله يقول: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 36] إذا غفل عن ذكر الله استولت عليه الشياطين وزينت له الباطل، فالمشروع للمؤمن دائمًا أن يكون ذاكرًا لله بقلبه ولسانه مشغول الفكر بما ينفعه وينفع أهل بيته وأمته، فالغفلة شرها عظيم فينبغي للمؤمن أن تكون عنده بصيرة وعناية بالأذكار الشرعية والدعوات الشرعية في جميع أوقاته حتى لا يصده الشيطان عن الحق بسبب الغفلة.

والخصلة الخامسة: الهوى، قد يبتلى بالهوى بمعاصي الله ومن يتبع الهوى يهلك، قال جل وعلا: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26] وقال سبحانه: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص: 50] وهكذا جميع المعاصي شرها عظيم وعواقبها وخيمة، فالواجب الحذر منها والسعي فيما يخلصه من كل ما يغضب الله جل وعلا من قول أو عمل؛ لأن هذه الدار هي دار العمل والآخرة دار الجزاء، ولهذا شرع الله للمؤمنين أن يحفظوا أوقاتهم وأن يجتهدوا في كل ما يرضيه جل وعلا حتى يفوزوا بالسعادة والعاقبة الحميدة ويسلموا من معرة الذنوب وشرها.

وفق الله الجميع.

السؤال: قول المؤلف أن المنافقين يمرون على الصراط ومعلوم أنه لا يمر على الصراط إلا المسلمين؟

الشيخ: المعروف من الأدلة الشرعية أنه لا ينجو من خطر الصراط إلا المسلمين الذين ماتوا على التوحيد والإيمان وقد تزل قدم بعضهم لمعاصي اقترفها وسيئات، أما المنافقون الحقيقيون الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر فهؤلاء إلى النار - نسأل الله العافية - لا يمرون على الصراط كسائر الكفرة، نسأل الله العافية، وقد يكون أراد النفاق العملي.

السؤال: يوجد تاجر كثير السفر لبلاد الكفر وملتزم إلا أنه لا يهتم كثيرًا بنشر الدعوة وتعليم الناس بدعوى أن ذلك يشغله عن أمر تجارته، فما نصيحتكم؟

الشيخ: الواجب على المؤمن نشر العلم والدعوة وإذا ذهب إلى محل فيه الجهل والغفلة وليس هناك من يقوم مقامه، ولا يجب أن تلهيه تجارته ولا غيرها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: 9] فالمؤمن أينما كان مبارك يعتني بالدعوة والتوجيه إلى الخير والنصيحة حتى ينفع الله به من قابلهم من الناس.

والعلماء هم خلفاء الرسل، لا بدّ أن يبلغوا عن الله دعوته ودينه وليس لهم التساهل.

السؤال: امرأة أرضعت طفلة لمدة سبعة أيام لكن الرضعات لم تكن من الثدي مباشرة إنما وضعت في كأس ثم شربتها الطفلة فهل تلزم هذه الرضعات؟

الشيخ: ما في بأس لا حرج، الرضاع يكون من الثدي، ويكون من الرضاعات؛ لأن الرضيع قد لا يقبل الثدي ويكون بالرضعات فإذا رضع خمس رضعات أو أكثر صار ولدًا للمرضعة، لكن لا بدّ أن يكون في الحولين قبل أن يفطم.

السؤال: ما حكم الصلاة خلف إمام يلحن لحنًا جليًّا؟

الشيخ: هذا فيه تفصيل: إن كان اللحن يخل المعنى ينبه حتى يعتدل ولا يجوز الصلاة خلفه إذا لم ينفع فيه التلقين، أما إذا كان لا يخل المعنى، المعنى واضح فهذا لا يضر لكن كون الإنسان يعتني بالقرآن حتى يقرأ قراءة جيدة هذا هو المشروع. لكن لحن لا يخل بالمعنى لا يضر الصلاة مثل لو قال: {الحمدَ لله رب العالمين ۝ الرحمنُ الرحيم} ما يخل المعنى.

السؤال: بعض الجسور التي أنشئت مكتوب عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) والسيارات تمر من فوق الجسر أي من فوق الكتاب، فهل يجوز ذلك، وما العمل؟

الشيخ: لا تكتب إذا كانت الجسور فوقها سيارات هي غير مباشرة، لكن كونها لا تكتب أولى أما إذا كانت السيارة تدوس الكتابة فهذا ما يجوز، لكن إذا كانت السيارة فوق....... لا يمر عليها دابة ولا إنسان فأمرها أسهل، أمرها لا يكون فيه إهانة الإهانة إذا كانت الحيوان أو السيارات تطأه.

السؤال: هل يجوز أكل الكبدة - كبد الذبائح - قبل الطهي نية؟

الشيخ: ما نعلم فيها شيء، إذا استطعت ذلك فلا بأس، إن لم يكن فيها مضرة أما إن ثبت أن فيها مضرة إذا لم تنضج فلا يأكلها.

السؤال: حديث: (أحل لنا دمان)؟

الشيخ: الكبد والطحال.

السؤال: هذا ثابت؟

الشيخ: نعم.

...............

فَمِنْ أَعْظَمِ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ الْخُرُوجُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَلَمَّا كَانَتِ الذُّنُوبُ مُتَفَاوِتَةً فِي دَرَجَاتِهَا وَمَفَاسِدِهَا تَفَاوَتَتْ عُقُوبَاتُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِهَا.

وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِيهَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ فَصْلًا وَجِيزًا جَامِعًا، فَنَقُولُ:

أَصْلُهَا نَوْعَانِ: تَرْكُ مَأْمُورٍ، وَفِعْلُ مَحْظُورٍ، وَهُمَا الذَّنْبَانِ اللَّذَانِ ابْتَلَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِمَا أَبَوَيِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.

وَكِلَاهُمَا يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ مَحِلِّهِ إِلَى ظَاهِرٍ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَبَاطِنٍ فِي الْقُلُوبِ.

وَبِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِهِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ خَلْقِهِ.

