150 من حديث: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى..)

 
7/418- وعن عمرَ بنِ الخطاب قَالَ: قَدِمَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْزَقَتْهُ بِبَطْنِها، فَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: أَتُرَوْنَ هَذِهِ المَرْأَةَ طارِحَةً وَلَدَهَا في النَّارِ؟ قُلْنَا: لا وَاللَّهِ، فَقَالَ: للَّهُ أَرْحَمُ بِعِبادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا متفقٌ عليه.
8/419- وعن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضَبِي، وفي روايةٍ: غَلَبَتْ غَضَبِي، وفي روايةٍ: سَبَقَتْ غَضَبِي متفقٌ عَلَيْهِ.
9/420- وعنه قَالَ: سمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مئَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءًا واحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَراحمُ الخَلائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ ولَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.
وفي روايةٍ: إِنَّ للَّهِ تَعَالى مئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ وَالبَهَائمِ وَالهَوامِّ، فَبِهَا يَتَعاطَفُونَ، وبِهَا يَتَراحَمُونَ، وَبها تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تَعالى تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادهُ يَوْمَ القِيَامَةِ متفقٌ عَلَيهِ.
ورواهُ مسلمٌ أَيضًا مِنْ روايةِ سَلْمَانَ الفَارِسيِّ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْها رَحْمَةٌ يَتَراحَمُ بِهَا الخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْم القِيامَةِ.
وفي روايةٍ: إِنَّ اللَّه تعالى خَلَقَ يَومَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ مِئَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنها في الأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُها عَلَى بَعْضٍ، فَإِذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أَكْمَلَها بهذِهِ الرَّحْمَةِ.

الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة فيما يتعلَّق بالرحمة كلها تدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يكون حسنَ الظن بالله، ولا ييأس، فإنه سبحانه ذو الرحمة الواسعة، فينبغي للمؤمن ألا ييأس مع تقوى الله والاستقامة على دينه؛ فإنَّ الراغب في الرحمة والراغب في الرجاء يعمل، مَن أراد الخيرَ وأراد الرحمةَ يعمل بطاعة ربِّه حتى يحصل له الخير، فالله جلَّ وعلا بيَّن لعباده أنه الرحمن الرحيم، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:2- 3]، وقال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف:156].
فالواجب على المؤمن أن يتَّقي ربَّه حتى تناله الرحمةُ، فالكفار لِقُبْح أعمالهم وانحرافهم عمَّا أمرهم الله به لا تشملهم الرحمةُ، فمع عظمتها وسعتها لا تعمّهم، بل هم في النار، والله يقول: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143]، يعني: إذا أجابوا دعوته واتَّقوه فهو رحيمٌ لهم سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ .. الآية [الأعراف:156- 157]، فالواجب على مَن أراد الرحمةَ أن يتَّقي الله، وأن يُراقب الله، وأن يحذر محارم الله، وأن يقف عند حدود الله.
وفي هذا الحديث: أنَّ امرأةً كانت في السَّبي فقدتْ طفلًا لها، فوجدتْ طفلَها في السَّبي فعرفت أنه ولدها، فأخذتهُ تُرضعه، فقال لهم النبيُّ ﷺ: أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: فالله أرحم بعباده من هذه بولدها يعني: بعباده المتقين له.
وهكذا الحديث الآخر: إنَّ الله جلَّ وعلا كتب في كتابٍ، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي سبقت غضبي، كذلك أنه خلق مئةَ رحمةٍ، أنزل منها رحمةً واحدةً يتراحم بها الخلائق، وأمسك عنده تسعةً وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة.
كل هذه الأحاديث وما جاء في معناها تُبين أنَّ الواجب على المؤمن أن يُحسِن ظنَّه بربِّه، لكن مع العمل، مَن أساء العمل ما أحسن ظنّه بربه، ولكن مَن اتَّقى الله استقام على العمل الصالح، قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ .. الآية [آل عمران:133- 134]، فالعبد يتَّقي ربَّه ويعمل حتى تناله الرحمةُ، حتى يُوفَّق للرحمة، أما أن يبتعد عن الله ويُسيئ العملَ وينحرف عن جادة الصَّواب فقد عرَّض نفسَه لغضب الله وسخطه -ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
المقصود أنَّ الرحمة لها أسباب، فالواجب على العبد أن يأخذ بأسباب الرحمة، وذلك بتقوى الله، والاستقامة على دينه، والمسارعة إلى مراضيه، والحذر من مساخطه، هذه هي أسباب الرحمة.
رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

الأسئلة:

س: ....................
س: الكلمة التي فوق العرش هل نفس حكم القرآن غير مخلوقة؟
ج: هذا شيء خاصّ بالكتاب الذي كتبه الله جلَّ وعلا، فهو عنده فوق العرش سبحانه، وكتب فيه أنَّ رحمته سبقت غضبه.
س: يعني: هذه الكلمة غير مخلوقة؟
ج: العرش مخلوق، والذي فوقه مخلوق: الكتاب، والله هو الخلَّاق سبحانه وتعالى، وأما العرش والكتاب والسَّماوات والأرض والجنة والنار فكل شيءٍ الله خالقه، يقول سبحانه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62]، فهو الذي خلق كلَّ شيءٍ.
س: قلتَ سابقًا أنَّ العرش هو أعلى المخلوقات؟
ج: هو أعلى المخلوقات عند جميع العلماء.
س: ................