وَإِنْ كَانَ كُلُّ حَقٍّ لِخَلْقِهِ فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِحَقِّهِ، لَكِنْ سُمِّي حَقًّا لِلْخَلْقِ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِمُطَالَبَتِهِمْ وَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِمْ. ثُمَّ هَذِهِ الذُّنُوبُ تَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مَلَكِيَّةٍ، وَشَيْطَانِيَّةٍ، وَسَبُعِيَّةٍ، وَبَهِيمِيَّةٍ، وَلَا تَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ.

فَالذُّنُوبُ الْمَلَكِيَّةُ أَنْ يَتَعَاطَى مَا لَا يَصِحُّ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَالْعَظَمَةِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْجَبَرُوتِ، وَالْقَهْرِ، وَالْعُلُوِّ، وَاسْتِعْبَادِ الْخَلْقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَيَدْخُلُ فِي هَذَا شِرْكٌ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَوْعَانِ: شِرْكٌ بِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَجَعْلُ آلِهَةٍ أُخْرَى مَعَهُ، وَشِرْكٌ بِهِ فِي مُعَامَلَتِهِ، وَهَذَا الثَّانِي قَدْ لَا يُوجِبُ دُخُولَ النَّارِ، وَإِنْ أَحْبَطَ الْعَمَلَ الَّذِي أَشْرَكَ فِيهِ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ.

وَهَذَا الْقِسْمُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الذُّنُوبِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ، فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ، وَجَعَلَ لَهُ نِدًّا، وَهَذَا أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يَنْفَعُ مَعَهُ عَمَلٌ.

وَأَمَّا الشَّيْطَانِيَّةُ: فَالتَّشَبُّهُ بِالشَّيْطَانِ فِي الْحَسَدِ، وَالْبَغْيِ وَالْغِشِّ وَالْغِلِّ وَالْخِدَاعِ وَالْمَكْرِ، وَالْأَمْرِ بِمَعَاصِي اللَّهِ وَتَحْسِينِهَا، وَالنَّهْيِ عَنْ طَاعَتِهِ وَتَهْجِينِهَا، وَالِابْتِدَاعِ فِي دِينِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ.

وَهَذَا النَّوْعُ يَلِي النَّوْعَ الْأَوَّلَ فِي الْمَفْسَدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ دُونَهُ.

وَأَمَّا السَّبُعِيَّةُ: فَذُنُوبُ الْعُدْوَانِ وَالْغَضَبِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَالتَّوَثُّبِ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالْعَاجِزِينَ، وَيَتَوَلَّدُ مِنْهَا أَنْوَاعُ أَذَى النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ وَالْجَرْأَةِ عَلَى الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ.

الذُّنُوبُ الْبَهِيمِيَّةُ، وَأَمَّا الذُّنُوبُ الْبَهِيمِيَّةُ: فَمِثْلُ الشَّرَهِ وَالْحِرْصِ عَلَى قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَمِنْهَا يَتَوَلَّدُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَأَكْلُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَالْبُخْلُ، وَالشُّحُّ، وَالْجُبْنُ، وَالْهَلَعُ، والجزع، وَغَيْرُ ذَلِكَ.

وَهَذَا الْقِسْمُ أَكْثَرُ ذُنُوبِ الْخَلْقِ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ السَّبُعِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ، وَمِنْهُ يَدْخُلُونَ إِلَى سَائِرِ الْأَقْسَامِ، فَهُوَ يَجُرُّهُمْ إِلَيْهَا بِالزِّمَامِ، فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ إِلَى الذُّنُوبِ السَّبُعِيَّةِ، ثُمَّ إِلَى الشَّيْطَانِيَّةِ، ثُمَّ مُنَازَعَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالشِّرْكِ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا حَقَّ التَّأَمُّلِ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الذُّنُوبَ دِهْلِيزُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَمُنَازَعَةِ اللَّهِ رُبُوبِيَّتَهُ.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فيوضح المؤلف رحمه الله أن الله جل وعلا حرم على عباده المعاصي وحرم عليهم أصلها وأكبرها وهو الشرك بالله لأنها تبعد من رحمته وتبعد من جنته وتقرب من غضبه وعقابه، والواجب على جميع المسلمين الحذر منها بل على جميع المكلفين الحذر منها؛ لأنهم خلقوا ليعبدوا الله ويؤدوا حقه، فالواجب عليهم أن يستقيموا على هذا الأمر وأن يخضعوا لعظمته وكبريائه وعبوديته وأن يؤدوا حقه من جميع الوجوه سواء كان ذلك الحق قوليًّا أو عمليًّا أو قلبيًّا، ما يتعلق بالقلوب: كالإخلاص لله والمحبة فيه ورجائه وخوفه. 

وما يتعلق بالأقوال: كذكره سبحانه والثناء عليه والتعوذ به سبحانه من شر كل ذي شر إلى غير ذلك. 

أو عملية: كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، مما يتعلق بالأعمال فالواجب على جميع المكلفين أن يعبدوه بأداء حقه من واجب أو ترك محرم، وعلى رأس الواجبات توحيده والإخلاص له وعلى رأس المحرمات الشرك به سبحانه وعبادة غيره، وهي تنقسم في أساسها وأصلها إلى أربعة أقسام:

قسم يتعلق بالملوك يقال مَلكية نسبة إلى مَلك، ويقال مُلكية نسبة إلى المُلك، لكن قال مُلكية حتى لا يشتبه أنه أراد الملائكة، فالملوك التشبه بالملوك بالقهر والتكبر والتعاظم على الناس واحتقارهم وغير ذلك مما يفعله الملوك الذين لم يتقيدوا بالشرع، وهناك شيطانية: صاحبها متشبه بالشياطين في حسدهم وبغيهم وخيانتهم وتكبرهم على الحق وإيذائهم للمسلمين في كل أنواع الأذى.

وهناك أيضًا سبعية: نسبة إلى السباع كالذئاب والأسود والنمور بالفتك بالناس وظلمهم والتعدي على الضعيف إلى غير ذلك مما تفعله السباع من جرأتها على الناس وإيذائها لهم بطبيعتها الخبيثة.

وهناك بهيمية: تشبه بقية البهائم لا هم لها إلا الأكل إلا بطونها وفروجها وشهواتها كالبهائم لا يهمها إلا السفاح والنكاح والأكل والشرب لا يهمها شيء آخر، وهذا هو الغالب على بني آدم، قال جل وعلا: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179] وقال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44]

فالواجب على العاقل المكلف أن لا يتشبه بهؤلاء وأن يرفع نفسه عن ذلك ويربأ بنفسه عن التشبه بهؤلاء، وأن يكون مطيعًا لله فاعلًا لأوامره متقربًا إليه مخلصًا لله يرجو رحمته ويخشى عقابه، متواضعًا متباعدًا عن الكبر والبغي والحسد والخيانة والغش وغير ذلك، حريصًا على أداء ما أوجب الله بعيدًا عما حرم الله، يرجو ثواب الله ويخشى عقابه هذا هو عبد الله، هذا هو عبده الذي قال فيه :   وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ۝ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ۝ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ۝ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ۝ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ۝ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:63 - 70]

فالمقصود أن هؤلاء هم عباد الله الصالحون الذين يسيرون على نهج الكتاب والسنة يسيرون على النهج الذي رسمه الله لهم الذي أمرهم الله به في فعل المأمور وترك المحظور، وليس من شأنهم اتباع الهوى ولا تقليد الآخرين ولا الظلم للعباد ولا التكبر عليهم ولا اتباع الهوى هؤلاء هم عباد الله بخلاف عباد الشياطين وهم أكثر الخلق وهم عباد لأهوائهم ليسوا عباد لله إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ [النجم: 23]

نسأل الله للجميع التوفيق والهداية؟

السؤال: ..........................

الشيخ: إذا لم ينفذ شيء ولمن يظلم، يجاهد نفسه لأن الله قال: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5] إذا جاهد نفسه ولم يظلم أحدًا لا يضره، يقول النبي ﷺ: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم فإذا جاهد نفسه ولم يظلم أحدًا ولم يتعد على أحد يعفو الله عنه.

السؤال: ما هو العقاب الذي توعد الله به من رأى منكرًا ولم يغيره بلسانه وهو قادر على ذلك؟

الشيخ: مثل ما قال الله في سورة المائدة: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 78، 79] موعود باللعن والطرد عن الرحمة، نسأل الله العافية، وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب نسأل الله العافية.

السؤال: في حديث الرسول ﷺ: لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها فهل يجوز أن يكشف الرجل على عمة امرأته أو خالتها، وإذا كان لا يجوز فما معنى هذا الحديث؟

الشيخ: لا يجمع بينهما في النكاح لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها أي ليس له أن يتزوج فاطمة مع عمتها خديجة مثلًا، أو خالتها لا هذه ولا هذه، لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى، إذا كان معه فاطمة ولها عمة أو خالة لا يتزوجهما معًا أو لها بنت أخ أو بنت أخت لا يتزوجهما معًا لا يجمع بينهما، أما بنات العم لا بأس، بنات الخال لا بأس يجمع بينهما، أما امرأة وخالتها أو امرأة وعمتها لا يجوز الجمع بينهما في النكاح في الزواج يعني.

السؤال: سوف تجرى لي عملية في رقبتي لإزالة الغدة وأوضح لي الطبيب أنه لا بدّ من حلق جزء من لحيتي فما حكم ذلك؟

الشيخ: إذا دعت الضرورة إلى ذلك جاز عند العلاج، إذا كان المرض في لحيته ولا يتم العلاج إلا بإزالة الشعر يقول الله جل وعلا: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: 119].

السؤال: ما تفسير قوله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39] هل المقصود أنه يمحو ما في القرآن أو ما في اللوح المحفوظ؟

الشيخ: المعنى يمحو ما يشاء ويثبت مما شرع من الشرائع ينسخ هذه كما جرى فإنه سبحانه نسخ أحكامًا في مكة وكانت في المدينة على غير ذلك، كالقبلة كانوا في أول الهجرة قبل ذلك يستقبلون الشام ثم نسخت إلى الكعبة وأشياء أخرى ذكر فيها النسخ، فالله ينسخ ما يشاء وهكذا ما علقه سبحانه على أشياء إذا وجدت وقع الشيء، وإذا لم توجد لم يقع الشيء، فالله ينسخ ما يشاء ويثبت فيما مضى في علمه وقدره السابق فيما مضى في علمه وقدره السابق ترجع الأمور إليه ولا يبدل ولا يغير.

السؤال: ترد على ألسنة العامة من الناس بعض الألفاظ مثل: يا رب يا ساتر، ويارب يا ستار، فهل في ذلك حرج؟

الشيخ: لا أعلم فيه شيء؛ لأن في المعنى هو الساتر وهو الستار سبحانه لكن لم يرد في الآيات ولا في الأحاديث اسم الساتر والستار لكن هذه الأسماء يوصف بها من غير أن تعد في أسمائه كالموجود والشيء والذات، له ذات مقدسة وهو شيء عظيم وهو موجود عظيم له الأسماء الحسنى لكن لا يعد في أسمائه الذات والموجود والشيء، وهكذا الساتر والستار لا نعلم فيها حديثًا صحيحًا لكن ورد (الستير) (حيي ستير) بمعنى الستار وبمعنى الساتر لكنها صفة مبالغة.

فَمِنْهَا: الْخَتْمُ عَلَى الْقُلُوبِ وَالْأَسْمَاعِ، وَالْغِشَاوَةُ عَلَى الْأَبْصَارِ، وَالْأَقْفَالُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَجَعْلُ الْأَكِنَّةِ عَلَيْهَا وَالرَّيْنُ عَلَيْهَا وَالطَّبْعُ وَتَقْلِيبُ الْأَفْئِدَةِ وَالْأَبْصَارِ، وَالْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَإِغْفَالُ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الرَّبِّ، وَإِنْسَاءُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَتَرْكُ إِرَادَةِ اللَّهِ تَطْهِيرَ الْقَلْبِ، وَجَعْلُ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ، وَصَرْفُ الْقُلُوبِ عَنِ الْحَقِّ، وَزِيَادَتُهَا مَرَضًا عَلَى مَرَضِهَا، وَإِرْكَاسُهَا وَإِنْكَاسُهَا بِحَيْثُ تَبْقَى مَنْكُوسَةً، كَمَا ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ قَالَ: الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: فَقَلْبٌ أَجْرَدُ فِيهِ سِرَاجٌ يُزْهِرُ: فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ: فَذَلِكَ قَلْبُ الْكَافِرِ، وَقَلْبٌ مَنْكُوس: فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ، وَقَلْبٌ تَمُدُّهُ مَادَّتَانِ: مَادَّةُ إِيمَانٍ وَمَادَّةُ نِفَاقٍ، وَهُوَ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.

وَمِنْهَا: التَّثْبِيطُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالْإِقْعَادُ عَنْهَا.

وَمِنْهَا: جَعْلُ الْقَلْبِ أَصَمَّ لَا يَسْمَعُ الْحَقَّ، أَبْكَمَ لَا يَنْطِقُ بِهِ، أَعْمَى لَا يَرَاهُ، فَتَصِيرُ النِّسْبَةُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَنْفَعُهُ غَيْرُهُ، كَالنِّسْبَةِ بَيْنَ أُذُنِ الْأَصَمِّ وَالْأَصْوَاتِ، وَعَيْنِ الْأَعْمَى وَالْأَلْوَانِ، وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ وَالْكَلَامِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْعَمَى وَالصَّمَمَ وَالْبَكَمَ لِلْقَلْبِ بِالذَّاتِ والْحَقِيقَةُ، وَلِلْجَوَارِحِ بِالْعَرَضِ وَالتَّبَعِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46]. وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْعَمَى الْحِسِّيِّ عَنِ الْبَصَرِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ [النور: 61].

وَقَالَ: عَبَسَ وَتَوَلَّى ۝ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس: 1-2].

وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْعَمَى التَّامُّ فِي الْحَقِيقَةِ: عَمَى الْقَلْبِ، حَتَّى إِنَّ عَمَى الْبَصَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَالَأعَمًى، حَتَّى إِنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَقَوْلِهِ ﷺ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِنْ عُقُوبَاتِ الْمَعَاصِي جَعْلَ الْقَلْبِ أَعْمَى أَصَمَّ أَبْكَمَ.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:

فالمؤلف رحمه الله الإمام ابن القيم يعدد آفات القلوب وعقوبات القلوب وما يصيب العبد بأسباب كفره ونفاقه وبأسباب معاصيه، فالعقوبات متنوعة عقوبات القلوب التي تنتج عن الأعمال الخبيثة متنوعة منها الختم والطبع على القلوب: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7]

 ومنها العمى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46].

ومنها الصمم والبكم: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة: 18].

ومنها إغفال القلب عن طاعة الله وعن ذكره: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28].

ومنها اتباع الهوى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ [النجم: 23] وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26] إلى غير ذلك من آفات القلوب وأمراضها وعقوباتها؛ بسبب إقبال العبد على المعاصي والكفر بالله فلا تزداد هذه الأمراض إلا شدة، كلما زاد في الكفر والمعاصي زادت هذه الأمراض شدة وقسوة بسبب تغذيتها لها بالمعاصي وأنواع الكفر.

والقلوب كما قال حذيفة أربعة وحذيفة بن اليمان صحابي جليل ، يقول: القلوب أربعة:

قلب فيه سراج يذهب وهو قلب المؤمن، فيه سراج يذهب يعني ينير له الطريق فهذا هو القلب السعيد الموفق المهدي، فالقلب الذي يستنير بالإيمان ويستنير بالهدى نور الإيمان فيه يضيء له الطريق بسبب إيمانه وتقواه وقيامه بحق الله وهو قلب موفق مستنير بنور الإيمان والهدى يضيء له الطريق.

والقلب الثاني: أجوف أغلف وهو قلب الكافر وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة: 88] عليها غشاوة وعليها غطاء فهي غلفاء بسبب ما عليها من طابع الذنوب والمعاصي والكفر بالله وهو مختوم عليه أغلف.

وقلب منكوس: وهو قلب المنافق الذي عرف ثم أنكر وأظهر الحق وأخفى الباطل، فهو منكوس، نسأل الله العافية.

وقلب رابع مريض: فيه مادتان مادة خير ومادة شر، هذه قلوب أهل المعاصي والسيئات قلوب مريضة، قد يشتد المرض فيغلب عليه الخطر وقد يضعف في المرض، كلما زاد في المعاصي زاد المرض حتى يقارب الكفر حتى يكون على خطر الردة، وقد تقل المعاصي وقد تكثر الطاعات والخيرات حتى يقرب إلى الشفاء ويضعف المرض ويقل المرض ويدنو من الشفاء. وهو فيه مادتان مادة الخير ومادة الشر، مادة الإيمان تغذي الإيمان والطاعات ومادة الهوى وحب المعاصي والشهوات تغذي فيه مرض المعاصي مرض المخالفة مرض الهوى. 

فالواجب على المؤمن أن يحذر هذه الأمراض الخبيثة وأن يحذر هواه وطاعة من يقوده إلى الشر ويدله على الشر وأن يلزم الحق ويستجيب لداعي الحق حتى يسلم من عاقبة اتباع الهوى ودعاة الهوى، ولا بدّ من جهاد قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69] وقال سبحانه: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ [العنكبوت: 6] وقال تعالى: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26]. 

فالمؤمن يجاهد في هذه الحياة، يجاهد شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء وهواه وشياطين الإنس والجن حتى لا يضلوه وحتى لا يجروه إلى الباطل وهو في جهاد أبدًا حتى يموت، المؤمن في جهاد أبدا مع شيطانه ومع دعاة الباطل من الفجرة والكفار ومع النفس الأمارة بالسوء ومع جلساء السوء هو في جهاد، جهاد لا يفتر، ولا يجوز له أن يفتر ولا أن يضع السلاح بل يكون أبدًا في جهاد بذكر الله وتذكر لعظمته وتذكر لنعيمه وتذكر لعذابه. 

هكذا يكون دائمًا على حذر، يذكر عذابه وغضبه ويبتعد عن معاصيه وسيئاته، ويذكر النعيم وما أعد الله للمتقين فيسارع في الخيرات ويبادر إلى الطاعات ويذكر ما في مجالسة أهل الخير من الخير فيحرص على مجالسة الأخيار وصحبتهم، ويتذكر ما في صحبة الأشرار من الشر فيحذرها ويبتعد عنها، هكذا المؤمن أبدًا في جهاد في ليله ونهاره وفي صحته ومرضه وفي سفره وإقامته أينما كان في جهاد حتى يموت، حتى تخرج هذه الروح.

وفق الله الجميع.

السؤال: هناك من الشباب من يصرف كثيرًا من وقته فيما لا فائدة منه فإذا جئت تكلمه عن واجبه مثل الدعوة إلى الله اعتذر بضيق الوقت، فبم توجهون هؤلاء؟

الشيخ: الواجب على الشاب وغير الشاب كالشيخ والرجل والمرأة الواجب شغل الوقت في طاعة الله في نفع عباد الله والحذر من إضاعته فيما لا فائدة فيه، فالوقت له قيمة ثمين يقول ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت فالوقت له شأن: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18] فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص: 50]

فنصيحتي للشباب وللشيبان وللرجال والنساء نصيحتي للجميع شغل الوقت في طاعة الله في الذكر في حفظ القرآن في تلاوة القرآن في التسبيح والتهليل والتحدث مع الأهل في حاجات البيت بما يحصل به الخير وسعادة البال من دون إثم ولا قطيعة رحم، يتحدث مع أهله يحدث البيت في حاجاتهم فيما لا محذور فيه من المعاشرة الطيبة، مع أولاده في الخير في النصيحة، مع جلسائه شغل الوقت، الوقت يكون محفوظ فيما ينفع قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ يعني يغفل عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 36]وقال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28] يعني ضائعًا. 

قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ دائم الذكر، يعني في جميع أوقاته يذكر الله في كل أحيانه عليه الصلاة والسلام لا يغفل في بيته في الطريق قائمًا وقاعدًا هكذا كان ﷺ، كان يذكر الله في كل أحيانه عليه الصلاة والسلام بقلبه ولسانه، فالمؤمن هكذا يكون ذاكرًا لله أينما كان يتذكر عظمته ويتذكر حقه ويتذكر حق العباد ويتذكر حق أهله وحق أولاده وحق زوجته وهكذا لا يضيع شيئًا مع زوجته بالأخلاق الطيبة والأخلاق الكريمة وحسن الخلق وطلاقة الوجه ومع أولاده كذلك ومع جلسائه الطيبين ومع المسلمين بالكلام الطيب والأسلوب الحسن والتذكير بالله والدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكلام طيب بطلاقة وجه بعبارات حسنة بالأسلوب الطيب بالرفق حتى يؤثر فيهم من يتحدث معهم. 

يقول ﷺ في الحديث الصحيح: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ويقول عليه الصلاة والسلام: من يحرم الرفق يحرم الخير كله والله يقول سبحانه في وصف نبيه ﷺ: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159] ويقول جل وعلا لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 44] وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: 46] حتى أهل الكتاب وهم كفرة بالتي هي أحسن إلا من ظلم، من ظلم له شأن آخر.

السؤال: تفريعًا على القول بوقوع الطلاق في الحيض وقد اتفق القائلون بوقوعه على أن الحيضة التي وقع فيها الطلاق غير محسوبة في العدة، والسؤال: متى تبدأ العدة هل تبدأ بأول شهر بعد الحيضة التي وقع فيها الطلاق أم متى؟

الشيخ: تبدأ بالحيضة التي بعدها، إذا قيل بوقوعه تبدأ بالحيضة التي بعدها، الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب، لكن الصحيح أن الطلاق إذا كان في الحيض لا يقع، إذا كان الزوج يعرف ذلك ويعلم ذلك، والزوجة كذلك إذا كانا صادقين كلهم يعلمون ذلك أنه في الحيض الصواب أنه لا يقع إلا حكم به حاكم إذا قضى به قاض فالأكثرون يوقعونه إذا حكم به الحاكم نفذ وإلا فالأصل أنه لا يقع لأن النبي ﷺ أنكر على عبد الله بن عمر لما طلق في الحيض غضب عليه وأنكر وأمره أن يرد الزوجة وقال: أمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم طلقها إن شئت في الطهر قبل أن يمسها هذا هو المشروع، والله قال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1] لعدتهن إذا كن طاهرات من غير جماع هذا طلاق العدة، أن يكون على طهر ليس فيه جماع، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1].

س: وما تحسب طلقة؟

ج: على الصحيح، إلا إذا حكم بها قاضٍ، حكم بها حاكم، فحكم الحاكم يرفع الخلاف، عند الأكثر.

السؤال: إذا كانت المرأة عليها الدورة الشهرية وتريد العمرة وهي خارج مكة هل تستطيع أن تحرم من الميقات ومن ثم تطوف إذا طهرت؟

الشيخ: نعم، تحرم ولو هي في الحيض تحرم من الميقات وإذا طهرت تطوف وتسعى تبقى في بيتها حتى تطهر وإذا طهرت اغتسلت وطافت والحمد لله، وهكذا النفساء، إذا أحرمت وهي نفساء وبقيت على إحرامها حتى طهرت كذلك.

السؤال: لي والدة لم تقرأ دعاء الاستفتاح مدة عشرين سنة ولما أخبرتها به لم تحفظه مع أنها حاولت ولم تستطع فما حكم ذلك، وهل هو واجب؟

الشيخ: دعاء الاستفتاح مستحب وليس بواجب والحمد لله، لا شيء عليها لكن إذا حفظته: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا غيرك، هذا الاستفتاح المختصر تحفظه إن شاء الله.

السؤال: طفل توفي وعمره أسبوعين فأتى أحد أقاربه وأخبر بأنه لا يصح غسله لأنه صغير وليس عليه ذنوب بعد وكفن ودفن وأمه الآن تسأل هل هذا صحيح؟ وإن لم يكن كذلك فما الواجب عليها نحو ذلك؟

الشيخ: الواجب يغسل ويكفن ويصلى عليه، هذا الذي قال له غلطان، الطفل ولو طاح ميت يغسل، يغسل ويكفن ويصلى عليه ثم يدفن هذا هو الصواب، والذي مضى مضى يعفو الله عما سلف، لكن في المستقبل إن شاء الله.

وَمِنْهَا: الْخَسْفُ بِالْقَلْبِ كَمَا يُخْسَفُ بِالْمَكَانِ وَمَا فِيهِ، فَيُخْسَفُ بِهِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ وَصَاحِبُهُ لَا يَشْعُرُ، وَعَلَامَةُ الْخَسْفِ بِهِ أَنَّهُ لَا يَزَالُ جَوَّالًا حَوْلَ السُّفْلِيَّاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالرَّذَائِلِ، كَمَا أَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ لَا يَزَالُ جَوَّالًا حَوْلَ الْعَرْشِ.

وَمِنْهَا: الْبُعْدُ عَنِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ وَمَعَالِي الْأُمُورِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَخْلَاقِ.

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ جَوَّالَةٌ، فَمِنْهَا مَا يَجُولُ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَمِنْهَا مَا يَجُولُ حَوْلَ الْحُشِّ.

مَسْخُ الْقَلْبِ

وَمِنْهَا: مَسْخُ الْقَلْبِ، فَيُمْسَخُ كَمَا تُمْسَخُ الصُّورَةُ، فَيَصِيرُ الْقَلْبُ عَلَى قَلْبِ الْحَيَوَانِ الَّذِي شَابَهَهُ فِي أَخْلَاقِهِ وَأَعْمَالِهِ وَطَبِيعَتِهِ، فَمِنَ الْقُلُوبِ مَا يُمْسَخُ عَلَى قَلْبِ خِنْزِيرٍ لِشِدَّةِ شَبَهِ صَاحِبِهِ بِهِ، وَمِنْهَا مَا يُمْسَخُ عَلَى قَلْبِ كَلْبٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا تَأْوِيلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام: 38].

قَالَ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَلَى أَخْلَاقِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَلَى أَخْلَاقِ الْكِلَابِ وَأَخْلَاقِ الْخَنَازِيرِ وَأَخْلَاقِ الْحَمِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَطَوَّسُ فِي ثِيَابِهِ كَمَا يَتَطَوَّسُ الطَّاوُوسُ فِي رِيشِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَلِيدًا كَالْحِمَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ كَالدِّيكِ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ كَالْحَمَامِ، وَمِنْهُمُ الْحَقُودُ كَالْجَمَلِ، وَمِنْهُمُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ كُلُّهُ كَالْغَنَمِ، وَمِنْهُمْ أَشْبَاهُ الثَّعَالِبِ الَّتِي تَرُوغُ كَرَوَغَانِهَا، وَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْجَحِيمِ وَالْغَيِّ بِالْحُمُرِ تَارَةً، وَبِالْكَلْبِ تَارَةً، وَبِالْأَنْعَامِ تَارَةً، وَتَقْوَى هَذِهِ الْمُشَابَهَةُ بَاطِنًا حَتَّى تَظْهَرَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ ظُهُورًا خَفِيًّا، يَرَاهُ الْمُتَفَرِّسُونَ، وَتَظْهَرُ فِي الْأَعْمَالِ ظُهُورًا يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَلَا يَزَالُ يَقْوَى حَتَّى تُسْتَشْنَعَ الصُّورَةُ، فَتَنْقَلِبُ لَهُ الصُّورَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَهُوَ الْمَسْخُ التَّامُّ، فَيَقْلِبُ اللَّهُ الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ عَلَى صُورَةِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، كَمَا فَعَلَ بِالْيَهُودِ وَأَشْبَاهِهِمْ، وَيَفْعَلُ بِقَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَمْسَخُهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ.

فَسُبْحَانَ اللَّهِ! كَمْ مِنْ قَلْبٍ مَنْكُوسٍ وَصَاحِبُهُ لَا يَشْعُرُ؟ وَقَلْبٍ مَمْسُوخٍ وَقَلْبٍ مَخْسُوفٍ بِهِ؟ وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَمَغْرُورٍ بِسِتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ وَمُسْتَدْرَجٍ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ وَكُلُّ هَذِهِ عُقُوبَاتٌ وَإِهَانَاتٌ وَيَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّهَا كَرَامَةٌ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فيقول المؤلف رحمه الله الإمام ابن القيم رحمه الله يقول إن القلوب يصيبها من العقوبات أنواع منوعة بسبب كفرها ومعاصيها فكلما عظمت أنواع الكفر عظمت صفات الخبث، وكلما عظمت المعاصي كذلك عظمت صفات الخبث؛ فالقلب يخسف به كما يخسف بالدور والجبال وغير ذلك، يخسف به خسوفًا بعيدًا بسبب ترديه في الشر والفساد حتى يخسف به عن كل خير وقلوب ترفع لكمالها وإيمانها وعلو همتها فهي حول العرش حول الله وأسمائه وصفاته حول التفكير بالجنة والنجاة من النار، حول التفكير بالصفات العالية والأخلاق الكريمة وهي قلوب مرتفعة مرفوعة همتها عليا إلى العرش وما حوله.

وقلوب ممسوخة مخسوف بها همتها دانية كالكلاب والحمير والسباع والحيات والعقارب وغير ذلك فكل له نصيب في خسته عمله بالحيوان المشابه.

 وقد شبه الله العَالِم الذي لا يعمل بعلمه كالكلب الذي يلهث، وشبههم بالحمر: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة: 5] فجدير بالمؤمن وجدير بالعاقل وجدير بكل من تعز عليه نفسه أن يرفعها وأن يجتهد في الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة والتأسي بالأخيار والترفع عن صفات الأشرار، هذا هو اللائق بالمؤمن ذي الهمة العالية والعقل السليم، وأن يحذر الصفات الذميمة والأخلاق الدنيئة التي تنزله وتجعله في........الحيوان البهيم. 

قال جل وعلا في كتابه العظيم: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179] وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا[الأعراف: 175] يعني لكونه لم يعمل بعلمه، فلما انسلخ منها شبه بالكلب، فجدير بالمؤمن أن يكون ذا همة عالية تطلب معالي الأخلاق ويريد معالي الأمور ويزيد في طاعة الله والحذر من معاصي الله والتخلق بالأخلاق الكريمة، والحذر من الأخلاق الذميمة والحرص على معالي الأمور والبعد عن سفاسفها، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

السؤال: ما توجيه سماحتكم لمن ينكر على الناس ولا يبدأ ببيته وأهله؟

الشيخ: هذا على كل حال على خطر عظيم، الواجب أن يبدأ بنفسه وأهله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6] فالعاقل يبدأ بنفسه يجتهد في صلاحها وإصلاح أهله وأقاربه وجيرانه ولا يمنعه ذلك من التوسع في الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لجميع الناس، لكن لا يغفل عن نفسه حتى يكون مثالًا صالحًا وقدوة صالحة لأهله ولغير أهله، لأهله لأولاده وإخوته وأهل بيته يبدأ بهم ويعتني بهم حتى يكونوا كلهم إسوة صالحة وقدوة طيبة في الخير والعمل.

السؤال: هل يمكن تعلم العلوم الأساسية من الكتب وإذا كان الجواب بنعم، فكيف يكون ذلك؟

الشيخ: التعلم يكون من نص القرآن العظيم والسنة المطهرة لمن عنده عقل وبصيرة، ولكن على يد العلماء على يد الأخيار على يد أهل البصيرة حتى يوجهوه ويرشدوه ويفهموه، أما وحده من دون مراجعة للعلماء فقد يغلط كثيرًا، ولكن إذا كان تعلمه بواسطة أهل العلم المستقيمين أهل البصائر والعناية بالكتاب العظيم والسنة المطهرة كان ذلك أنجح لمطلبه وأرفع لشأنه.

السؤال: لماذا لم يجتمع علماء الأمة اليوم ويخرجوا للأمة بفقه موحد؟

الشيخ: جمع الناس غير متيسر، جمع الناس متعسر غير متيسر، والفقه والأدلة معروفة كتبهم موجودة وطالب العلم كتبه بين يديه طالب العلم صاحب البصيرة يستطيع يأخذ من كتب الحديث وكتب أهل العلم ما يدعو به إلى الله ويرشد إليه هذه الأمة وأصل................ وأساسه كتاب الله العظيم وسنة رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام.

السؤال: بعض الدعاة ممن يزعمون أنهم ينتسبون إلى منهج السلف يفترون الكذب بحجة التورية وذلك خدمة لمصلحتهم وحجتهم في ذلك أن التورية جائزة فتجدهم يعدون الوعود ويقولون الأقوال، ثم إذا راجعتهم قالوا: ما كنا نقصد هذا أو كنا نقصد كذا ويكثرون من هذا حتى أصبح كأنه منهج لهم، وهذا مما يضايق غيرهم ويجعلهم في حرج ويثير الخلاف والشقاق ويوسع من الخلاف الحاصل دون التوصل إلى حل مع هذا الأسلوب؟

الشيخ: الواجب على المؤمن أن يكون مع أخيه بالصراحة بالعبارات الواضحة حتى يثق به أخوه ويطمئن إليه وحتى يحصل التعاون على البر والتقوى، ولا يجوز له أن يخونه أو يعامله بالخداع ويقول له من الكلام ما هو خلاف الحقيقة، ليس هذا من شأن المؤمن، فلا بدّ من الصراحة والصدق والرغبة في الخير والرغبة أيضًا في التعاون على البر والتقوى، وليس من شأن المؤمن الخداع وعدم العناية بالحقيقة، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: 27] فالمؤمن يكون مع أخيه في غاية من الصراحة والعناية إلا عند.............. المظلوم يتأول لا بأس، أما...... يكون معه على الحقيقة يعطي الحقيقة يتكلم بالحقيقة بالأسلوب الحسن وبالأسلوب الواضح الذي ليست فيه شبهة ولا خداع لأخيه، والله المستعان.

السؤال: هل تجوز الشركة مع رجل عرف أبوه بأنه من أصحاب البنوك الربوية ويشك بأن ماله من مال أبيه؟

الشيخ: إذا لم يعلم أن ماله محرم فلا بأس بالاشتراك معه والتعاون معه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164] ذنب أبيه ليس ذنبًا له إذا لم يعرف أن ماله خبيث فالحمد لله، يتعاون معه ويشترك معه فيما يصلح فلا بأس والحمد لله إذا كان ظاهره الخير ولا يضره كون أبيه يعمل في الربا أو له معاص أو له سمعة سيئة، كل يؤخذ بذنبه لا يؤخذ بذنب غيره: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164].

وَمِنْهَا: مَكْرُ اللَّهِ بِالْمَاكِرِ، وَمُخَادَعَتُهُ لِلْمُخَادِعِ، وَاسْتِهْزَاؤُهُ بِالْمُسْتَهْزِئِ، وَإِزَاغَتُهُ لِلْقَلْبِ الزَّائِغِ عَنِ الْحَقِّ.

وَمِنْهَا: نَكْسُ الْقَلْبِ حَتَّى يَرَى الْبَاطِلَ حَقًّا وَالْحَقَّ بَاطِلًا، وَالْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، وَيُفْسِدُ وَيَرَى أَنَّهُ يُصْلِحُ، وَيَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يَدْعُو إِلَيْهَا، وَيَشْتَرِي الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ عَلَى الْهُدَى، وَيَتَّبِعُ هَوَاهُ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُطِيعٌ لِمَوْلَاهُ؟ وَكُلُّ هَذَا مِنْ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْقَلْبِ.

وَمِنْهَا: حِجَابُ الْقَلْبِ عَنِ الرَّبِّ فِي الدُّنْيَا، وَالْحِجَابُ الْأَكْبَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: 14-15].

فَمَنَعَتْهُمُ الذُّنُوبُ أَنْ يَقْطَعُوا الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فَيَصِلُوا إِلَيْهَا فَيَرَوْا مَا يُصْلِحُهَا وَيُزَكِّيهَا، وَمَا يُفْسِدُهَا وَيُشْقِيهَا، وَأَنْ يَقْطَعُوا الْمَسَافَةَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَتَصِلَ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ فَتَفُوزَ بِقُرْبِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَتَقَرَّ بِهِ عَيْنًا وَتَطِيبَ بِهِ نَفْسًا، بَلْ كَانَتِ الذُّنُوبُ حِجَابًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قلوبهم وحجابا بينهم وبين رَبِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه أيضًا من آفات الذنوب ومن عقوباتها وشرها تقدم أن الذنوب لها عقوبات ولها عواقب وخيمة، ومنها أن الله جل وعلا يمكر بالماكرين ويستهزئ بالهازئين ويكيد لهم كيدًا كما كادوا: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15] وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30] فهم على خطر عظيم من شر سيئاتهم كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] ومن هذا تسبب تقليب القلوب من رشد إلى شر، ومن هداية إلى ضلالة، ومن محبة الحق إلى كراهته إلى غير ذلك، كما قال جل وعلا: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110] فعواقبها وخيمة، فالواجب الحذر منها، والتوبة إلى الله منها فإنها تقطع الطريق وتسبب غضب الله، وتجر إلى محارمه :  فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5].

كما أن الهدى يزيد الله به العبد هدى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17] هكذا المعاصي بالضد تزيده شرًا وتدعوه إلى شر: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5]، فأنت يا عبد الله في أشد الحاجة بل في أشد الضرورة إلى سؤال الله والضراعة إليه أن يهديك ويصلح قلبك ويعيذك من شرك وشر هواك ويثبت على الهدى وأن يعيذك من طاعة النفس والهوى والشيطان.

الأسئلة:

السؤال: بعض طلبة العلم ممن يحضرون هذه الدروس لا يسلِّمون بل حتى لا يردون السلام على طلبة علم آخرين ممن يواظبون على حضور هذه الدروس رغم أننا ما علمنا على هؤلاء إلا خيرًا فما ظهر منهم شر، فإن كان هؤلاء قد بنوا فعلهم هذا على يقين وتأكد وتثبت فليبينوا لنا حتى يحصل المقصود من النصح والتذكير والإنكار، وإن بنوا فعلهم على أوهام وتخرصات وظنون فنرجو أن توجه لهم النصيحة يا شيخ؟

الشيخ: الواجب على المؤمن حسن الظن بأخيه، والتعاون معه بالبر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه هذا هو الواجب على الجميع، كما قال الله جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10] وقال جل وعلا: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: 71] وقال جل وعلا: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1-3] ويقول النبي ﷺ لما سئل: أي الإسلام أفضل؟ قال: أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف فالواجب التحاب في الله والتعاون على الخير والتواصي بالحق والصبر عليه، والحذر من أسباب غضب الله.

السؤال: إذا رأيت منكرًا على جاري ونصحت له فلم ينتصح هل الأولى أن أستر عليه أو أن أبلغ عنه؟

الشيخ: إذا كان المنكر مستورًا فالأولى أن تستر عليه مع الاستمرار في النصيحة وتشجيع غيرك على أن ينصحه من إخوانك ومن جيرانك لعله يستفيد من تكرار النصيحة منك ومن غيرك، أما إذا كان منكرًا ظاهرًا فيرفع أمره إلى الجهة المختصة كالهيئة والمحكمة لأنه فضح نفسه.

السؤال: عند وجود الخادمة في المنزل هل يجوز أن ترافقنا عند سفرنا مع العائلة إلى مكة أو جدة أو غيرها، حيث إنها بدون محرم علمًا بأن بقائها في المنزل لوحدها غير ممكن، وكذلك فنحن نحتاج إلى خدمتها أثناء السفر؟

الشيخ: معكم، تسافر معكم لأنها مضطرة، وهي جاءت للخدمة، فتسافر معكم ولا يضر إن شاء الله..

السؤال: ما حكم الكشف على المرأة على الحامل بغرض معرفة نوع الجنين ذكرًا أو أنثى بالأجهزة الحديثة؟ وهل يتعارض ذلك وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ [لقمان: 34]؟

الشيخ: لا، لا يتعارض بعد التخليق لا يتعارض، يطلع عليه الملك والملك يؤمر ذكر أنثى شقي سعيد فالملك يطلع ما عاد يكون من علم الغيب قد أطلع الله عليه الملك والأجهزة الحديثة قد يعرفون أنه ذكر أو أنثى هذا ليس من علم الغيب، علم الغيب قبل ذلك قبل أن يخلق.

السؤال: تقوم بعض الجهات التربوية بعمل مسابقة ثقافية تربوية وقد رصد لها جوائز وهذه المسابقة تطبع على شكل كتاب يباع بمبلغ زهيد ريالين قيمة طباعة الكتاب فهل هناك حرج في أخذ هذا المبلغ الزهيد، حيث إن من أهداف ذلك أيضًا ألا يأخذ كتاب المسابقة الثقافية إلا من يرغب فعلًا بحل أسئلتها والاستفادة منها؟

الشيخ: إذا كان أخذ الكتاب من أجل المشاركة في المسابقة يكون من القمار، أما إذا أخذ الكتاب لفائدته لا لأجل المسابقة فلا بأس، أما إذا اشتراه لأجل المسابقة فهذا معناه القمار، سلم الدراهم هذه لعله ينجح في المسابقة.